مقالات

د. علي وحيدة

العالم قبل التعايش مع الأزمة الليبية... والليبيون لا يحتسون كاس السم

أرشيف الكاتب
2016/08/21 على الساعة 18:23

صيف هذا العالم أكثر ألما وأكثر معاناة على الليبيين جميعا ويعكس هزيمتهم المشتركة على جميع الجبهات تقريبا. فبلادهم، وهو قول يتسم بنوع من الأدب والحياء، في حالة تشرذم قصوى، ومصير مئات الآلاف من المواطنين معلق والاقتصاد الى الحضيض، وأفضل حل دولي تمخضت عنه قريحة وعبقرية الدول الكبرى في نفس الوقت  يدفع الى الاشمئزاز.
الواقع ان العالم  بات يتعايش مع بؤرة فاشلة أخرى  تضاف إلى بؤر الفشل القائمة منذ  عقود من دول القارة الإفريقية إلى منطقة الشرق الأوسط  وأفغانستان.
لقد أطلق احد السياسيين الأوروبيين على هذه الدول الممتدة من الصومال الى  أفغانستان  مرورا بليبيا باسم "الهلال الميئوس منه" وهو ما يعني ان أحلام الليبيين في الولوج لدولة الحداثة وبسط أسس  الحياة الكريمة والمؤسسات الصلبة لأبنائهم قد تبخرت في أروقة  مؤتمرات أصدقاء ليبيا، وملفات مبعوثي الامم المتحدة، وفي اجندة السياسيين الليبيين من  مسئولي أحزاب ورجال دين وعسكريين وتى بعض رجال الأعمال.
لقد رفض الليبيون بمختلف مأربهم منذ سنتين  تحديدا وعندما احتدمت وتيرة الأزمة الداخلية القبول بخيار العقل وبما سميناه في ذلك الوقت ب "تجرع كاس السم" لصالح أبنائهم بالدرجة الأولى ونسائهم وشيوخهم الذين أصيبت حياتهم ومقوماتهم المعيشية ومستقبلهم في العمق. بدلا عن ذلك رهان الليبيون ،شرقا وغربا، على خيار الاقتتال، اما مترجمين بشكل دقيق وبوفاء أسطوري أجندة الأجنبي، واما  وهم تحت تخدير المفتي وذيوله  او تحقيقا لرغبة متعطشين على السلطة.

الأجندة الأوروبية في مجال الأمن والإرهاب والمصالح الإستراتيجية في المنطقة وخطط تقسيمها لم تعد تتعارض إطلاقا مع انهيار الوضع في ليبيا.. فسيطرة داعش على سرت  أوشكت على نهايتها بفعل الضربات الأمريكية المتاخرة ولكنها فعلية  وهي ضربات قد تطول، او تقصر، وفق ما تمليه المتطلبات الداخلية للبيت الأبيض والمرشحة الديمقراطية. ولكن بعد سرت تبدأ مرحلة أخرى من تصفية الحسابات الليبية-الليبية اعد لها فرقاء النزاع  بدقة ومهارة  وتتمحور جول الشقين الرئيسين الاول في التحكم في طرابلس وانتقام  "منتصري" سرت ممن حاولوا  إزاحتهم عن مواقعهم في العاصمة هذا الصيف... والمحور الثاني سيتمثل في استمرار حرب المواقع في الهلال النفطي.
في انتظار ذلك تضل الانتصارات الوهمية من كل معسكر ضد المعسكر الأخر قائمة ويستمر الدينار الليبي في الانهيار ويتصاعد يأس المواطنين، حيث للمرة الأولى في تاريخ البلاد يتوجه الليبيون على زوارق إلى اليابسة الأوروبية ليس بحثا عن العيش الرغيد او شغفا بالهجرة، ولكن لانقاذ ذويهم من محن المرض المزمنة والتي عجزت خزائن الدولة المنهوبة من الاستجابة لها منذ أشهر... لم يقبل الليبيون بالتراضي والمصالحة والتساوي في تحمل مسئولية استعادة الأرض والكرامة والنأي بأنفسهم عن الأجنبي والعودة لصواب العقل وصدق الضمير(...).
لا يحمل المجلس الرئاسي ولا القوتان الأخريان المناهضتان له في كل من طبرق او طرابلس إي تصور مقنع لإخراج البلاد من الأزمة... والاخطر من ذلك انهارت معنويات الفرد العادي جعلته يفقد الثقة في المستقبل ولم تعد الغالبية ترجو شيئا يذكر من طبقة سياسية و منظومة دينية وعسكرية فقدت كل مصداقية.
هذه الاشهر والسنوات الي تضيع من تاريخ ليبيا  تضيع إلى غير رجعة... فالمشاريع الكبرى التي تنهض بالشعوب والأمم منعدمة والتخطيط  لقلب الواقع  محرم  ومن دار الإفتاء نفسها!
لقد فشلت كافة محاولات المصلحة بين الليبيين لانها تتعارض مع مصالح عرابي الأزمة في الداخل أولا، ومن يقف ورائهم في الخارج أيضا.. ويعتبر تمسك  جميع المعنيين  بترهات اتفاق سياسي أجرب، هدرا للجهد والوقت  في حين يعي الجميع ان مسالك الخروج من النفق لم تتغير  ولو قيد أنملة منذ عام 2011 وتتمثل في اتفاق ملزم  بأبجديات لا يختلف حولها حتى رضيعين.
من اهم ذلك استحالة التعايش بين الدولة وبين من لايؤمنون علنا بالدولة من عصابات مسلحة وأحزاب دينية متطرفة وقوى سياسية فاسدة ومافيا  تريد الاستحواذ على المال الناس والتحكم في أعناقهم. كذلك فان الدول لا تبنى بمجرد عصا سحرية ولا عبر مجالس غربية الأطوار والتكوين والانتماء مثل المجلس الرئاسي للوفاق الوطني،الذي  يقيم ولا يقيم في عاصمة بلده،، والذي يتعامل مع الليبيين  بشكل تمييزي واضح والذي يرفض مخاطبة الناس بشان  خططه، وبشان حقيقة تحالفاته الداخلية والخارجية ويرفض ان يقر ان مهامه كتبت خارج البلاد وتتمثل في احتواء داعش، والتحكم في الهجرة وضمن إمدادات الطاقة للشريك الأوروبي.. لا غير.
لقد غابت المصلحة الوطنية الفعلية عن اهتمامات السيد السراج وهو أمر مؤسف بالنظر لما وضعه فيه عديد من الليبيين الربيع  الماضي من طموحات وأحلام... لم يطرح المعني ولا المجلس الرئاسي خطة سليمة واقعية بتضميد الجراح والولوج تدريجيا نحو مصالحة صلبة وإعادة توطين من شرد من ارضه... لم يتم بلورة اي سياسة قضائية صحيحة  وحتى بشكل محتشم تطمأن الناس عن مستقل دولة القانون في ليبيا رغم مضي أشهر عدة على وصول المجلس إلى أبو ستة،وهي مهمته الأولى على الإطلاق.
لا يزل التمثيل الدبلوماسي الليبي متهرئا ومثيرا للسخرية في دول العالم ولا تزل الدبلوماسية الليبية غابة تعبث فيها الذئاب (...).
لقد تأقلمت دول الجوار المختلفة جنوبا وشرقا وغربا مع الحالة الليبية الغريبة كما تأقلمت لسنوات مع النظام السابق وعرفت كيف تستفيد من ثورة ووضعية دولة مغلوبة على أمرها ومحاصرة رسميا إلى اليوم. كما وضعت الدول الأوروبية التي كان وراء انهيار الدولة  الليبية في حساباتها  تآكل مستدام لهذه الدولة والتي أصبح البحث في شؤونها مجرد ملف ينقل من اجتماع لآخر وفق ما تتطلبه السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي واليات دعم  دفاعاته وتحركاته  في المتوسط ومنطقة جنوب الصحراء.
أما شعب ليبيا فغالبيته يراقب الوضع بألم ويأس وقنوط.. فقد تم تشديد الخناق عليه  بشكل غير مسبوق وضاعت الأجيال المقبلة  من بين أيدي الجميع، لان هذا الوطن لم يعثر على من يقبل من اجله بتجرع كاس السم.. فلا انتصار في دولة  لا وجود لها والهزيمة الكبرى هي هزيمة العقل وهزيمة الفكر وهي الحالة التي وصل اليها هذا الوطن اليوم.
د. علي أوحيدة

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
د. أمين بشير المرغني | 25/08/2016 على الساعة 09:34
هلاك أمة السذج
استشراف واضح لمستقبل مظلم . والذي نشأ بسبب التصور الساذج والجاهل لنوايا الغير حتى تصور أن "المجتمع الدولي " هو "ماما" هذه الامة ومنقذها. أود إضافة بعض النقاط. أولا أن خارطة المصيبة أوسع من ليبيا فهي قائمة في نطاق صراع الحضارات وتضم كل من وصف بالعرب وكل المناطق الاسلامية بدءا بالشرق الاوسط الذي سيعهد بالتحكم فيه الى اسرائيل وهذفه السيطرة المباشرة على موارد المنطقة وموارد أفريقيا الطبيعية في إطار صراع بين الصين وأوروبا وأمريكا . ثانيا أن الحرب في العاصمة ستكون أمرُّ من حرب سرت وربما لا تهرع أمريكا لمساعدة أي طرف ( ربما تأمر بتزويد كل المتقاتلين بالسلاح) وتترك المعركة تتأجج لتبيد آخر رجل قادر على حمل السلاح، فالكل لا يستحق الحياة ومثال فج للرعونة البشرية. ستدوم هذه الحرب عشر سنين أخري يصبح بعدها من المستحيل تصور أي استمرار أو قيام أي مجتمع عربي أو اسلامي أو مختلط بينهما . وبعدها يطرد المهاجرين من بلاد الغرب الى هذه الاوطان المدمرة ليبنوها على طريقة بول بوت التي نفذها على سكان عاصمة كمبوديا. ذلك الحاكم المجرم كان عند الامم المتحدة ومجلس الامن هو الحاكم الشرعي وإن أباد نصف سكان بلاده.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع