مقالات

عبد الحسين شعبان

بـراغ... وثــمّة عـشـق*!!

أرشيف الكاتب
2016/08/17 على الساعة 17:08

حين دعاني "النّادي الثقافي العراقي" في براغ لإلقاء محاضرة، اخترتُ "العِشق" عنواناً لحديثي، بما له من مدلولات وألغاز وأسرار، خصوصاً حين نكون في حضرة براغ، حيث الثقافة وسرديّاتها المكتوبة والبصرية والمرويّة، تلك التي تجمّع بعضها في زوايا الذاكرة المُتعبة. قلت: لكنّها ليست محاضرة، بل هي بضعة خواطر مبعثرة ومتناثرة عن معشوقة، ظلّ العاشق يحتفظ بمنديلها المعطّر، فيشمّه كلّما شعر بالشوق إليها، ليستحضر صورتها  ويستذوق طعمها ويلامس وجوهها المتعدّدة.
حاولت أن أستفزّ الذّاكرة لتخرج على غير نظام من زواياها، ولم أنتظر أنْ تكون لها منهجية أو تخطيطاً، فالمحاضرة تحتاج إلى قراءة ومراجعة واستحضار وكتابة، بما فيها من مقدّمة ومتن واستنتاجات واقتباسات وتدقيق ومناظرة ومصادر.
إذاً، فلنؤجل الحديث عن الهويّة وفرعياتها، والنجف وخصوصياتها، كما كنت قد وعدت من دعاني لإلقاء محاضرة لأكثر من مرّة، لمناسبة أخرى، وهو ما ذكرته في استهلالي "البراغي"، ولنترك الحديث ينساب عن براغ، فثمّة عشق معتّق.
وهكذا جاءت الأحاديث بعفويّة وبساطة، تكاد تكون أقرب إلى الارتجال والشفوية، لقناعتي أن الكلام عن براغ يخفّف من غلواء القسوة الماثلة أمامنا بكل جوانبها، وثانياً أنه يقرّبنا من بعضنا، حين يعيد استذكار الحميميّة العفوية الشبابية الأولى، وثالثاً أنه يسترجع تاريخاً يكاد يكون متّفقاً على خطوطه العريضة، وإنْ احتوى ألغاماً من الأسئلة، ورابعاً أنه تشجيع على البوح، فلكلّ من الحاضرين قصّته الخاصة عن المعشوقة "براغ"، التي يلتقي في حبها كثيرون، دون أن يشعر أحدهم بالغيرة من الآخر، ودون أن تعطي هي نفسها لواحد منهم، لأنها ملكٌ للجميع، ولكن بشروط العشق التي تحرص على مراعاتها، هكذا تقترب المعشوقة مِن كل مَن عشقها.
وأخيراً، إن المناسبة اجتماعية ثقافية، وهي أقرب إلى "احتفالية"، استجبتُ إليها، وأنا الذي أتردّد في قبول دعوات إلاّ باتفاقات وتهيئة مناسبة، ولذلك قلت: لا ينبغي الإثقال على الأصدقاء بمواضيع ذات طبيعة إشكالية، سواء بمعناها الأكاديمي أو الفكري أو السياسي، ولا بدّ لي من الاكتفاء بخبطة ثقافية، هي تصوير بانورامي عن لقاء العاشق بالمعشوق.

*    *    *

في براغ تستحضر معك: الدهشة، الإبداع، الحميمية، عبق التاريخ، فكلّ شيء في المدينة يدلّك على حضورها البهيّ وجلال قدْرِها وجمال روحها وحُسن محيّاها وعظمة تاريخها. إنها مدينة مفتوحة، ساحرة وفاتنة، تُظهر بقدر ما تُخبّىء، وتبوح بقدر ما تكتم، وتتكلّم بقدر ما تصغي، وتسأل بقدر ما تُجيب.
هكذا هي براغ "المعشوقة"، حتى وإنْ كان طقسها مكفهّراً أحياناً وربما باكياً، وأبنيتها قديمة وأزقّتها ضيّقة وحاراتها متعرّجة، ولكن على الرغم من أن الطقس يبعث أحياناً نوعاً من التبرّم والكآبة، إلاّ أن الإنسان الذي يدخلها باكياً بصورتها الأولى، يخرج منها باكياً أيضاً، وهذه المرّة على فراقها، بعد أن يكون قد تعرّف على خباياها وخفاياها، ودخل في تفاصيل حياتها ونسائها وخمورها وأطايبها وعوالمها.
بصوتها ذات النّبرة الشاميّة المدهشة صاحت شيرين، حينها: "يا الله... العمى، تئبرني": ما أروع الخريف في براغ، لاحظْ ألوان الأشجار كيف تتغيّر كل يوم؟ الأشجار بلون البرتقال والورد والتوت والرمّان والكرز والمشمش... وأضافت كنت أعتقد أن الجمال في الربيع، ولكن خريف براغ هو ربيعها أيضاً، أما الصيف، فقلت لها: تبدأ المدينة فيه بالتحلّل من أثقال الشتاء وتخلع ملابسها قطعة قطعة، لتعود حوّاء كما خلقها الباري، وهي تقضم تفاحة آدم. أما الشتاء، فهناك الشلالات الفضيّة والسنديانات وأشجار البلوط، حيث تفيض براغ بالإبداع والثلج، تلك هي الطبيعة أمُّنا الحنونة. وفي وصف براغ يقول الجواهري الكبير، (براها باللّغة التشيكية):

قف على "براها" وجب أرباضها / وسل المصطاف والمرتبعا
أعلى الحُسنِ ازدهاءً وقعت / أم عليها الحُسن زهواً وقعا؟
واستعرْ منها عيوناً جمّة / وتملَّ الناس والمجتمعا
وسل الخلاّق هلْ في وسعه / فوق ما أبدعه أن يُبدعا

وفي قصيدة أخرى حملت اسم براها، يقول:

(براها) سلامٌ كلّما خفق الصباحُ على الهضاب
وفي السهل الممتنع للجواهري عن براغ يقول:
أطلت الشوط من عمري / أطال الله من عمرك
ولا بُلّغت بالسوء / ولا بالشرِّ في خبرك
حسوت الخمر من نهرك / وذقت الحلو من ثمرك
ألا يا مزهر الخلد / تغنّى الدّهر في وترك

وقصائد الجواهري الخمسة عشر (15 قصيدة) عن براغ وحدها تكفي أن تكون ألبوماً لحياة براغ، ومن أبرز ما كتبه "يا غادة التشيك"، و"بائعة السمك"، و"آهات"، و"مونيكا"، وهناك مقطوعات شعرية في مجالسة مظفر النواب، وسميح القاسم، وهي تعدّ من الشعر "الإخواني؟!
وفي براغ نظم الجواهري قصائده الخالدة: يا دجلة الخير، وكردستان موطن الأبطال، وأبا زيدون، وبيروت ابنة الدهر، ووارشو النجمة التي تتلألأ، وقصيدته في تخليد جمال عبد الناصر، وقصيدة زوربا، وقصيدة الأرق، كما كتب قصيدته الرائعة: لُمّي لهاتيكِ لمّا / وقرّبي الشفتينِ.
كنت أتحدّث عن براغ في جمع يعيش فيها وقسم منهم قرّر ألاّ يغادرها، فخاطبتهم أنتم أدرى منّي بفنون براغ وعلومها، فأهل مكّة أدرى بشِعابِها، ولا يُفتى ومالك في المدينة، ومع ذلك فلكلّ منّا زاوية نظره لهذه المعشوقة، وهو ما أحاول أن أستعيده وأنا أزور براغ، ففيه شيء من استذكار واستحضار لمونولوج داخلي، إنه نوع من الحوار مع النفس، وكل حوار مع النفس، حوار مع الآخر، وهكذا تكون "الأنا" و"الأنت" و"الآخر"، في حوار لا ينقطع. أكرّر هذه الاستعادة مرّات عديدة في ذاكرتي، لتنفتح أمامي كتلة من ضوء باهر، أحاول الإمساك به، لكنه يتحرّك سريعاً، فكأنما أقبض على الريح، وريح براغ التي في ذاكرتي، هي خفيفة ومنعشة مثل تلك التي تسبق المطر.
حين أفقت من غيبوبتي، شعرت أن ضباباً كثيفاً يلفّني، فهل عدت إلى الحياة يا تُرى؟ أم أنني في العالم الآخر؟ كان ثمّة حنو ورأفة، هي مزيج من حنان عطوف ومشاعر بالرعاية تغمرني على نحو شديد، وتخيّلت، ولربما رأيت ثمّة ثلوج بيضاء فوق الجبال، تتوزّع على الحقول، وغيوم فضيّة تعلو السماء الزرقاء والداكنة، تتجوّل ببطء لينفرج بعدها صفاء لا حدود له. مرّ الأمر سريعاً تاركاً لي شيئاً أقرب إلى رائحة العشب، قلت مع نفسي وبين اليقظة والغيبوبة، لقد شممت مثل تلك الرائحة من قبل، فجاءني جواب من بعيد، تذكّر!!
وحاولت ثم غبت، وأفقتُ وغبتُ مرّات ومرّات، وبعدها أدركت أنَّ ذلك الشعاع الذي داهمني وسط زحام من العتمة كان بخيوط الفجر التي تأتي مع نور الشمس، وأن تلك الرائحة المحفّزة كانت تتسلّل إلى أنفي بعد تلك الارتعاشة العظيمة والآسرة، إنها المدينة التي تسهر معي لتطمئن على صحتي، لأنها تعرف مدى عشقي، وتعلّقي بها.

*    *    *

منحتني براغ هدايا كثيرة، ووهبتني عطايا عديدة، وأهم من كل ذلك صاحبتني طيلة عقود، ومعها وفيها وإليها كان ثمّة حلم طويل، يأتي ويذهب، متواصلاً ومتقطّعاً، مباشراً ومتعرّجاً، لا زلت أعيش هذا الحلم ومعه، وأجد كل يوم له تفسيراً جديداً، بل أحياناً أترك الأمور بلا تفسير، ويأتي الحلم بلا مواعيد أو إخبار، يطلّ برأسه من بعيد، حيث: التحقّق، والامتلاء، والمعنى، والدلالة... وتلك علامات العشق وهذا له أحكامه. والعشق بقدر ما هو يقين فهو حيرة أيضاً، ولا هدى إلاّ بعد حيرة، والحيرة حركة، والحركة حياة، حسب ابن عربي.
براغ عاظمت من حيرتي وجعلتني أطرح السؤال بعد السؤال دون أن أجد الجواب، وكلّما ازدادت أسئلتي، زاد قلقي وارتفع منسوب حيرتي، ودائماً يظلّ الجواب عصيّاً عن الحضور، "هذا زمن تتقدّم فيه الأسئلة، وينهزم الجواب" حسب أدونيس. مثلما للمكان دور، فللزمان دور آخر. "والزمان مكان سائل، والمكان زمان متجمّد" على حدّ تعبير ابن عربي أيضاً. في المكان الذي نجلس فيه (اتحاد الطلاّب العالمي سابقاً)  رمزية خاصة في ذاكرتي الأولى، فما بالك حين يجتمع بالزمان، وباجتماع الزمان بالمكان تنبجس حقيقة. "الزمكان" – تاريخ وحقائق، مثلما هو أحداث وقراءات وتأويلات وزوايا نظر.
كان ذلك أول لقاء لي بالمكان. وحين وصلت كانت ثمّة ندف ثلجية تنهمر من أعماق السماء. أما الزمان والمناسبة، فقد كانت للتحضير لمئوية عبقرية خلطت الفكر بالممارسة فأنتجت رؤية، وهذه الرؤية تحوّلت إلى فعل، والفعل استهدف التغيير، وهذا أصبح واقعاً، حتى وإنْ انقلب بعد حين، وليس أمامنا في قراءة الواقع التاريخي سوى التقويم وإعادة القراءة بتوسيع دائرة المعرفة، وتقليب وجهات النظر: إيجاباً وسلباً، فالماضي أصبح ماضياً ولا يمكننا استعادته، إنه مضى وإنْ ترك شيئاً فينا، لا يمكننا اقتلاعه، لأنه جزء منّا، فلنحسن إذاً التبصّر والاعتبار لما فيه من دروس وخبرات ومراجعات ونقد.
المكان هو المكان، والزمان غير زمان. كنّا نلتقي سابقاً في "نادي الصداقة" والمقصود الصداقة بين الشعوب، أما الآن فنحن نجلس تحت عنوان "الأقليّات". والأقليّة مفهوم ملتبس يحمل معنى التسيّد من جهة والاستتباع من جهة أخرى، وذلك لم يكنْ اختلاف الزمان فحسب، بل اختلاف رؤيا وتعاكس منظور وصراع في بطن صراع، وهكذا عاشت براغ موزّعة بين زمانين.
وكنتُ قد انتقدت إعلان حقوق الأقليّات لعام 1992 وإعلان حقوق الشعوب الأصلية لعام 2007 على ذات الأسباب الملتبسة التي تستبطن اختلال العلاقة بين مجموعة ثقافية وأخرى، بزعم "الأكثريّة" و"الأقليّة"، لأن المسألة لا تتعلّق بالعدد والحجم، بقدر ما تتعلّق بمفهوم المساواة والتكافؤ، فهو يندرج في موضوع الهويّة، وعلاقة الهويّات مع بعضها،  فلا هويّة صغيرة وأخرى كبيرة، وهويّة عُلوية وأخرى سفلية، وهويّة تابعة وأخرى متبوعة.
فالهويّات ينبغي أن تكون متكافئة في الحقوق والواجبات، وهكذا ينبغي أن يتم التعامل معها قانونياً ومن منظور حقوقي، وإنساني، باعتبارها تعبيراً عن مجموعة ثقافية، سواء كانت إثنية أو دينية أو لغوية أو سلالية أو غير ذلك، أي أنها ينبغي أن تكون على قدر المساواة مع المجاميع الثقافية الأخرى، بغض النّظر عن حجمها وعددها، طالما هي تمثّل هويّة لها طابعها الخصوصي، والهويّة أياً كانت عامة أو خاصّة، شاملة أو فرعية ينبغي احترام حقوقها المتساوية، وفي التطوّر المستقلّ، والتّعبير عن ذاتها.
أتوقّف عند زاوية أخرى، في علاقتي الخاصّة، باستذكار المدينة، وهذه الزاوية لها علاقة بزمن الإيمانية – التبشيرية – اليقينية، أي زمن الوعد والشعارات الكبرى والحتميات، فقد كانت براغ بالنسبة لي، إحدى محطّات التأمّل والتّفكير والمراجعة نحو العقلانية التساؤلية الوضعية النقديّة، وإن ظلّت اليقينية تسير موازية للتساؤلية، ولكن كان ذلك لحين، حيث تراجعت الوثوقية التبشيرية بتغليب الثانية، خصوصاً بارتفاع موجة الأسئلة، وكلّما كانت هذه الموجة تعلوّ، كان السبيل يتعزّز لبناء المنظومة المعرفية.
ويقود طريق المعرفة إلى الكشف. وهي وإنْ كانت شقاء، فالجهل بؤس، والصراع بين المعرفة والجهل يتّخذ أحياناً طابع الصراع بين الشقاء الذي يكتظّ بالأسئلة والشكّ والبحث المضني عن الحقيقة، وبين البؤس الذي يحمل الاستكانة والخضوع والانحياز المسبق.
كانت براغ بالنسبة لي محطّة لتدقيق العلاقة بين المرئي واللاّمرئي، والمنظور والمستور، والحالم والواهم، والتبشير والتفكير، والأسئلة التي تلد أخرى وتظل تستفهم، والأجوبة المعلّبة والجاهزة، وهكذا يشتبك السكون بالحركة، واليقين بالشك، الأمر الذي يزيد من حجم الحيرة ويعاظم من القلق.

*    *    *

المدن مثل النّساء، وبراغ مدينة لأكثر من امرأة، هي جمع من النّساء، حيث يلتقي الذكاء والجمال والفتنة والإثارة والثقافة والعذوبة في بساتينها العامرة وفي حدائقها الساحرة، مثلما هي جمع من العشق يأتي عناقيداً ويتوزّع أغصاناً وثماراً وبذوراً. ومهما زعمت معرفتك بالنساء، لكن دهشتك تزداد مع كل جديد، ولهذا لكل مدينة مثلما لكل امرأة رائحتها ومذاقها، بوحُها وسرّها، سحرها وغموضها، روحها وشكلها. ومثلما المرأة لا تكشف أسرارها بسهولة، فإن براغ لا تستسلم من أول لقاء، وهي لا تبوح لك بأسرارها وتفسيرات ألغازها إلاّ بعد حين وبالتدرّج، إنها لا تعطي نفسها دفعة واحدة، بل تتأكد أن ثمة حبل سري أخذ يشدّها بالعاشق، بعد أن رمت بشباكها فاصطادته، حينها تفتح لك صدرها وقلبها وعقلها وتحتضنك بذراعيها بقوّة وحنان.
أحببت مدناً كثيرة، مثلما أحببت نساءً كثيرات، وقلت إنّني لا أستطيع العيش دون عشق، سأتحوّل إلى شجرة بلا ماء. "لا أتذكر قلبي إلاّ إذا شقّهُ الحبُّ نصفين، أو جفَّ من عطش الحب"، كما يقول محمود درويش. والإنسان بدون العشق يصبح خاوياً وكئيباً، بل ويفقد توازنه، فالعشق ضدّ الرتابة والنمطية. وإذا كان مارك توين قد قال: عندما تحاول اصطياد الحب: قامر بقلبك لا بعقلك، لكن كل مقامرة بالقلب، هي شكل من أشكال المقامرة بالعقل أيضاً، بحكم علاقة الجذب والتبادل بينهما.
مدن أحببتها وعشت تفاصيل عشقها ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة، سواء كنت قريباً منها أو بعيداً عنها: النجف مسقط رأسي، وحسب الروائي محمود البياتي،  – عاشق براغ الآخر –: كانت بغداد مسقط رأسه، أما براغ فمسقط حبّه. وبغداد، حيث النّشأة والتكوّن والأسئلة الأولى. وبراغ، حيث الاكتشاف والدهشة والقلق المعرفي. ودمشق، حيث التنوّع والاغتناء. وبيروت، الأفق واللاّحدود.
وكل تلك المدن مرتبطة بنساء كثيرات، وكل واحدة منهنّ تتلوّن بألوان قوس قزح المدينة وتستحم في نهرها أو بحرها وتتعطّر بعطرها، ومثلما تقرأ المدينة، تكون هي قد قرأتك، من خلال المرأة التي تضفي عليك شيئاً منها، حيث الدهشة الأولى وشاطىء النّهر والأحلام والشوارع الخلفية والزهور والياسمين.
من عاش في براغ أو استمهلته بالبقاء ولم يعشقها، فلا قلب له، وبراغ لها حقوق علينا، وهل للمدن حقوق؟ نعم: الحق في الأمل والحق في العشق والحق في الجمال والحق في الحلم والحق في السلام والحق في البيئة... إضافة إلى منظومة الحقوق الإنسانية الكاملة. إنها حقوق السعادة، وأعني حق "التأنسن" الإنساني، أي "أنسنة" ما في الإنسان، بمعنى جعله أكثر جمالاً وأكثر عدلاً وأكثر حرّية وأكثر شراكة وأكثر تسامحاً.
بيني وبين براغ علاقة سرّية فيها الكثير من البوح، حتى وإنْ كان صامتاً أحياناً، بعضه يأتي مثل إشارات، وآخر أقرب إلى إيحاءات وثالث يشبه إيماءات ورابع فيه ثمة تلميحات وخامس يعطيك دلالات أقرب إلى التصريح مثل "إعلان حالة حب"، وهو ما اقتفيت إثره.
كلّما تبتعد عن المعشوقة، وتشتاق إليها وتقترب منها، وكلّما تقترب منها تكتوي بنار الشوق أيضاً، فالشوق معها والشوق وأنت بعيد أو غائب عنها. وحين نكتب عن براغ، تخطّها يراعنا لغة أقرب إلى لغة الثلج والمطر والريح في الشتاء، ولغة الغابات في الخريف، ولغة الزّهور في الربيع، ولغة الضوء في الصّيف.
هناك شيفرة في غاية الغموض تجمعني مع براغ، هي في أحد وجوهها لغز باهر لا أستطيع حلّه، وفي وجه آخر سرٌّ مقدّس أحتفظ فيه لنفسي، كأنّه الشعر، والشعر احتفاء بالحياة وبالوجود. التساؤل جاءني بعد المعاينة والكشف، فزعزع شيئاً من إيماني التقليدي وصارعني، حتى انتصر الإيمان بالعقل، والإيمان بالسؤال، والإيمان بالنقد، والإيمان بالمعرفة، والإيمان بالرأي، والإيمان بالاستقلالية، والإيمان بالاستعداد لتحمّل الخطأ، أي الإيمان بالاجتهاد. والإيمان بدون العقل تعصّب، وهذا يقود إلى تطرّف، ناهيك عمّا فيه من تبعية وروتينية وترهّل وتقليدية وإذعان، لأنه سيكون أقرب إلى الجهل والاستكانة وعدم التفكير والخضوع.
والإيمان دون الضمير يقود في الكثير من الأحيان إلى عصبوية وانحياز مسبق وتأييد أو رفض أعمى، بما فيه أحياناً من تبرير للانتهاكات والتجاوزات، قد يصل إلى الدفاع عن الظّلم، سواء بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات، وإخضاع كل شيء لتحقيق الأهداف المرسومة، وقد يقود إلى تدنيس الآخر، فالآخر سواء كان عدوّاً أو خصماً أو حتى من الموقع ذاته، لكنه يمثل وجهة نظر مغايرة، فإنه سيكون مخالفاً ومعارضاً أو حتى مشبوهاً، أو مرذولاً، في حين ننسب إلى "النحن" وللجماعة التي نتغنّى بالانتساب إليها كل الفضائل والمقدّسات والشّرف والإيثار.
ومهما كانت المبرّرات والمزاعم سواء بحسن نيّة أو بسوء نيّة، فالنتيجة واحدة، هي الاستقواء على الإنسان، والاستعلاء على الآخر، "المختلف" واستصغار شأنه، حتى وإنْ قاد ذلك إلى مجافاة الحقيقة والافتراق عن الضمير الذي هو الخط الفاصل بين الإيمانية العمياء والتفكيرية التساؤلية، لأن التفكير يأخذ باحتمال الخطأ والصّواب، فهو اجتهاد إنساني، وللمجتهد حسنتان إنْ أصاب، وإن أخطأ فله حسنة الاجتهاد، كما قال جدّنا الأقدم الإمام الشافعي.
وإذا كان رأسي مستودعاً للقلق، فإن براغ ألهمتني حباً صافياً ورقيقاً غلّف روحي بوهج لؤلؤي، وهكذا كان الضوء والهدوء ملازمين لي في نافورة العشق المتدفق، فالهدوء يوصلك، أو لنقلْ يفتح الأفق أمامك للسؤال والبحث عن الحقيقة حيث اللاّنهايات، والضوء يضعك في اتصال حميم مع الحقيقة في إطار عذوبة غامضة ومضنية. و(كما يقول الجواهري) بخصوص الضمير: (ومن لم يخفْ عقب الضمير / فمن سـواه لـن يـخافا).
الفارق كبير بين العارف وغير العارف، بين المؤمن بالعقل وبين المؤمن بدونه، وصدق ما جاء في القرآن الكريم (في سورة الزُّمر): (... قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون...؟)، فأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، وذلك معيار التبصّر والتطهّر.
إذا كانت المعرفة شقاء وقلق وصراع، فإن الجهل بؤس وتخلف وخنوع، والفارق كبير بين البؤس والشقاء، وتلك مفارقة المؤمن العارف والمؤمن غير العارف، والمعرفة تأتي بالهمّ والأرق واللاّقناعة واللاّيقين واللاّاستقرار أحياناً، لكنها تفسح أمامك في المجال لطريق التفكير والسؤال بحثاً عن الحقيقة، في حين يأتي بك الجهل إلى التّسليم بما هو قائم أو رفضه ليس بالبعد أو القرب من الحقيقة، بل لأسباب تتعلّق بالجمود وعدم التفكير، ويكتفي البعض بتبرير "السير مع القطيع والهتاف مع الجميع"، خشية من العزلة، أي التصرّف بسلوك الجماعة التي ينتمي إليها دون تفكير، وإلاّ سيكون وحيداً خارج "مجتمع المؤمنين"، فذلك طريق "السلامة" بالنسبة إليه، وهو الذي اعتبره الجواهري "أرذل السبل"، وتلك لحظة تأمّل وتفكّر وتذكّر.

*    *    *

كل شيء في براغ معمِّر، وحتى لو ترك الزمن آثاره، يبقى ثمة خلود، للبشر والحجر، والشجر، وكل ما أنتجه الإنسان، تتم المحافظة عليه. تلك سمة حضارية وتقدمية، بالشعوب والأمم التي تحترم نفسها وتحترم تاريخها وتحترم مبدعيها. فهل نستطيع استبدال الشقاء بالبؤس، وأيّهما سيكون مطهّراً للنفس، وعلى أي الجانبين يقف الوهم والعذاب؟ وحسب ابن خلدون، فالخراب بالظلم، والعمران بالعدل، وحتى وإنْ كان الأمر يحمل بعض التناقض، ولكن لحين، فسرعان ما يتّخذ المسار أحد الخيارين.
غالباً ما كان السؤال يكبر: أيّهما نقدّم الإنسان أم الفكر؟ وهو السؤال الفلسفي التاريخي والتقليدي حول أيّهما أسبق: المادة أم الوعي؟ وفي حين يذهب أصحاب المذهب المثالي إلى اعتبار الفكر يتقدّم على المادة، يقول الماديون لا سيّما الجدليون، إن وجود المادة يسبق الفكر، وهذا الأخير انعكاس للواقع.
وقد أخضعنا الإنسان لتجارب وعرضنّاه لتحديّات بزعم إثبات صحة الفكر، علماً أن لا فكر صحيح، دون البراكسيس، وحتى لو سوّغ آيديولوجيون من شتى الأصناف وفلاسفة ورجال دين، أن هدفهم خدمة الإنسان والارتقاء به إلى حيث السعادة والرفاه في الدنيا والآخرة، لكن المعيار يظل هو الإنسان ابتداءً وانتهاءً.
وبقدر ما تكون الغاية شريفة، فالوسيلة ينبغي أن تكون كذلك، لأنه لا انفصال بينهما، مثلما لا تنفصل البذرة عن الشجرة حسب المهاتما غاندي، فإننا لاحظنا وشهدنا كيف انهارت أنظمة كانت مثل القلاع المحصّنة على حد تعبير جون بول سارتر لا يمكن اقتحامها من الخارج، لكنها في حقيقة الأمر، كانت خاوية وهشّة من الداخل، حتى ظهرت وكأنها صُنعت من ورق باستعارة تعبير ماوتسي تونغ، عندما كان يصف الأنظمة الإمبريالية بأنها "نمور من ورق"، فالغاية الشريفة تتطلب وسيلة شريفة وهذه الأخيرة هي جزء لا يتجزأ من الغاية ذاتها.
لقد انهارت جميع التبريرات والحجج الواحدة بعد الأخرى، تلك التي قدّمت ما هو طارىء على ما هو استراتيجي، وما هو استثناء على ما هو قاعدة، وما هو مصلحي على ما هو إنساني، ولم يعد الحديث عن العدوّ الخارجي وحده مقنعاً، وإنْ كان موجوداً ومؤثراً، لكن العدوّ كان يتربّع في الداخل، وعلى أعلى المواقع. وهل يستطيع عدوّ خارجي أن يتمكّن من تحطيم تجارب وإطاحة أنظمة، لولا وجود العدوّ الداخلي المتلبّس بلبوس شتى، لتبرير نهج هيمنته وانفراده وتسلّطه، وبالتالي فشله، دون أن يعني التقليل من شأن العدوّ الخارجي؟
أليس في الأمر ثمة استغفال؟ وأكثر من ذلك حين يبرّر محق الإنسان لكي تنتصر "الآيديولوجيا"، تلك التي سادت كذريعة باعتبارها "الهادي" و"المرشد"، في حين أنها شدّت الإنسان بأكثر من وثاق وقيّدته بأكثر من قيد وأغرقته في بحرها، وهكذا تعطل العقل التساؤلي النقدي ليحلّ محلّه العقل التبشيري الإيماني السكوني، وننسى أن الإنسان هو الأساس، وهو مقياس كل شيء، حسب الفيلسوف الإغريقي بروتاغوراس، وصدق كارل ماركس حين قال: الإنسان أثمن رأسمال. ومهما قيل من تبريرات أو حجج لانتهاك كرامة الإنسان، تحت أي سبب كان، فإنها لا تصمد أمام حقيقة سمو الإنسان، الذي لأجله قامت الأديان وتبلورت الفلسفات وتأسست النظريات، إنه الهدف وينبغي أن يكون الوسيلة.

*    *    *

في براغ: الكشف، والفيض، والإلهام، هناك تجد نقطة البداية التي توصلك إلى نقطة النهاية، لأنها تقوم على بُنية دائرية، فثمة مركز وثمة أطراف، ومن حيث تبدأ تصل إلى النهاية، تصل إلى الذروة والتّحقق، وتلك علاقة العلّة بالمعلول، والعاشق بالمعشوق! لمجرد سماع اسم براغ سيكون أمامك: يوليوس فوتشيك الذي خاطب الغزاة الألمان وهم يريدون مساومته قائلاً لهم: ستكون براغ أجمل بدونكم، وهم يحاولون من على قلعة براغ أن يستثيروا غرائزه الإنسانية، كي يتنازل، لكنه اختار طريق الشرف والتضحية، دفاعاً عن وطنه وأفكاره، وهو القيادي الصحافي ورئيس تحرير صحيفة الرودي برافو "الحقيقة الحمراء". نستذكر "سكّة الغابات" والمقاومة، واللحن الذي يردّده البراغيون (خلال الحرب العالمية الأولى): نحن "البراغيون" لن نسلّم براغ.
ولا ننسى كيف قرأنا فرانز كافكا: المسخ، والمحاكمة، والقلعة؟ وكيف استهوانا هذا الروائي المبدع ورائد الرواية الكابوسية؟ على الرغم من محاولة التقليل من شأنه بزعم فردانيته وسوداويته المخالفة للواقعية الاشتراكية "الجدانوفية". وكنّا في صراع مستمر بين ما هو سائد وما هي رغباتنا ومشاعرنا، والإنسان في داخلنا.
لم نكن نستطع – أقصد من داهمتهم عاصفة الشّك والسّؤال وخرق الولاء والطاعة العمياء – أن نهضم لماذا يهمّش كاتباً بهذا الوزن؟ لذلك أقبلنا على قراءته كجزء من الرفض التساؤلي والشك الوجودي والتمرّد الأول، والشغب "المشاكس"!
كان كافكا من جلاّس مقهى سلافيا Slavia الذي كنّا نرتاده في أوائل السبعينات من القرن الماضي، أي بعد نحو ستة إلى سبعة عقود على ارتياد كافكا. والمقهى الذي افتتح في العام 1863، يطلّ على نهر الفلتافا ويقابل مبنى المسرح الوطني "الشهير"، ويواجه في الوقت نفسه قلعة براغ التي تنتصب فوق الجبل، هو قريب من الجسر الحجري المعروف باسم "جسر جارلس"، وهو من أقدم جسور أوروبا.
كما كان من رواّد المقهى الشاعر والكاتب راينر ماريا ريلكه البوهيمي النمساوي الذي كتب بالألمانية والمولود في براغ والمتوفي في مونترو  في سويسرا، والموسيقار دفورجاك والموسيقارة سميتانا، والشاعر ياروسلاف سيفرت (الحائز على جائزة نوبل العام 1984)، وطائفة من الفنانين والفنانات والأدباء والمسرحيين، وكان يترددّ عليه عندما يزور براغ الشاعر التركي ناظم حكمت، كما كان الشاعر الجواهري يرتاده أيضاً، وخصوصاً في الثمانينات، ومن رواده المشهورين الكاتب المسرحي فاتسلاف هافل الذي أصبح رئيساً للجمهورية، بعد التغييرات التي حصلت في خريف العام 1989.
حين أستحضر براغ بعد غياب، أستمتع بقراءة ميلان كونديرا: الذي لجأ إلى فرنسا العام 1975 وأخذ يكتب بلغتها لاحقاً: خفّة الكائن التي لا تحتمل، الضحك والنّسيان، البطء، فالس الوداع، فأية مواهب طُردت وأية كفاءات هاجرت وأية مظالم ارتكبت؟
قرأت براغ الأخرى من خلاله، براغ التحتانية وليس براغ الفوقانية، براغ السرّية وليس براغ العلنية، براغ الشعبية، وليس براغ الرسمية، وكنتُ كثير الفضول لمعرفة ما يدور في الخفاء. وبعد إنهاء دراستي وقبل مغادرتي براغ العام 1977، كنت قد قرأت Charter 77. تداولته وتناقلته مع صديقات وأصدقاء بحذر شديد، وقد لا أكون متفقاً مع كل ما جاء فيه، خصوصاً بنزع روح الاشتراكية، لكنني كنت أرغب في معرفة خفايا حركة تمرّد واحتجاج، كان هناك الكثير من التعتيم عليها، بل وازدرائها لدرجة اتّهام أي صوت معارض أو مختلف بشتى التهم المسيئة، ودون تمييز أحياناً، في حين كان الغرب كثير التهويل فيها، وهو ما كانت إذاعة أوروبا الحرّة التي تشرف عليها الـ CIA تبث عنها في إطار دعاية سوداء وصراع آيديولوجي إلغائي، وفقاً لنظرية "بناء الجسور" التي صمّمها تروست الأدمغة (مجمّع العقول) الذي يعمل بمعيّة الرؤساء الأمريكان لتحطيم البلدان الاشتراكية من داخلها.
لم تكن الأخطاء والخطايا مخفية، بل كانت مظاهرها تفاجئك حتى إذا كنت عابراً، فما بالك حين تعيش وتعرف وتتكوّن لك صداقات. هكذا سقطت التجربة مثل "التفاحة الناضجة" بالأحضان، وكانت قد تركت تأثيرات فكرية وعملية على الحركة الاشتراكية الماركسية بمجملها منذ وقت مبكر، وأعني بذلك الحراك الذي عرف باسم "ربيع براغ" الذي أثار انشغالاً عالمياً (العام 1968) وآراء متعارضة ومواقف متناقضة.
وكنت قد كتبت قبل عقدين ونيّف من الزمان عن تأثيراتها الشخصية عليّ، تلك التي ترافقت مع عدوان الخامس من يونيو (حزيران) العام 1967، وما تركه من مرارات وخيبات، وهو ما أعدت قراءته في أوقات لاحقة، خصوصاً فكرة الاشتراكية ذات الوجه الإنساني، من منظورين نقديين: الأول من منظور التوظيف الإمبريالي الغربي، والثاني من منظور "التدخل" العسكري والسياسي السوفييتي، والمواقف المتطابقة معه، بل والمغالية أحياناً في تبنّي توجهاته، ناهيك عما له علاقة بالحرّيات، ولا سيّما حرّية التعبير، إضافة إلى بطء عملية التنمية وتعثّرها والاختناقات الاقتصادية التي صاحبتها، ولعلّ تلك رؤية ثالثة أخذت ببعضها أحزاب شيوعية واشتراكية أوروبية، وهو ما تحدثت عنه في محاضرة لي في لندن، بديوان الكوفة، ولاحقاً بكرّاس صدر لي بعنوان: بعيداً عن أعين الرقيب – بين الثقافة والسياسة 1994.
ولعلّ التوقّف عند المعلن والمستتر والظاهر والمخفي، ولا سيّما بعد التغيير، يعطينا تصوّراً أكثر واقعية عن ازدواجية "الإنسان" في ظل الأنظمة الشمولية تلك، التي لا تترك مساحة فارغة إلاّ وحاولت أن تسدّها، سواء بطبعتها الأصلية أو بنسختها الفرعية العالمثالثية بما فيها العربية، بشكل عام والعراقية بشكل خاص.
نستذكر بعض دراسات الاستشراق: مثل بيتراجيك، الذي ترجم القرآن إلى اللغة التشيكية، ومعهد الاستشراق، ونأسف لماذا لم نستثمر ذلك، بما كان لدينا من طاقات وإمكانات كعرب وكماركسيين (ماديين جدليين). وقد اكتفينا بما هو سائد ورسمي من العلاقات، وبالنتيجة حتى العلاقات القديمة لم نستثمرها على نحو جيد، وهو ما كان حديثي مع رفاق عراقيين وفلسطينيين وسوريين.
نعيد اسم كارل غوت المغني الجميل والصوت العذب، رحل إلى المنفى ثم عاد. من يستمع إليه يغنّي يشعر أن براغ كلها أصبحت مُلكه، بل هو أصبح مثل طائر يحلّق فوقها ليبسط جناحيه على أبراجها الذهبية وهضابها وتلالها المكتظة ونهرها الفلتافا العريض والمتدرج وجسورها الممتدة وحاناتها الأنيقة.
نستحضر الموسيقار دفورجاك وسمفونياته، وخصوصاً سمفونيته التاسعة "العالم الجديد"، وأسماء أخرى لسمفونياته التي أبدعها حيث وُلد في بوهيميا التابعة حينها لإمبراطورية النمسا 1841 ودرس في براغ، وقدّم أعماله في لندن ونيويورك وبلدان أخرى، وتوفي في العام 1904، تاركاً وراءه تراثاً موسيقياً ضخماً، هو امتداد وتواصل "لِـ" و"مع" موسيقاريين كبار مثل بتهوفن وموزارت وباخ وتشايكوفسكي وآرام ختشادوريان، وغيرهم.
للمبدعين العراقيين مكانة في نفسي "البراغية"، وقد رويت جزءً منها في كتابي عن "الجواهري – جدل الشعر والحياة"، ولو كتب الجواهري قصيدة "يا دجلة الخير" لوحدها، لكان الشاعر الأكبر، فما بالك حين يوجد له 20 ألف بيت، بل عمارة من الشعر. "حيّيت سُفحكِ عن بعد فحيّيني ... يا دجلة الخير يا أمّ البساتين". وفي حواراتي معه، كثيراً ما جئنا على براغ، ومعشوقاته، وكان قد أهدى إليّ مذكراته وكتاب الجمهرة، ومعها أبيات كتبها في براغ:

أبا ياسر وأنت نعم الصحيب / وقلّ الصحاب ونعم الخدين
لقد كنت في محضر والمغيب / ذاك الوفي وذاك الأمين
وفي ذكرياتي كنت الصميم / سمير المعنّى وسلوى الحزين

ورويت في كتابي عن أبو كاطع "شمران الياسري" – "على ضفاف السخرية الحزينة"، مقاطع من حياته البراغية، قبل عودتي إلى العراق، وكان قد جاء "لاجئاً" غير سياسي على حد تعبيره. كتب فيها حكاية موت الكلبة مرزوكة، وقصة "بائع عرق السوس"، وحاول استكمال قاموسه الشعبي، وأكمل الجزء الأول من قضية "الحمزة الخلف"، وكتب حكاية "حدث هذا في مملكة الضبع الأكبر". وأعاد نشر يا شجرة التفاح.
ومن اللقطات التي لا أنساها، حين شاهدتُ أبو كاطع، وهو يتكىء على الحائط في الممرّ المقابل، لقاعة الدفاع عن أطروحتي للدكتوراه 13/9/1977 (كلية الحقوق – جامعة جارلس)، فحين عانقني، قال: كان التأجيل أوجب، "وهي حسجة عراقية"، وفهمت أنه لا يرغب في مغادرتي براغ إلى بغداد، خصوصاً وأنني كنت مطلوباً لأداء الخدمة الإلزامية، وحاول معي كثيراً، لكن موّال العودة كان برأسي وهو منسجم مع موقعي، فكيف لرئيس الطلبة الذي يعلن ليل نهار "التفوق العلمي والعودة للوطن"، أن يتخلّف عن تنفيذه، وهو الشعار الذي كنّا نرفعه. وكان أبو كاطع  قد عاد هو الآخر "بقرار حزبي" قبل عودتي، وغادر على مسؤوليته، حين كان مُحالاً إلى "محكمة الثورة"، بتهمة "المتاجرة بالأسلحة".
وكيف أنسى محمود صبري وواقعية الكم. كنتُ قد قدّمته إلى الجمهور في نادي الصداقة العام 1972، بعد انقطاع أو غياب أو تغييب، والمحاضرة كانت بعنوان: فن جديد لعصر جديد، بشّر فيها بنظريته حول واقعية الكم، وقد طلب منّي الصديق رواء الجصاني أن أكتب عنه بعد رحيله وفي ذكراه، وهو ما وضعته في برنامجي، وأرجو أن يسعفني الوقت، لكي أفي بالتزامي الأخلاقي والثقافي، إزاء رموز وشخصيات نافذة، خصوصاً من الذين عرفتهم عن قرب وارتبطت مع بعضهم بصداقات متينة وفي مقدمتهم الفنان محمود صبري.
وأتذكّر لقائي مع مظفر النواب في براغ، بعد وصولي إليها ببضعة أشهر "خريف العام 1970" واحتفالنا به في مطعم "أوفليكو U Fleků" الشهير، الذي تعود واجهته الأمامية إلى القرن الثاني عشر، وهو مطعم يقدّم البيرة السوداء. وألقى النواب بعضاً من قصائده في جلسات خاصة، وصاحبه في الغناء لقصائده الصحافي جعفر ياسين.
وكان مظفر النواب قد التقى بالجواهري في مقهى سلوفانسكي دوم، الذي كان "مقراً" للجواهري، يرتاده كل يوم تقريباً، وهناك دارت الكؤوس حيث تزدان مدينة براها "براغ" وكأنها "حلم العذراء في يقظتها" جامعة كل الفصول والجمال والحُسن والفتنة. وقصة لقاء الجواهري بالنواب من الطرافة بمكان، وكنت قد رويتها في كتابي "الجواهري – جدل الشعر والحياة"، كما نشرت القصيدة الموسومة "محمد المصباح"، والمقصود مظفر النواب، والمعنونة "فاتنة ورسام"، في كتاب "الجواهري في العيون من أشعاره" العام 1986.
وفي سلوفانسكي دوم ومن مشارفها كتب الجواهري قصيدته المملّحة إلى الفريق صالح مهدي عماش الذي جمعته به صداقة حميمة (أيار / مايو 1969) وكان حينها وزيراً للداخلية، والقصيدة "الرسالة" هي تعبير عن وجهة نظر مغايرة واحتجاج "شجاع"، إزاء حملة الأجهزة الأمنية على ما سمي حينها "الميني جوب" وميوعة الشباب، بحجة مجافاة ذلك للأخلاق، وجاء في مطلعها: (وفّى لها نذراً فوافى / وسعى بها سبعاً وطافا)... إلى أن يقول:

"أبا هدى" شوقٌ يُلحُّ / ولاعجٌ يُذكي الشِّعافا
نُبئـتُ أنّكَ توسع الـ / أزياء عَتّاً، واعتسافا
تقفو خطى المتأنقا / تِ كسالكِ الأثرِ اقتيافا
وتقيس بالأفتار أر / ديةً بحجّة أن تَنافى
ماذا تُنافي؟ بـل وما / ذا ثمَّ من خلُقٍ يُنافى؟
حوشيتَ، أنت أرقَّ حا / شيةً، ولطفاً، وانعطافا
وأشدُّ لِصقاً بالحجى / وألدُّ بالعدل اتصافا
أترى العفاف مقاس أقـ / ـمشة؟ ظلمتَ إذن عفافا
هِوَ في الضمائر لا تخا / ط ولا تقصُّ، ولا تكافى

وفي زيارتي الأولى إلى براغ في العام 1969 قبل أن أستقر بها بعد عام ونيف، زرت الجواهري في صومعته في سلوفانسكي دوم، وكانت القصيدة "الرسالة المملّحة" قد سرت في بغداد مثل النار في الهشيم – كما يقال –، خصوصاً  لدى النّخب الثقافية، ومن متذوقي شعر الجواهري، وحدثته عن تأثيرها المعنوي الشديد الأهمية، وعن تردّد ثم تراجع السلطات لاحقاً عن إجراءاتها التعسفية المتعلقة بالحريّات الشخصية، وكم كان وجهه مشرقاً وعيناه تلمعان وهو يستمع إلى تلك الأخبار التي قد يكون لديه الكثير منها، لكنني نقلتها بعفوية واعتزاز مصحوبة بالإعجاب الشبابي وروح التحدّي.
جدير بالذكر أن الجواهري بدأ بكتابة تلك القصيدة على قصاصة ورق لفاتورة حساب صغيرة، صباح أحد الأيام في براغ، ثم اكتملت القصيدة في عصر ذلك اليوم، حتى أرسلت بالبريد المسجل إلى الفريق عمّاش، وقد نشرت القصيدة في "جريدة النور" في 11 أيار (مايو) 1969.
وكان الجواهري قد أحيط باهتمام كبير ورعاية خاصة من فريق الحكم الجديد، في بداية عودته إلى العراق من المنفى، وخصوصاً من الفريق عمّاش وعبد الله سلوم السامرائي وزير الإعلام وخلفه صلاح عمر العلي والشاعر شاذل طاقة، والشاعر شفيق الكمالي، والصحافي حسن العلوي، وغيرهم ممن كانوا يتصدرون الواجهة الثقافية الرسمية، ثم خصص له مجلس قيادة الثورة راتباً تقاعدياً، وذلك بمرسوم جمهوري. وقد أقيم له احتفال كبير في بغداد يوم 3 كانون الثاني (يناير) 1969 في "كازينو صدر القناة"، وألقى قصيدته الشهيرة:

أرح ركابك من أين ومن عثر / كفاك جيلانِ محمولاً على خطرِ
كفاك موحشُ دربٍ رُحتَ تقطعهُ / كأن مغبرَّهُ ليلٌ بلا سَحر
ويا أخا الطير في وردٍ وفي صدر / في كلِّ يوم له عشٌ على شجر
عُريانَ يحملُ منقاراً وأجنحة / أخفَّ ما لمَّ من زادٍ أخو سفرِ

وافتتح وزير الداخلية صالح مهدي عمّاش الاحتفال بقصيدة على وزن هذه القصيدة، التي يقول فيها: (أرحْ ركابكَ من أين ومن عثر... هيهات مالك بعد اليوم من سفرِ) فما كان من الجواهري أن مازح صديقه عمّاش بقوله: يعني هل ستستخدم صلاحياتك لمنعي من السفر؟ وتلك شجون وشؤون ثقافية أخرى لا مجال للتوسّع فيها.
وفي براغ تعزّزت علاقتي مع الجنرال غضبان السعد، وهي علاقة عائلية بالأساس، وكان قد زارها لمرّتين متتاليتين، وصادفت زيارته مع زيارة والدي الذي كثيراً ما كان يستأنس بصحبته، كما أعطى اهتماماً خاصاً بأخي حيدر، وكان يدعوه بالزميل، على الرغم من تفاوت السن بينهما، وكان حينها حيدر في السابعة عشر من عمره، وكثيراً ما كانا يترافقان ويسهران معاً، وكان يمزح ويعلّق "دع أخوك للكتب" حيث كنت مستغرقاً بكتابة أطروحة الدكتوراه، و"دع الحاج للعبادة والتأمل" و"دع لنا الحياة". وقد تألّم كثيراً حينما علم لاحقاً في الشام أن حيدر وقع أسيراً، واستمر يسأل عنه كلما التقينا، وعندما عرف أن شقيقتي سلمى تمكّنت من زيارته خلال فترة أسره التي استمرت ثمان سنوات، حمّلها تمنياته وقال لها: أبلغيه أن "الزميل" بانتظاره.
يعتبر العقيد غضبان السعد من العسكريين القلائل الذين يتمتعون بثقافة موسوعية، حيث كان يجيد عدّة لغات ويتمتّع بعقل نقدي، ورؤية استراتيجية، كما كان لمّاحاً وسريع البديهة، وقد كتب وترجم العديد من الكتب والمؤلفات، إضافة إلى عشرات الدراسات ومئات المقالات وكان بعضها قد أخذ طريقه إلى النشر في جريدة "طريق الشعب" في السبعينات، وبعضه قدّمه إلى مركز الدراسات الفلسطينية في الشام، ومنظمات فلسطينية أخرى.
وفي زيارته الثانية سكن معي في المبنى الذي أسكن فيه، كنّا أبو كاطع الذي جاء من بغداد، وأنا نسكن في الطابق الثالث، وكان السعد في الطابق الثاني، وصاحبة المبنى السيدة "كلودوفا Kloudova" في الطابق الأول "الأرضي"، وكان نقاشنا يومياً يدور حول الوضع في العراق. وكان رأيه أنه يميل إلى التدهور سريعاً، وهو ما كان رأينا أيضاً.
أما بخصوص التجربة التشيكية، فكان السعد كثير الملاحظات ودقيق التشخيصات للنواقص والثغرات والعيوب التي تعاني منها، وكثيراً ما كان يردّد بسخرية تعليقاً على كلام الزعيم السوفييتي خروشوف الذي اشتهر في حينها بحديثه عن "اشتراكية الكولاج"، إذ كان قد استكثر على الشعب الهنغاري "أكلة الكولاج"، التي اعتبرها دليلاً للرفاه والسعادة. وكانت أجهزة الدعاية الصينية و"وكالة شينخوا" بشكل خاص قد ضجّت بتقريع "اشتراكية خروشوف" ذات الطبيعة الكولاجية.
في الشام كان غضبان السعد يستعيد معي أيام براغ، ونستذكر بعض حكايات أبو كاطع. وكان يختم حديثه أحياناً بالقول: "بلابوش دنيا". وحين رحل عن دنيانا بعد حياة من العذاب والألم، كتبت عنه كلمة رثائية بعنوان: "يا سيد الحزن والورد"، نشرتها في مجلة "الهدف" الفلسطينية في 3/12/1989، كما نشرت المادة مجلة "لدنيا" اللبنانية، وأعادت نشرها نشرة "مرافىء" العراقية التي تصدرها رابطة الكتاب والصحافيين والفنانين العراقيين.
وكان السعد قد فُصل من الجيش ثلاث مرات، الأولى في العام 1941، والثانية في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، حيث كان قد سجن، ثم غادر إلى النمسا – فيينا  لدراسة الطب ووصل إلى السنة الرابعة، ولكنه عاد بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وعيّن ملحقاً عسكرياً في موسكو، وعند انقلاب شباط (فبراير) 1963 فصل من الجيش للمرة الثالثة، وسجن أيضاً. والتحق بعدها بقوات الأنصار لغاية العام 1970. واضطرّ إلى مغادرة العراق في أواخر العام 1978، وعاش في المنفى حياة زهد أقرب إلى العوز، ومات وهو يصارع السرطان، لكن الابتسامة والسخرية لم تفارقه.
وأشعر شخصياً أنني في صحبتي البراغية مع غضبان السعد والتي امتدت إلى بغداد ودمشق استفدت من آرائه ووجهات نظره ومعلوماته. وفي الشام التقيته لأكثر من مرة مع عبد الرزاق الصافي، وفي كل زيارة لنعمان سهيل التميمي "ملازم خضر" – (أبو رائد) وأحمد الجبوري، كنّا نلتقيه ونستمتع بأحاديثه وانتقاداته وسخرياته.
ونتذكّر لقاءات حميمة مع الشاعر اللبناني ميشال سليمان، وأنطولوجيا الشعر، وقصة "المملكة الزندية"، التي استلهمها موسى أسد الكريم "أبو عمران" من اسم ولقب "عصام الحافظ الزند"، وذلك حين سأله عن علاقته بكريم خان الزند "الملك العادل"، فأجابه أنه جده السادس، وهنا راح خياله ينسج حكايات وقصص وتنبؤات عن الإطاحة بشاه إيران محمد رضا بهلوي، وانبعاث "الدولة الزندية" الثانية، بتنصيب عصام الزند سليل الأسرة الزندية الشرعي ملكاً مصوناً غير مسؤول، وكان أبو عمران قد قدّم عصام الزند إلى الشاعر ميشال سليمان بقوله: أقدم لكم حفيد كريم خان الزند، فما كان من سليمان وبحركة مسرحية، أن رحّب بالزند قائلاً: "مولانا هذا شرف عظيم أن تشرفنا وأن يعود العرش إلى أصحابه الشرعيين".
ثم كلف ميشال سليمان بكتابة (البيان رقم 1) الذي سمي "الرقيم الأرقم"، وكان محتواه "نحو التطوّر اللاّبهلوي صوب المملكة الزندية" وهي مشاكلة مع فكرة "التطوّر اللارأسمالي صوب الاشتراكية" الذي كان مطروحاً بقوة شديدة في تلك الأيام. وزادت التعليقات والتخيّلات والسخريات بين الممكن والمستحيل، التي جاءت على لسان أبو كاطع ومجيد الراضي ومحمود البياتي وعلي كريم وعصام الزند وكاتب السطور.
وإذا أردتُ أن أتوقف قليلاً عند موسى أسد الكريم الذي سبق أن ذكرته عدّة مرات وفي مناسبات مختلفة، فهو شخصية أثيرة، لا يمكن لزائري براغ من الشخصيات الفكرية والثقافية والسياسية الكبرى في تلك الأيام، إلاّ أن يلتقوه أو يلتقيهم، فقد كان بحيويّته وحبه للمساعدة وقدرته في بناء العلاقات، وجهاً مألوفاً ومقبولاً وله حضور كبير. وأبو عمران واسع المعارف والاطّلاع ويهتم بالأشياء والقضايا من أصغرها حتى أرقاها، وهو يمتلك صداقات واسعة ولغات عدّة، وقلماً رشيقاً، وتجارب حياتية لا حدود لها.
وفي براغ جمعتني هيئة واحدة مع الشاعر الشعبي زاهد محمد، وتطوّرت إلى صداقة، وكان هو الآخر قد درس وتخرّج من براغ، وامتاز بالظرافة وخفّة الظل، كما كان  سريع البديهة، وحلو المعشر، لا يترك فرصة إلاّ ويمرّر فيها بعض مملّحاته حتى في الاجتماعات التي ضمتنا، والتي شملت: خضير عباس "أبو سهيل" وكريم حسين، وحميد برتو، وصباح محمود شكري، وجبار الريحاني، ومهدي الحافظ، وكاتب السطور، إضافة إلى مشاركاته في المناسبات المختلفة، ومنها "مناسبة وثبة كانون" التي شارك فيها أيضاً عبد الستار الدوري، الملحق الثقافي حينها والسفير لاحقاً، بكلمة مؤثرة نالت إعجاب الجميع.
كان زاهد محمد، صاحب رأي حتى وإن كان صادماً أحياناً، وسواءً اختلفت أو اتفقت معه، فإن حبل الودّ لن ينقطع، وكان من المتحمسين للتحالف مع حزب البعث الحاكم، وعبّر عن تلك القناعات بشكل صريح وواضح، في كونفرنس حزبي، مثل ما كان خطيباً ذرب اللسان، وقد عمل في الإذاعة التشيكية القسم العربي في حينها، كما عمل في التسعينات في الإذاعة السعودية الموجهة نحو العراق بعد مغادرته، وتعزّزت علاقتي به في المنفى الجديد، خصوصاً خلال زياراته المتكرّرة إلى لندن والتي استقرّ فيها قبيل رحيله، ولا زلت أحتفظ بالعديد من رسائله ومملّحاته.
وقد عرفتُ أن القصيدة التي ألقيتها، حين حملني المتظاهرون، وأنا فتى صغير متأثراً بأجواء العائلة اليسارية، في تظاهرة العام 1956 انتصاراً للشقيقة مصر ضد العدوان الثلاثي، كانت من نظمه، وأنا الآن أستعيدها بعد ستة عقود من الزمان، ويقول فيها:

ناضل يا شعب واحقد على العدوان
تجلي من الشعيبة وقلعة الذبّان
وامحي هالعبيد الباعوا الأوطان
والغي للأبد صك العبودية


ليش الشعب جايع ما يحصل القوت
والكادح أطفاله من المجاعة تموت
أنابيب النفط ملك الشعب وتفوت
كل أرباحها بجيب الحراميه


يا جيش السلم ومحطّم العدوان
يا حامي الشعوب وحارس الأوطان
ذكرك من يمرّ يبعث ثقة وإيمان
مية مرحبه باسمه وطاريّه


كل احنه نناضل لاجل الاستقلال
أحرار الشعب والفلح والعمال
وبالجبهة يخوتي نحطّم الأغلال
ونحرر شعبنه من العبودية

وفي براغ تعرّفت على محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وإميل حبيبي ومبدعين فلسطينيين ومن قيادات شتى وزعماء ورؤساء وسياسيين ونقابيين من ذلك الزمان، عراقيين وعرب وأجانب، بينهم ثلاث سفراء عراقيين ربطتني بهم علاقة طيبة وهم: محسن دزئي ونعمة النعمة وعبد الستار الدوري، وتطوّرت العلاقات مع دزئي والدوري إلى صداقة حميمة.
لن أكون منصفاً وعادلاً إذا اختزلت ذلك على بعض الأسماء أو تعدادها، الأمر يحتاج إلى حفز جديد للذاكرة، ووقت ميسور، ومناسبة أخرى للحديث أو الكتابة عن شخصيات ثقافية وفكرية ومهنية، عراقية وعربية، كان لها حضور بارز في براغ، كلٌّ في مجال اختصاصه، ولكن ذلك سيكون مؤجلاً وهو على ذمّتي لمناسبة أخرى، فما أن تضيء النجوم الفضية المشرقة، سماء الذاكرة، حتى يرنّ جرسي الداخلي فأبادر لوضعها على الورق، كي لا تفلت أو تختفي، أو يتسلّل الوهن والضعف إلى الذهن فيتشتّت.
حين أستعيد ذلك مع براغ، كأنّي أهمس على نحو لذيذ بأُذن المعشوقة، لأسمع نبضها وأتحسّس رقّة مشاعرها، وكأنها تخاطبني بما كان جلال الدّين الرومي يقوله: اخفض صوتك: فالزهر ينبته المطر، لا الرعد.
براغ كانت حمولة كاملة لمخاض طويل تجمّعت فيه مثلما هي الذاكرة، قطرات نور تقبل بالمفاجىء الذي يتكىء أحياناً على الحلم، ويحق لنا الاقتباس من الشاعر الكردي المبدع شيركو بيكسه قوله الذي أتمثّله وكأنه يقوله في عشق براغ:

الريح تنحني للخريف
الخريف ينحني للعاشق
باحترام
العاشق للعشق
العشق للخيال
والخيال لي
وأنا للشعر

عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكّر عربي
* الأصل في هذه المادّة، محاضرة ألقاها الباحث في براغ، بدعوة من النادي الثقافي العراقي، بتاريخ 8 يونيو (حزيران) 2016.
* سبق نشر المقال بصحيفة الزمان العراقية على 3 حلقات بتاريخ 11 و14 و16 أغسطس (آب) 2016

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع