مقالات

أكرم الجبالي

مجتمعاتنا العربية... ووجهي "الدكتور جيكل والمستر هايد"

أرشيف الكاتب
2016/08/20 على الساعة 20:52

سأستهل مقالتي القصيرة هذه بلطيفتين إنتشرتا في بعض مجتمعاتنا العربية كنوع من التهكم، والسخرية، على ماتعانية تلك المجتمعات من إزدواجية في المعايير، وفقدان بوصلة الاولويات، والتمسك بالشكليات دون الجوهر والمضمون. فالاولى تحكي: ان تاجراً من بلاد الصين يقول مستغرباً، ومستهجناً تصرفات زبائنة العرب، المتناقضة: "يأتيني تُجار من بلاد العرب يطلبون مني بضائع مغشوشة، وعلامات تجارية مزورة، وعندما يحين وقت العشاء، واقدم لهم الخمر، يقولون: "نحن مسلمون لا نشرب الخمر، وديننا يحرم علينا ذلك!". أما الاخرى، فيقول فيها نادل لدى احد مطاعم عاصمة دولة غربية: "يجتمع لدينا زبائن من الدول العربية، يطلبون مالايحصى من انواع الخمور، وحتى إذا ماحان وقت إحضار الطعام يحذرونني من جلب اي طعام يحتوي على لحوم الخنزير، ويدعون ان دينهم يُحرم اكلة وان به ضرر على الصحة!".
فعلى الرغم من ان تلك القصص قد لاتعدوا كونها لطائف يتندر بها المتجالسون، وطرائف يتسامر بها المتسامرون، إلا انها تحاكي واقع مرير تعيشة مجتمعاتنا العربية، الا وهو واقع إنفصام الشخصية العربية، والذي فقدت معه القدرة على ترتيب الاولويات سواء الحياتية منها، اوالدينية، حيث تكون النتائج في الاخيرة - بطبيعة الحال - ادهى وامر، بل واحيانا كارثية. وانا اسمى ذلك التصرف "بالانفصام التفكيري"، حيث اعتذر هنا لعلماء النفس على الاستعارة والتطفل عليهم.
فنجد الكثير في تلك المجتمعات يتصرف بوجهين مختلفين عن بعضهما تمام الإختلاف، حسب الهوى والمزاج، والشهوة الكامنة والرغبة المدفونة. فتارة يتقمص الفرد منا دور الرجل الصالح، وتارة اخرى يطلق العنان لشهواته، وهواه إذا ماخلى بنفسة او تغيرت بيئته. تماما كما هو الحال للدكتور "جيكل" في رواية "دكتور جيكل ومستر هايد" للروائي الاسكتلندي "روبرت لويس ستيفنسون"، والتي يتغير فيها وجة الدكتور "جيكل" البرئ المسالم، وذو الوجه الرقيق، ويتحول الى ذلك المسخ الكريه المنظر، ذو الوجه المشوة، والقبيح، بنائاً على ميزان قوى الخير والشر في نفسة، وذلك بعد شُربة لتركيبة كميائية خبيثة ركبها. فإذا ما إزدادت نزعة الشريرة في نفس الدكتور جيكل وهاجت وماجت، تحول الى ذلك المسخ الذي يستمرء القتل، والشر، وكل شئ ردئ وعمل خبيث. اما اذا ما اقبلت فطرة الخير وتفوقت، عاد الدكتور جيكل الى طبعة الهادئ وشكلة المسالم. وهكذا هو حال مجتمعاتنا التي اختل فيها توازن المنطق، وضعف فيها صوت العقل، الى ان نبت فيها التفكير الشاذ ، وترعرعر فيها شذوذ التفكير ليتحول فيها الكثير من افراد مجتمعاتنا الى ملايين النسخ من المستر هايد والذي خرج عن طور وسيطرة الدكتور جيكل.
فمن علامات "الانفصام التفكيري" لدينا، او لنقل من اوجة الدكتور جيكل المتناقضة؛ ان ترى احدهم يُمتع ناظرية بالنظر الى النساء ليلا نهارا، ثم تنتفخ اوداجة وتمعر وجهه اذا ما نظر احدهم الى اخته، او بنته، او امه! ومن اوجه الدكتور جيكل؛ ان ترمى السيدة المحتشمة بلباسها المحتشم، وعباءتها الفضفاظة بمجرد ان تغادر الطائرة الاجواء المحلية، وتدخل الى الاجواء الدولية!
كما ان من "الانفصام الاجتماعي" ان يحلم الرجل بالزواج من فتاة صغير بعمر بُنيته الكبيرة، ويرغي ويزبد اذا ما جاء احدهم، والذي في عمرة، طالباً يد احدى بناتة؟ او ان يتمنى الشاب ان يتزوج من فتاة بأخلاق الصحابيات، وبجمال الحوريات، وهو اشعث اغبر لايفقة من الدين إلا القليل، ولايطبق من إلا اللمم.
واختم مدونتي الاولى هذه ايضاً بقصة واقعية قد تصف حالة "الانفصام الاجتماعي" لدينا، ولربما بشكل آخر؛ قبل عدد من الايام قرأت خبراً على صفحات إحدى الجرائد الالكترونية مفادة ان إحدى المنقبات، والتي كانت في زيارة لإحدى الدول الغربية، قد آثرت دفع غرامة وصلت قيمتها الى عشرة آلاف دولار لإرتدائها للنقاب، والذي هو محظور في مقاطعة واحده في تلك الدولة التي تقوم بالتسيح فيها، على ان تمتنع عن لبسه او المغادرة! اليس هذا حالة من حالات "الانفصام التفكيري" التي تعاني منها مجتمعاتنا؟ ألم يكن من الاحرى بتلك الاخت مغادرة تلك القرية، او حتى تلك الدولة بالكامل، والاحتفاض بمالها ذلك لابنائها وبيتها، خاصتاً ان المنع يشمل فقط مقاطعة واحدة من تلك الدولة؟! الم يكن من الاجدى ان تتبرع بذلك المال للفقراء، وما اكثرهم في امتنا، وتذهب للتمتع بالجو المشمس في مدينة او دولة اخرى؟! الا تعلم تلك الاخت انها تتحدى اناس همهم جمع المال، ولايبالون بمثل هذه البطولات، وحركات الاكشن والعنتريات؟! الا تعلم تلك الاخت انها، بعملها ذلك، تدعمهم اكثر من كونها تقاومهم؟!  ام ان المهم في غور تلك النفس، والتي لايحيط بكنهها ولايعلم بنواياها الا الله سبحانة، تحقيق نصر واشباع لها داخلي لايغني ولايسمن من جوع؟
ولهذا وبسبب سيادة وجه المستر هايد في مجتمعاتنا، وتنحي وجه الدكتور جيكل ، بمجرد ان نتخلص من دكتاتور وظالم، ونظن ان قد حصلنا على الجوهرة المكنونة المسماة "الديموقراطية"، يخرج علينا مئات، وإن لم يكن آلاف، الطغاة الصغار يحلمون بفعل الافاعيل بشعوبهم كما فعل سلفهم.
أكرم الجبالي
* ملاحظة: الكاتب ليس ضد النقاب، وانما يرى فقط ان التفكير المنطقي، وترتيب الاولويات، قد فُقد في جوانب كثيرة من حياتنا.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع