مقالات

د. فتحي الفاضلي

"جذور الصراع في ليبيا" (17)

أرشيف الكاتب
2016/08/25 على الساعة 12:54

كتاب جذور الصراع في ليبيا - لفتحي الفاضلي
(17) عمالقة...

وفي أواخر السبعينات ظهر الشهيد الشيخ محمد البشتي إمام مسجد  القصر الذي وقف مدافعا عن السنة النبوية الشريفة بصورة فيها من القوة والصراحة ما لم تعهده ليبيا في ظل النظام القائم. وقد ارتبط اسم هذا الشيخ الجليل بمعركة السنة في ليبيا حيث دأب على دعوة الناس إلى التمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وحثهم على مهاجمة منكريها وتكفيرهم، والتحريض على محاربتهم والتصدي لهم، في الوقت الذي كانت السلطة تشن فيه أكبر حملة ضد السنة النبوية بصفة خاصة وضد الاسلام بصفة عامة.
يقول الشيخ عن هذه المحنة: "... إننا نعيش الآن فتنة إنكار السنة التي هي أخطر من فتنة خلق القرآن، وكان يوجد يومها علماء أعلام عاملون مجاهدون تصدوا للفتنة ومثيريها فبينوا الزيف وردوا على الضلال، أما اليوم، فأين الرجال؟". وعندما اتهم الشيخ بالحزبية رد قائلا: "لسنا حزبيين ولا نعرف ما هي الأحزاب بالمعنى الذي يعنون، إنما بشرنا الله سبحانه وتعالى بأن حزب الله هم الغالبون وهم المفلحون ونحن لا نعرف سوى هذا الحزب...".
ودأب الشيخ على معارضة قرارات السلطة المخالفة للسنة النبوية جهارا نهارا من على منيره محذرا الشعب من مغبة هذه القرارات، موضحا لهم مواقع مخالفتها للسنة النبوية الشريفة، داعيا الناس إلى إنكارها والتحريض على تغييرها.
وفي يوم الجمعة 21/11/1980م، اقتحمت مجموعة مسلحة من أعوان السلطة، مسجد القصر بعد صلاة العصر والقت القبض على جميع المصلين بالإضافة إلى الشيخ محمد البشتي الذي أخرج من المسجد مجرورا من لحيته، وحمل مضروبا هو والمصلين إلى مقر اللجنة الثورية في أحد أحياء مدينة طرابلس. ثم تواصلت عمليات القبض فشملت كل من كان يتردد على المسجد، وأعدمو بعض تلاميذ الشيخ وسجنوا الكثير منهم. ولا يزال مصير الشيخ مجهولا وإن كانت الأخبار تُرجح استشهاده.
لقد فقدت الساحة الإسلامية في ليبيا باختفاء الشيخ سندا قويا وصوتا صداعا بالحق، فقد كان لا يخاف في الله لومة لائم. وكان يقوم بتهديد رجال السلطة من على منبره متحديا أجواء الإرهاب التي كانت سائدة في تلك الفترة، مما يذكرنا بمواقف السلف والأئمة الأفاضل كموقف الإمام أحمدبن حنبل عندما صمد في معركة خلق القرآن. واختار أحد الشباب هذه الأبيات تعبيرا عن خسارة الساحة الإسلامية للشيخ، يقول فيها صاحبها:
لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد رجل ...... يموت بموته خلق كثير

ثم يأتي الشهيد محمد مهذب حفاف رمزا لصمود الشباب الإسلامي، والشهيد من مواليد مدينة غريان، تحصل على الشهادة الثانوية عام 1968م، التحق بكلية الهندسة بجامعة طرابلس، أعتقل بعد إعلان الثورة الثقافية مباشرة (1973م).
وحاولت السلطة إقناعه بالتنازل عن مبادئه مقابل إطلاق صراحه. وكان الشهيد يزداد كل مرة إصرارا على الحق، وبعد عشر سنوات من الاعتقال والمساومة على المبادئ أعدم الشهيد علنا في 7 أبريل 1983م، في ساحة كلية الهندسة في مدينة طرابلس بحضور مئات من الطلاب والطالبات. ثم أخذ أعوان النظام يضربون جثته ويتأرجحون فيها وهي معلقة على حبل المشنقة ثم أخذوا يجرونها على الأرض متغنين بحياة النظام. وكان الشهيد على وشك التخرج من كلية الهندسة عندما تم القبض عليه فحوكم بالسجن لمدة خمسة عشر سنة ثم أعيدت محاكمته وحكم عليه بالسجن المؤبد ثم أعيدت محاكمته في 1983م فأعدم شنقا كما ذكرنا.
ويبرز في أوائل الثمانينات الشهيد أحمد أحواس، الذي استشهد عندما كان يخطط لاقتحام مقر قيادة العقيد معمر القذافي. وبرز الشهيد كرجل جمع بين الخبرة العسكرية والسياسية المصحوبتين بفكر إسلامي نقي صافي. وقد أجاب الأستاذ الشهيد أحمد أحواس عندما سئل عن مقومات النجاح لأعمال المعارضة قائلا: "يجب أن ندرك أن الشعب الليبي متميز بإسلامه، وهو شعب صغير الحجم وموزع على مساحة شاسعة من الأرض، وارتباطه بالاسلام أصيل ووثيق ولذلك فإن نجاح أي عمل من أعمال المعارضة يتوقف على مدى إدراكها لهذه الحقائق وعلى مدى أخذها لهذه المعطيات في الاعتبار عند تعبئة الشعب للقيام بدوره في المرحلة المقبلة". وعندما سئل عن البديل المناسب الذي يراه للشعب الليبي أجاب: "إني أؤكد أن الإسلام هو المنهاج الرباني الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لإسعاد البشرية جمعاء... ". وقد استشهد عندما كان يحاول اختراق الحدود من تونس متوجها إلى ليبيا لقيادة عمليات عسكرية ضد النظام في ليبيا.
ولد أحمد إبراهيم احواس، في مدينة جردينة عام 1938م. التحق عام 1960م بالكلية العسكرية واستمر في القطاع العسكري حتى وصل إلى رتبه رائد. وبعد قيام الانقلاب في سبتمبر 1969م، عمل في سفارات ليبيا في عدة دول منها الدنمرك والصومال واليمن وماليزيا وغويانا. شارك الشهيد في فبراير 1981م في تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا.
وشهدت أوائل الثمانينات أيضا بروز الداعية الشهيد الشيخ المبروك غيث المدهون، والذي كان يدعو إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ونبذ ما سواهما، ونجح الشهيد بصورة مذهلة، في تجميع الشباب حول سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والعودة بالمئات منهم إلى الطريق السوي، بفضل الله ثم بجهوده المخلصة. وذاع صيته في الآفاق وأصبح من أقطاب جماعة الدعوة والتبليغ، واكتسب احترام الجميع ومحبتهم وتقديرهم فاغتيل في جدة (في ديسمبر 1985م) أثناء أدائه لفريضة الحج، واعترفت اللجان الثورية بمسؤوليتها عن الحادث. وجاء في البيان الذي أصدرته الجماعة الإسلامية ليبيا حول اغتيال الشيخ ما يلي: "... واعتقلوه في مكة ثم مارسوا معه أبشع أنواع التعذيب حيث أحرقوا وجهه بالنار، ذلك الوجه المتواضع الكريم الذي طالما سجد في الليل البهيم، والناس نيام تقربا إلى الله سبحانه وتعالى، وسعيا إلى مرضاته، أحرقوا ذلك الوجه الكريم الذي طالما واجه الناس مبشرا، ومنذرا وناصحا مبصرا وواعظا مذكرا في تواضع ورقة ثم قتلوه ووضعوا جثته في حقيبة وألقوا بها في ضواحي مدينة جدة إبعاد للتهمة".
ولد الشهيد بمدينة ترهونة بليبيا في 1944م. وتحصل على  البكالوريوس من قسم الاحصاء بكلية العلوم بطرابلس سنة 1974م. وعمل معيدا في كلية العلوم لمدة سنة ثم اوفد للدراسات العليا سنة 1976م. تحصل على الماجستير في علوم الاحصاء التطبيقي من جامعة شمال كولورادو. واوقفت عنه المنحة الدراسية سنة 1984م بعد أن قطع شوطا كبيرا للحصول على درجة الدكتوراه. ومع بداية سنة 1985م اوقف الشيخ المبروك دراسته وانتقل إلى الامارات العربية المتحدة للعمل فيها ثم غادرها لقضاء فريضة الحج حيث استشهد. متزوج وله ثلاثة اطفال فاطمة ورقية وابراهيم (عن مجلة المسلم، العدد 22 جماد الثانية 1406هـ  – يناير/ فبراير 1986م).
ويبرز من القيادات الإسلامية الدكتور عمرو خليفة النامي الذي كان يقوم بتدريس مادة الثقافة الإسلامية في الجامعة الليبية في أوائل السبعينات (قبل أن تلغى هذه المادة). وقد سجن عدة مرات كان آخرها في عام 1984م، لم يخرج بعدها حتى الآن وقد تداولت الأنباء خبر استشهاده تحت التعذيب. وللدكتور كتاب عن "النفاق"، كما كان يشارك في تنقية وربما في وضع المناهج الدراسية في ليبيا وتنقيحها، وله قصائد إسلامية كثيرة أشهرها قصيدة يقول فيها:

ووقف الشيخ الطاهر الزاوي، الذي شغل منصب المفتي ورئيس دار الإفتاء في ليبيا في عهد الثورة بكل جهده وفي كل فرصة لاحت له ضد القوانين غير الإسلامية التي كانت تطبق في ليبيا.

وظهر في إحدى المناسبات للحديث عن ثبوت رؤية رمضان فاستغل هذه الفرصة وحرم الاستيلاء على بيوت الناس تبعا لقوانين أصدرتها الدولة تسمح بذلك، وحث الناس على ترك التعامل بالربا، واحتج على التدخل من قبل السلطة في رؤية هلال رمضان، ودعا الناس صراحة إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه. وبالإضافة إلى هذا كان الشيخ يقوم بالدعوة من خلال بعض الكتابات عبر الصحف كلما استطاع ذلك، ومن أشهر مقالاته مقال بعنوان (لا .. للبيت لساكنه) يحذر فيه من استيلاء الناس على مساكن غيرهم. فمنعته السلطة من الظهور في المناسبات أولا، ثم منعته من الكتابة في الصحف ثانيا. واستقال الشيخ من منصبه بسبب الصعوبات التي واجهته وبسبب العراقيل التي وضعت بغرض استغلال وعرقلة دار الإفتاء وشيوخها.
وقد شارك المرحوم مشاركة فعالة إبان شبابه في كفاح ليبيا عسكريا وسياسيا ضد الغزو الايطالي للبلاد، ثم هاجر إلى مصر فرارا من اضطهاد الطليان وطلبا للعلم حيث انتسب إلى الأزهر الشريف وتخرج منه. له عدة مؤلفات قيمة منها تاريخ الفتح العربي لليبيا، جهاد الأبطال، أعلام ليبيا (مجلة المسلم، شوال 1401هـ، ص 22).
وإلى اللقاء.. مع الحلقة الثامنة عشر.. باذن الله.. ومواصلة الحديث.. عن اتساع دائرة الحرب القذرة.. التي شنها النظام.. على الاسلام وأهل الاسلام.

د. فتحي الفاضلي
 فبراير- 1992م

- راجع الحلقات السابقة بـ (ارشيف الكاتب)

* لقد اصدرت الكتاب في فبراير 1992م في ولاية ميزوري، واستطاع بعض الاصدقاء تهريب نسخ منه الى ليبيا، تم تداولها سرا، وعلى رقعة واسعة في ذلك الوقت، وسأنشر الكتاب كما هو.والله ولي التوفيق.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع