مقالات

عبد السلام الزغيبي

المطبخ في بيوت بنغازي

أرشيف الكاتب
2016/08/18 على الساعة 13:47

من اجل السعي لتكملة الموضوعات التي داءبت علي كتابتها والتي تركز جانب كبير منها علي الحياة اليوميه في بنغازي القديمه، لتكون لبنه لتسجيل وتدوين موروثنا الشعبي الذي كان يشغل الحيز المهم من حياة اباءنا واجدادنا اليوميه ونوثق الاحداث وسير حكايات الماضي للأجيال التاليه خشية أن يطويه النسيان والأندثار. وكان لمتابعة بعض الأصدقاء والمتابعين الحافز القوي للاستمرار في سرد ذكريات جميله مرت علي بنغازي وسكانها. غير ان الالحاح المستمر من الأخ الصديق محمد الخفيفي الذي كان يتابع باستمرار المقالات التي كتبتها عن الاحداث القديمه في بنغازي والتي لم يتاح له معايشتها والمشاركه في تفاصيلها باعتباره من الأجيال التي ولدت في السنوات التاليه فقد رايت ان التفت للجانب المهم في بيوت وحياة بنغازي كما أشار الصديق محمد الخفيفي واسد بدوري ثغرة كانت مؤجله بسبب بعض التفاصيل الخصوصيه لحكاية المطبخ والاكلات والاعداد لتجهيز الوجبات والولائم. وسوف اتطرق في هذا المقال لبعض الذكريات عن المطبخ والاكلات املا ان اتابعها بمقالات لاحقه لتكملة جوانب مختلفه.
مرت مدينة بنغازي وسكانها من الاسر الليبية كما الليبين جميعا لسنوات طويله من العوز والفقر والفاقة والحاجة،و حتي القحط في صورة سنوات (الرهمه)، وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية التي دارت بعض معاركها و رحاها على الارض الليبية، والتي استمرت لمدة عامين وتضررت من جرائها كل المدن والمناطق والسكان بما فيها سكان مدينة بنغازي الذين اضطروا للنزوح عنها الى اماكن اكثر امانا،فيما عرف بـ (سنين الجلاء او كما يقال اثناء السرد.. أيام الجلا) خارج المدينة فرحلوا الي سلوق، والمرج واماكن في الضواحي البعيده من المدينة مثل منطقة، اللثامة، وسيدي خليفة، والقوارشه، وبوفاخرة، وقمينس،فندرت بذالك المواد الغذائيه الاساسية ومنها الخبزعلي سبيل المثال. مما اضطر الناس لخلط ما توافر لهم من دقيق القمح ومسحوق حبوب الفاصوليا لصنع الخبز، حتى اطلق الناس علي تلك الفتره الصعبه (عام الفاصوليا) وندرة مادة السكر الضروريه لاعداد الشاهي فاضطروا لاضافة بعض حبات التمر لاناء الشاهي بدلا من السكر. وكانوا قد اهتدوا لاكل بعض الأعشاب والنباتات التي لم يكن اكثرهم قد تعرف عليها أصلا من قبل، فجربوا اكل (الغرنبوش، وكريشة الجدي، والفقاع، والحلبه الخضراء، والقعمول، والشماري) وتمكنوا من استخدام الأعشاب الطبيه في معالجة بعض الامراض الطارئه.
وبعد انتهاء الحرب، وعودة النازحين، تكيف الناس مع ظروف مابعد الحرب، وبقى الكثيرون دون عمل وكانت الاجور قليلة،وتم توزيع السلع التموينية الاساسية باليطاقات، كما اطلق عليه (القرامات) لان اغلب المواد التي يتم صرفها تكون حسب عدد افراد الاسره البالغين وعن طريق الوزن حسب نوعية السلعه. أي بالجرامات المقرره لكل فرد، ، وتلك كانت وسيله لتوزيع المؤن الضروريه. للتخفيف من معاناة المواطنين و منعا للتجاوزات فلكل شخص بالغ قرامات معينه من سلعة ما وعلي المواطنين البحث عن وسائل اخري لتوفير حاجاتهم، وفي تلك السنوات جرت امثلة ومقولات جرت على السنة الناس للتندر والتفكه. مثل مقولة" طبيخة وفيها عدس" دليل على ندرة حبوب العدس في البيوت والاسواق وغيرها من البقول في تلك الفترة.
يتميز المطبخ البنغازي بتنوع اكلاته واطباقه التقليدية مذاقها ونكهتها الغنية بالبهارات والاضافات المحليه والتوابل، حيث كانت طريقة تحضير الطعام في البيت البنغازي تعتمد على بعض الادوات المساعدة فى تحضير الطعام مثل المعدات التقليدية "الرحى" المصنوع من حجر معين يتم قطعه من جبال في الصحراء، وهي التي تستخدم في طحن الحيوب وتحويلها الي اما دقيق مسحوق او الي اكثر خشونه لاستخدامه في أغراض معينه في الاكلات، وذالك قبل ان تندثر هذه الوسيلة، ويتم الاستعانة بالمطاحن الشعبية التي كانت تدار في البداية بواسطة الجمال او البقر والحمير، وبعد دخول الالات الحديثه بدأ استخدام المطاحن المتطوره التي تعمل بالكهرباء، وكان من اشهر المطاحن الحكومية مطحن البغل الذي يطلق عليه محليا، الجغل في حي سيدي حسين، والذي كان قديما يدير بجهده الات المطحنة ثم انتشرة المطاحن الخاصه في شوارع واحياء بنغازي ومن بينها مطحن كان يملكه سي احمد الغرباوي في شارع بالروين المتفرع من سوق بوغولة والذي كان من أوائل المطاحن التي يملكه احد العرب الوطنين وقد زاحم به المطاحن التي كان يديرها بعض الايطاليين.
اضافة الى الرحى، كان هناك الغربال بنوعيه (الواسع والعمى) وهو يتكون من إطار من الخشب على هيئة دائرة يحوى شباك من الاسلاك المعدنية، يستعمل لفصل النخالة (قشر الحبوب)عن الدقيق. وكانت وسائل طهو الطعام تعتمد اعتمادا رئيسيا على الحطب كوقود وعلى الاثافي. التي يطلق عليها محليا مناصب وهي ثلاثة قطع من الأحجار التي توضع فوقها انية طبخ الوجبه ثم استدعت الحاجه لاستخدام كانون الفحم (كانون النار) الذي يُصنع من الطين أو من الحديد وله عدة أرجل، يوضع فيه الفحم، ويستخدم لطهو الطعام، وللتدفئة في نفس الوقت، عندما يتحول إلى جمر يتم إدخاله إلى داخل الحجرات حيث يجتمع حوله أفراد الأسرة ليشعروا بشيء من الدفء.
كان وسيلة التدفئة الوحيدة في الشتاءات القارسة يومها، وكان يعني اللمة والهدرزة مع حكايات الجدات والامهات، وطاسة الشاهي بالنعناع واللوز والكاكاوية والقسطل.. ثم تم استخدام بابور القاز الذي يعمل بمادة الكيروسين (اسبيرتيرا) ومن ثم بدأ على نطاق واسع استخدام البوتجاز الذي يعمل بواسطة انبوبة الغاز، الذي طغي علي استخدام موقد (الستوفه) التي كانت توقد بالكيروسين أيضا ولها شعلات من قماش خاص يصدر لهب.
كان يومنا في البيوت البنغازية عادة ما يبدأ صباحا بتناول طعام الفطور،نستيقظ باكرا عادة خاصة في ايام الدراسة، على رائحة القهوة والشاهي والحليب الساخن مع الكعك المعد في البيوت، أو السحلب بالقرفة، الذي تعده الامهات منذ الساعات الأولى من الصباح، نتناول افطارنا، ونتوجه الى مدارسنا أو الى اعمالنا.
وكانت الكثير من الاسر الليبية وبعد ان يذهب اطفالها للمدارس وفي الفترة التي تفصلها عن اعداد طعام الغذاء، عند خروج الرجال لأعمالهم تتجه النساء والبنات إلى أعمال البيت من ترتيب االمفارش والاغطيه وأماكن النوم وترتيب الغرف وبقية انحاء البيت حسب الحاجه، تجتمع الجارات بعد ذالك بأحد البيوت المتجاوره لتناول وجبة إفطار يعدنها سريعا من بين الاكلات الشعبيه السريعه حسب الاتفاق والحاله وما يتوافر من مواد تموينيه فاذا كانت الحالة وقت صيف وحر فان اكلة الفطور تتكون لدي العائلات الميسره عادة من، شرموله وتن وجبنة وخبزة طازجه من الكوشة القريبه التي احضرت في الصباح ثم تناول طاسة الشاهي، واذا كانت الحالة حالة شتاء وبرد اومطر، فلا بد من تجهيز اكلة مناسبه بالقديد، شكشوكة، أو اكله سريعه جارية، ارز أومحمصة أو غيرها.
وعندما يحين موعد الغذاء وهي الوجبة الرئيسية في الظهر مع عودة الاطفال من المدارس ورب البيت من العمل،تكون ربة البيت الليبية ــ التي بالتأكيد تكون قد تعلمت فنون الطبخ منذ ان شبت بواسطة والدتها التي تشركها وتعلمها أنواع وطرق الطهي قبل ان تذهب لبيت زوجها،أوكما كانت تقول جداتنا "البنت اللى ماتعرف إطيب، وتقيم حوشها، وراجلها وعيالها، هذى لاهى مراه ؤ لا تسّمى"ــ، تكون قد انتهت من اعداد الوجبة بحسب الامكانيات والمواد المتوفرة لها،فحين لم يكن هناك أي نوع من اللحوم، يتم الاعتماد على المتوفر من القديد او حتي من شحم الودك المتبقي من بقايا القديد وهو عادة يصنع من اذابة الية الخروف، لاضفاء رائحه وطعم طيب للاكل، والمحظوظ من عنده بقايا قديد محفوظ لاستعماله بديلا عن اللحم، اما الخضروات المطلوبه لاعداعد الوجبه اليوميه من طماطم وبصل وكوسه وبكيوه يتم شرائها يوم بيوم لعدم وجود ثلاجه اما البيض فكنا نشتريه من اقرب محل بقاله او من بعض الباعه المتجولون بالحاره وهي أربعة بيضات او حسب الطلب و معجون الطماطم او ما كان يطلق عليه طماطم الحكة كان يباع بالمقدرالذي تحتاجه الوجبه فقط ويضاف اليه قليل من مسحوق االفلفل والبزار ويلف في قطعة ورق" كاغط " و عند الحاجه لشراء الشاهي يباع بطريقه (نص كيلو سكر بشاهيه)..وكل هذه الطلبات تباع لدي البقال.
وفي العصرية يجتمع في الاغلب شمل العائله في جلسة عائلية جميلة وسط الحوش تجتمع فيها الأسرة كباراً وصغاراً لشرب الشاي مع الكعك واللوز والكاكاوية، بعد ان كان يمضي مثل هذا الوقت في سنوات سابقه في شرب الشاي وتبادل ذكريات الحرب والجلاء واكل القليه وهي تتكون من حبوب القمح النظيف وتحمس علي النار لتصبح ناضجه وهشه ولزيادة الرفاهيه واضفاء جو من البهجة قد تضاف مع القليه حبوب نبات البطوم التي تفرز رائحه وطعم جميل وقد تشارك نساء الجيران وبناتهن في هذه الجلسة حيث تدورالأحاديث الشيّقة حول الخطبة والزواج. والزلوف. والتسليف في ما بينهن. والتطرق لبعض المشاكل العائليه والتباحث في الحلول الأنسب قبل استفحال الامر بين الأزواج. والسلفات والضرات وسلطات العجائز علي زوجة الابن مع التطرق لقليل من القرمة والنميمه قبل فض اللمه.
بالنسبة لبيتنا كانت أمي "نواره" رحمة الله عليها، تطهو لنا كل شئ، مكرونة الصلصه ونطلق عليها مكرونة "سوقو "، وهي من مخلفات المطبخ الإيطالي وهي عبارة عن مكرونة بالصلصة واللحم الوطنى (اللحم الضان) ومطهوة بطريقة خاصة، اما في ليالي الشتاء فكانت تجمعنا علي قصعة الرز او المكرونه او المقطع الجاري مع الفلفل الأحمر الحار المبطبط وكانت أيضا تعد الشربة الليبيه بلسان العصفور او قطع المكرونه الدقيقه بعصير الطماطم و التوابل الحريفة، وكذلك الكسكسى التي كانت تعده بالطريقة القديمة التقليدية، اذ تضيف السميد الى الدقيق ثم تقوم ببرمه أي بتحويل حباته الى حجم أكبر،مع اضافة الماء.
ويؤكل الكسكسى بالسقو مع الخضرة واللحم أو القديد، والبازين وهو عبارة دقيق شعير مطبوخ مع المرقة و اللحم الوطنى، والرز والمكرونة بالتقليه، وهناك العصبان والمصارين والمحشي وطاجين البطاطا وطاجين الحوت، الى جانب الحسا، والدشيشة، والمحمصة، والدويدة والمقطع والرشده، وطبيخة الفول المدشش والحرويسة وهي حساء مع اللفت، والمكرونة المبوخة والفتات، والفاصوليا بالكرشة مع المسير والحرايمي والقلاية وروؤس الغنم وأرجل (كرعين) البقر، والعصيدة المصنوعة من دقيق القمح ويضاف اليها السمن او الزبدة الوطنية برب التمر او الخروب والعسل، وفي شهرمضان كانت تعد لنا الوجبات المميزة الشهية في هذا الشهر مثل، الشربة والبطاطا المبطنة والبراك،، مع شراب الروينة والمحلبية ولقمة القاضي.
والاكل بصفه عامه مهما كان الذي يقوم باعداده او طبخه فهو يعتمد في الأساس علي العطاء النفسي والرضاء الداخلي والرغبه في تقديم الأفضل والشهي والمفيد (لان الأكل نفس) كما كان يقول الاولون... وكانت جل الاسر البنغازية تتناول طعام الغذاء او العشاء في صحن خشبي، يعرف بالقصعة وملاعق خشب تعرف بكواشيك اللوح، والاعتماد علي البرمة والكسكاس، التي كانت مصنوعة من الفخار، وبعد وجبة الاكل. يأتي الدور علي احضار وتجهيز اعداد الشاهي وعدالة الشاهي مكونه في العاده من سخان وبراد وطواسي شاهي.
هذه ذكريات أحداث زمان نذكرها كأحلام وردية ونحكيها للجيل الحالي لكي يطلعوا على ماضي الآباء والأجداد ويحاولوا أن يحذوا حذوهم. إذ كانت أيام جميلة تسودها العلاقات الاجتماعية المتينة والمحبة والاحترام المتبادل. نسأل الله جل وعلا أن يعيد علينا بعض ما كانت عليه من أمان.
عبد السلام محمد الزغيبي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
المختار المنتصر | 20/08/2016 على الساعة 08:05
ذكريات
ذكريات جميله تحكي عن الاحداث الحلوه والصعبه التي مرت ببنغازي والمنطقه الشرقيه بصفه عامه ونستطيع القول ان ليبيا باجملها وسكانها عاشت نفس الاحداث مع بعض الاختلاف في العادات والتقاليد وانواع الاكل حسب البيئه ...ولكن كان من الافضل التوسع في موضوع الاكلات ومكوناتها كل علي حده طالما الموضوع عن المطبخ في بنغازي
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع