مقالات

د. محمد الصغير الهوني

من واقع حكايات المهاجرين (1)

أرشيف الكاتب
2016/08/19 على الساعة 14:51

الاخوة السودانيون لهم سمة خاصة يتميزون بها عن غيرهم، من الهدوء ودماثة الاخلاق وطيب المعشر، واذا ما توطدت العلاقة باحدٍ منهم وغبت عنه فانه حال ما يراك او يعثر عليك فانه من الشوق يناديك "كُتَ فين يا فردا" اي انك حصُلت على رتبة "مرادف او فردا" في علاقتك معه اي انك صرت رديفه او فردة حذائه التي لا يستطيع السير بدونها او شطر رغيفه المكمل لغذائيه او الظل الملازم لحله وترحاله، وهو الامر كذلك مع محمد الطاهر احد المقيمين القدامى ومن الذين عاصروا كل تقلباتنا وتنقل بين العديد من مدننا وقرانا ودخل العديد من المكاتب والبيوت بحكم طبيعة المهن والحرف التي مارسها وجعلته شاهد عيان وعدسة ناقلة بحكم ما يتمتع به من كياسة وفطنة وملمح يُعتمد  عليه، هذا اذا ما اطمئن اليك بان يقول اليك الحقيقة.
الطاهر اليوم، ليس كعادته من فن الدعابة والابتسامة حين يلاقيك وحكايات المغتربين ومقالب الحرفيين، لقد كان على غير عادته متجهماً مهموماً، ما ان بادرته بالسلام، حتى اجابني بانه لم ينم منذ ثلاثة ليالٍ، اذ الاخوة السودانيون يحسبون الوقت بالليالي،  وهم محقون في ذلك ويقدمون الليل على النهار "فلا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون"، يسترسل الطاهر، انه وعائلته لم تطبق لهم جفون، مذ هاتفهم ابنهم وانه على شواطيء تليل بمدينة صبراته وهو على اهبة الاستعداد للمغادرة عبر قوارب الهجرة، وفي حوار غير متوازن تملأه العواطف والشجون والترجي من طرف الاب والام والاخوات بان يعود، وروح المغامرة والاندفاع والاقدام من طرف الابن بانه ذاهب الى ضفاف الشاطيء الاخر الاخضر والاشقر، ويطمئن عصمان ابيه بالا يحزن والا يكترث فقد وضع مصيره في ايدي امينة وقائد مركب بارع ماهر متمرس،  من الصومال، الموعود باحد الحسنتين باعتباره احد رعايا المستعمرات الايطالية القديمة والمضمّن في الدستور الايطالي بالرعاية واستجابة نداء الاغاثة من جزيرة "لامبي دووزا" الايطالية، ويرافقه زميله المسمى الريّح، اذ من عادة السودانيين ان يسمون هذا الاسم لمن كانت ولادته مُتيسرة ولم تكن قاسية او عرضية فينادى بالقاسي او العرضاوي، فكان ريّحاً ولم يُتعب امه، ويخطيءُ الكثيرون في مناداته بالريح ظناً منهم على سرعة حركته  او كما يسمي البعض ابنائهم بعجاج... يستطرد الطاهر قوله، ورغم معاناته فانه لم ينسَ دعاباته قائلاً... نحن منذ ذلك الاتصال ونحن في حيرة، ولم نعد نعرف ما اذا كان عصمان نائماً في احضان "سانتا لوتشي" او انه نُفث عبر خياشيم حيتان المتوسط... غير انه يُطمئن باله ويسرح بخياله في ليالي الهضبة الشرقية الساخنة  حيث يقيم،  ويرسم امجاداً ويبني قصوراً، بان عصمان سيصطحبهما وامه ايطاليا وسيقضيان نهاية عمرهما متمتعان بمظلة الضمان الاجتماعي او حتى الاقامة في دار المسنين والعجزة  لكنه سرعان ما يستفيق من احلام يقظته... ويقول ان هذه الدنيا وكما تفعل سيفعل بك، ويروي الطاهر...  كيف انه قبل  عشرين سنة من الآن وكيف غادر ضواحي الخرطوم من " الجريف " دون علم والديه وكيف انهم ظلوا يبحثون عنه لمدة اشهر والى ان هاتفهم من المنشية بمدينة سبها... يختم الطاهر حديثه وهو في غُصة وترقب عن مصير ابنه عصمان، قائلاً هي الايام نداولها بين الناس وكما تفعل فانك لا محالة نائلاً وشارباً من الكأس ذاته... فقط وليس الا... والى البقية في الجزء الثاني.
د. محمد الصغير الهوني

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع