مقالات

الصديق بودوارة

الديمقراطية، بنت نعش العرب!!

أرشيف الكاتب
2016/08/24 على الساعة 02:51

في كتاب "أدب الدنيا والدين" للماوردي، بيتان يستوقفانك، ويجبرانك على التمهل والتأمل وإعادة النظر:

((لكل أبي بنتٍ يراعي شئونها.. ثلاثةُ أصهارٍ إذا حُمدَ الصِهرُ
فبعلٌ يراعيها،   وخِدرٌ يُكنها.. وقبرٌ يواريها، وأفضلها القبرُ))

البيتان لعبد الله بن طاهر، وقد أوردهما "الماوردي" لغير ما أوردتهما في مقالتي هذه، ولكن المعنى لا يعترف عادةً بجغرافيا اللفظ، ولا يعبأ دائماً بمبنى الهياكل القائمة.
المبنى هنا أن  "القبر" هو جنة البنت، وهو معنى موغلٌ في البشاعة والتحيز معاً، لكن المعنى يتجاوز مبناه بألف درجة، ليصل إلى همٍ نعاني وطأته هذه الأيام، ومعضلةٍ لم يسمع بها "الماوردي" قبل أن يموت.
إن المعنى يقول بالديمقراطية الجثة، الديمقراطية التي جهزنا لها قبرها قبل أن تولد، الديمقراطية شبيهة "بنات نعش"، اللواتي قرر العرب في موروثهم العتيد أن يقرنوا قول العادة بفعل الاعتياد، فجعلوا كلمة "البنات" قرينة كلمة " النعش"، في عودة غير مظفرة لمعنى بيت " بن طاهر " الذي انتهى بحكمةٍ بشعةٍ مفادها: ((قبرٌ يواريها، وأفضلها القبرُ))، فهل أخبركم شيئاً عن " بنات نعش"؟
"بنات نعش"، هن نجومٌ سبعة، كانت العرب تستأنس بهن في العصر الذي وصفناه ظلماً بالجاهلي، وقد جعلوهن بمثابة أسرة أسطورية تسكن السماء وتلتحف الغيوم، وتتألف من "بنات نعش الكبرى"، وهو ما يعرف بالدب الأكبر، ثم " بنات نعش الصغرى"، وهو ما يعرف بالدب الأصغر.
لقد قرن العرب البنات هنا بالنعش، فهل خطر لأولئك الحالمون الكبار أن أبنائهم سيقرنون ذات يوم الديمقراطية بالقبر، لتصبح الديمقراطية بمثابة بنت نعش العرب؟
الديمقراطية بنت نعش العرب، لكنها حلمهم الأزلي أيضاً، فكيف تُقدمُ أمةٌ كاملة على دفن حلمها العظيم في نعشٍ لا يليق به؟ أم أن شرط دوام الأحلام العظيمة يكمن في أن لا تتحقق لكي تبقى جديرةً باسمها العظيم ؟ أم أن الحالمين العرب كانوا قد سلكوا إلى حلمهم ذلك الطريق الخطأ، فقادهم الطريق الخطأ إلى القبر الصحيح ؟ لا أحد يعرف، لكن القليل من التأمل قد يصلح الكثير من الأخطاء . لنتأمل إذا لعلنا نصل إلى نتيجة.
طيلة العقود التي مضت كانت الديمقراطية حلماً للنخبة والشارع على حدٍ سواء، وكان الشعراء العظام قد وجدوا قضيتهم في المطالبة بالكنز المفقود، إلى حد أن عمالقة بحجم "نزار قباني" و "أحمد مطر" و "مظفر النواب"، كانوا قد بنوا مجدهم الشعري على أساس حلمهم بالديمقراطية وتنديدهم بالاستبداد، لقد كان السواد الأعظم من العرب يذرعون شوارع الكلام بحثاً عن "السندريللا" الديمقراطية، لكن أحداً منهم لم يكن  يعرف من ملامح السندريللا الغائبة سوى رقم حذائها القديم، إنك لن تستطيع أن تجد السندريلللا بمجرد معرفتك برقم حذائها إلا في الأساطير القديمة فقط.
في العدد 35 من مجلة "الناقد"، عدد مايو 1991م نعثر على هذا النص لنزار قباني:

((أصواتنا مكتومة..
شفاهنا مختومة..
شعوبنا ليست سوى أصفار.
إن الجنون وحده يصنع في بلادنا القرار.))

إلى هنا انتهى الاقتباس، ومن جدوى الاقتباس أن لا ينتهي من استنطاق النص، لكن نص "نزار" لن يدلي لنا بالمزيد إذا سألناه عن الحل العملي الناجع المنطقي، الذي يصمد لواقع الشارع والتاريخ معاً، الحل الذي يغادر منصات الالقاء في القاعات المخملية المزدانة بعشاق الشعر وجميلات المقاعد الأمامية، إلى حيث شوارع الممارسة العملية والتعايش اليومي  المعتاد.
هنا، وعند هذه النقطة بالذات، أؤكد لكم، لو سألنا "نزار" وجمهوره معاً أن يتفضلا بتفاصيل علاج مأساة "الأصوات المكتومة والشفاه المختومة" فإننا لن نسمع الكثير باستثناء المزيد من الشعر من "نزار"، والمزيد من التصفيق من القاعة المكتضة بالجمهور.
في الواقع لم يكن ثمة حل، وعلى امتداد ساحة القمع الشاسعة، كان الجميع يشكو الاستبداد، وكانت السجون تمضع المزيد من روادها كل يوم.
كانت الشكوى، وكان النضال وكانت المقاومة، وكان هاجس الارتقاء إلى "جنة الديمقراطية " حلماً يداعب سجناء الرأي المخضبة ملامح وجههم بالدم، لكن الحلم كان بحاجةٍ إلى عنوانٍ للوصول إليه، وإلى لغةٍ للتفاهم معه، وإلى تاريخ مشترك للتعايش مع تفاصيله، وإلى قدرةٍ على ممارسته إذا ما تم اللقاء به في نهاية المطاف.
في الواقع، كان الملايين يستمتعون بالحلم، لكن أحداً لم يكن يملك تصوراً واضحاً عن كيفية الاستمتاع بممارسته إذا كف عن كونه حلماً ذات يوم.
عقود طويلة مرت، واستبداد عتيد انقضى، وكلما كان القمع يوغل في إحكام قبضته، كلما كان الابداع يتفنن في الابتكار والخلق، فكانت مرحلة الشعراء العظام، والفن العظيم، والملاحم الرائعات، إن تلك المرحلة المشحونة تنتج تناقضاً عصياً على الفهم، إذ أن غياب الحرية السياسية كان يصاحبه دائماً حضور الابداع متمثلاً في الرمز وشعر الرفض وأدب المقاومة وأغنية التحريض، لقد كان الحلم بالديمقراطية يركض نحو وجهة واحدة، لكن  الجميع كانوا مشغولين بالركض دون أن يسأل أحدهم عن صواب الاتجاه.
والآن، هانحن نعيش مرحلةً تختلف، فقد انتهت الديكتاتوريات العتيدة، وتهاوت صروح الرأي الواحد، وسقطت نظرية "الحاكم باسمه"، لكنك لو أحييت " مظفر النواب" من موته وقدمت به إلى العراق الآن، وفي صحبته "أحمد مطر"، فلن يجداً ما يتفوهان به، وربما سيطلبان منك أن تعود بهما على وجه السرعة إلى القبر، لعل الموت ينقذهما من مأزق التعبير عما لا يستطيعان التعبير عنه.
والآن، ها هو استبداد الفرد يسقط، وهاهو الحلم القديم يتأملنا من بعيد، وهاهي " الديمقراطية" المنشودة تفتح لنا الباب إذ طرقناه، لكن اللقاء كان بارداً إلى حدٍ لا يُصدق، ولغة الحوار كانت تختلف، لقد كنا الضيوف الخطأ في المنزل الخطأ، فلا هذه الديمقراطية تعرفنا، ولا نحن نمت لها بصلة، فليس في تاريخنا برلمان ولاصندوق انتخاب ولا أحزاب، وليس في موورثنا ولا في جيناتنا الوراثية سحب الثقة ولا مجتمع مدني، وليست من ملامح حضارتنا القديمة أن يتشتت الولاء بين كتلٍ وهياكل مستوردة على عجل، إننا نرتدي ثوباً لم يُصنع لنا من الأساس، وندعي وراثة تاريخٍ لم يكن آباؤنا يمتلكونه، لهذا وقعنا فجأة في أسر تجربة صندوق انتخابٍ فاشل لم ينتج لنا سوى "الخراب المستعجل"، وخضنا تجارب انتخابية كانت نواتجها أصفاراً كبيرة بجميع المقاييس، وهربنا من سجن استبداد الفرد إلى معتقل استبداد المجاميع.
إننا نجر الديمقراطية من شعر راسها إلى القبر مباشرةً هذه المرة، وكأنها تلك البنت القديمة التي لخّص "عبد الله بن طاهر" مأساتها ذات يوم بعجز بيته الرائع:

((وقبرٌ يواريها، وأفضلها القبرُ))

ختاماً، هل صار علينا أن نعترف الآن بأننا لا نعرف من ملامح السندريللا الغائبة سوى رقم حذائها القديم؟ وإننا لن نستطيع أن نجد السندريلللا بمجرد معرفتنا برقم حذائها إلا في الأساطير القديمة فقط . أليس كذلك؟
الصديق بودوارة

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
البهلول | 24/08/2016 على الساعة 09:16
السندريللا
لا السندريلا وارها قبرها ولاهي ذهبت اليه برجلها ظلت وهما اسطوريا يداعب مخيلة كل شاعرا يهيم على صحراء احلامه ، والديمقراطية نبته غربية لاتهضمها بطوب العرب على اختلاف افكارهم لانهم لم يفهم الاسلام فهم كفار لادين لهم يرتدون جلباب واسعا عن مقاسهم ويصرون على تريد شعارات لايفقهون تعاليمها ويحملون على ظهورهم الحدباء احلام من رحلوا وتواروا خجلا وراء قبورهم يسبحون للشيطان ويتعبدون في قبورهم اصناما حجرية كما تعبد اجدادهم هبل واللات والعزة انهم اقوام من كفرهم انزل الله عليهم كل الانبياء وما وجدنا في التاريخ نبي خارج بلاد العرب وما امنوا على خوفا من السيف وعندما راق بهم المستقر كفروا وانتج فكرهم المريض فرق الانصار والقاعدة والدواعش واصار بيت المقدس وعبدة الشيطان لايهمهم ان كانت ارقام حذاء السندريللا كبيرة او صغيرة انهم يسعون لتعليمها لبس النقاب وطاع الزوج وعدم الخروج من البيت الا في حالة نقلها الى قبرها الابدي حيث يقول الشيخ انه جنتها هل بعد هذا كفر بقيم الاسلام ؟
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع