مقالات

فاطمة رجب الشافعي

على حافة بنغازي في زمن الحرب

أرشيف الكاتب
2016/08/17 على الساعة 17:04

دخلت مدينتي ليلاً حيث يغتصب الغرباء خبزها ويسرق السارق ملحها من طعم الحياة. لم اخطط للسفر إلى بنغازي، ساقتني الاقدار وحدها اليها حيث فجعنا بوفاة ابن شقيقتي أثر حادث أليم. بعد انتهاء اليوم الثامن على الوفاة عدنا لبيت ذويه بأحد محاور القتال بعد تهجير دام عامين. وبهذه الساعة التي تجاوزت منتصف الليل لا استطيع النوم، رطوبة الجو ساعدت البعوض على امتصاص ما تبقى من قطرات دم باجسادنا نتيجة الرعايش، حيث لا نسمع سوى نباح كلب يبدو انه باحد المزارع القريبة منا، صوت نباحه يطغي بين الفينة واخرى على صوت طلقات الرصاص العشوائية التي تبحث عن أي تجسد تستقر به، وعلى صوت السيارات  بالغة السرعة  العائدة من محور القوارشه او المتوجهة صوبه  في تصوري ان السرعة الغريبة مردها محاولة  للنجو من نيران الخصوم او ان سببها اسعاف مصاب او مصابين. صوتها يخترق الصمت المخيف من حولنا، ان تعيش بمحور قتال فهذا يعني انقطاع سبل الحياة من حولك، الدخول بتصاريح عسكرية وقد تمنع من الدخول إذا اقتضى الأمر ذلك. بالمحاور ليس لك الا الماء كريه الرائحة، والهواء الملوث بالتراب، والسماء الملبدة بالسحاب احياناً وبالدخان احياناً اخرى. كسرة الخبز لا تُرمى فقد تحتاجها ولن يكون لها بديل ليوم ام يومين، هدوء وظلام دامس يلفنا بسواده الموحش، فرضت علينا الظروف العيش تحت وابل من النيران وسماع ضربات الهاون والتفجيرات وعلى ضوء مصباح  إنارته تذكرني بضوء فنار القاز، حتى مشاهدة الاخبار حرمنا منها نتيجة قطع اسلاك الكهرباء عمداً ولتراخي  شركة الكهرباء باصلاح الكوابل التي دمرت، نشكر الله ان درجة الحرارة بالخارج نهاراً قد وفرت لنا دفء الماء للغسل والاستحمام، غير ذلك نعيش مساءا وليلاً على ضوء خافت حصلنا عليه بواسطة خيط كهربائي رفيع  تركه لنا من أغتصب البيت بحجة الصعود على سلم الله وذلك قبل ان تنتهي  معاناة  ومآسي التهجير للسكان بالمنطقة، حيث قام المغتصبون  بتوصيله من مزرعة لاخرى ومن بيت لأخر حتى وصل بحالته الوهنة هذه، لا يصلح لتشغيل حتى المروحة الكهربائية البليدة، التي اشعر انها تمكرنا بادعاءها اللف والقيام بعملها في حين انها غير قادرة حتى على تحريك شعرة رأس ساقطة على كتف احدنا. في هذه اللحظة بكاء طفلتنا نتيجة الحر والألم والبحث عن والديها يختلط وصوت القذائف وصوت الطائرة، بكاؤها يمنعني من تحديد وجهة ضربات الطائرة بالسماء من فوق رؤوسنا، اشعر بالخوف وبالارتباك، اوجه اسئلة غبية عن نوع السلاح ووجهته، ماشي والا جاي، ومتى سينتهي الضرب، يضحك عليّ الجميع من حولي فاشعر بالاحراج، فأدعي عدم الخوف لاعنة من قسّم حُجرات وطني  وكل من نصب نفسه حامي لأضرحة الشهداء. اترك الطفله مع عمتها و اسرع الى جهازي الصغير لادخل على النت عساي اجد خبراً يخص هذه الضربات واصواتها المرعبة بهذه الليلة، النت يمكرني ايضاً، بطيء وفهمه بليد ولا اجد اخباراً سوى اخبار الكذب وفبركة الاخبار التي  اصبحت مهنة من لا مهنة له. ببلدان العالم المتقدمة والمتخلفة تجد المراسل الحربي الذي يتوخى نقل الحقيقة متخذا المصداقية نوراً وهدى لرسالته، نحن لدينا كذابين، مزوروين للحقائق، موالين لاطراف بعينها، ينشر هذا خبراً عن تفجير هنا او هناك، عدد قتلى اما انه  مضاعف العدد والعدة  للتضخيم او استهانة باعداد من مات خوفاً من شماتة اطراف النزاع، كل ما نسمعه كذب، كل ما نقرأه كذب، الحقيقة لمن يريدها موجودة فقط بمحاور القتال، بخطوط النار الامامية، بالمستشفيات حيث تحكي اروقة المستشفيات مآسي الاصابات البليغة والموت والفقد والبكاء، تحكي حكايات مخجلة عن كيف يلتهم الليبي شقيقه وكيف يفتخر بهذه الشنيعة، مؤلم بكاء الرجال. يقولون ان ليبيا ولادة، هذا صحيح، ولكن يبدو انها  ولدت الطالح اكثر من الصالح، الصالحون يموتون، يغادرونا، لذلك يبكي الرفيق رفيقه، ولا ادري لماذا تزداد اعداد الموتى كل يوم، اخاف انهم قد سئموا هذه الحرب اللعينة  التي يلعبها ساسة جل همهم السلطة والثروة بسطوة السلاح يختبئون مثل الجرذان خلف متاريس الغرب والغربة، ممن يتلقى الأوامر بدول تعلن كل يوم أن الحرب على ليبيا خدعة ومؤامرة وسرقة لثرواتنا ولتقسيم أرضنا. هؤلاء الذين ربحت تجارة دنياهم قوة ومالاً وتحكماً وسرقة، هؤلاء الذين تلوثت ايديهم بدماء الابرياء والسذج، الذين اكلوا لحوم اخوانهم باسم الدين والوطن، الذين عاثوا بارضنا فساداً فرهنوها بلوشي للاجنبي، لعنهم الله دنيا واخرة  ما علينا منهم، انا اعرف وكلنا بات يعرف الحقيقة، مسألة وقت وستدور عليهم دوائر السوء. فالحقيقة كالشمس تغيبها الغيوم ويغيبها حركة دوران الشمس وتعاقب الليل والنهار، لكنها دوماً تظهر اكثر إشراقاً.
استلقي بسريري محاولة تتظيم برنامج  الغد وموعد عذابنا و رحلتنا الى مستشفى الجلاء، هذا المبنى العتيق المتهالك الذي يئن وجعاً نتيجة كبر سنه ولهوان قواعده، الطريق  اليه ورحلته عذاب، الزحمة من حوله تخنق انفاسي، بوابته ضيقه ويشرف عليها شباب ليس بوسعهم فعل اي شيء. لم يعد يستحمل كل هذا العبء الذي يلقونه على كتفيه الموجوعة، بات طاعن في العمر، تقوست رجليه واحدب ظهره ووهن العظم منه، اعداد المصابين به تجعلني اتسأل هل اصبح عرب بنغازي من ذوي العاهات! اطفال ونساء مكسوري الجنح والاطراف، والحرب اللعينة  زادت من حالات اصابات الشباب الرجال . كسور مختلفة، واطراف ملفوفه بالشاش وبالجبس ونتيجة لاختلاطها بالعرق والرطوبة تنبعث منها روائح كريهة ممزوجة برائحة الفانيك والمطهرات التي ينظف بها العاملون ارضيات المستشفى، ابداً لن انسى هذه الروائح. عندما ولجنا من مدخله الاسبوع الماضي ونحن لا زلنا بالمدخل نحاول اخراج طفلتنا  من السيارة لتصويرها نتيجة الحادث الذي ادى الى وفاة والديها،   بدأت سارة بالصراخ بمجرد رؤيتها ذلك المدخل، المسكينة حُفرت بذاكرتها الذكرى المؤلمة للحادث رغم انها لم تتجاوز ال ١٨ شهراً، ونحن نحاول اخراجها وتهدئتها اذ بسيارة دفع رباعي بدون ابواب مغبرة يملاؤها طين الارض تأتي مسرعة من خلفنا لمدخل المستشفى مع صراخ احدهم بمؤخرة السيارة كان واقفا وبحالة هستيرية، طالباً من الجميع إفساح الطريق لسيارة الجبهة بالمرور، كان يصرخ ويشتم ويسب الشعب الغبي، هكذا وصفه، كان يبكي بحرقة غير مفتعلة ويلوم سائقي السيارات بالشوارع لعدم إفساح الطريق لسيارات الجبهة التي تسعف الجرحى، كان يقول والله كان حي لكن سكروا علينا الطريق وكان هكي رانا انقذناه، من بدري ونحن نقولوا عطونا الطريق، تم رفع الجسد من السيارة الى العربة المخصصة لنقل الجرحى، اتى ممرض او طبيب لمدخل المستشفى ليعلن رسمياً وفاة المصاب بمجرد الكشف عن نبضه، كان الجسد لبطل ملفوف ببطانية، لازلت اتذكر حذائه وبنطاله الاسود  وطريقة استلقائه  بالعربة، انتابتني حالة من البكاء الشديد، خلته ابني فبكيته بدلاً عن أمه التي لم تدري بعد، بكيت شبابنا، وتخيلت وقع الخبر على ذويه ومحبيه، بكيت وطناً فقد شبابه بأتون معركة ما حلموا يوماً انها قادمة، ان يقتل  قابيل هابيل  مجدداً على ارض وطننا، ان توارى سؤات المجرمون  بألف حجة، بكيت خسارة وطننا. تعالى نحيبي وانا ادفع عربة طفلتنا صوب غرفة الاشعة، حاول الناس تهدئي وطمأنتي ما تخافيش على البنيه  ستشفى وستتعافى بعون الله، بعضهم حاول طمانتي بأنها بخير،  ما تخافيش عليها يا حاجة، كنت اريد الصراخ في وجوههم (يا ايها الناس) أنا لم أحج بعد لانه ليس لدي واسطة، وأنني لا ابكي حالة طفلتنا، انا ابكي ليبيا ابكي وطنا باسره، ابكي شبابنا الذي مات ويموت كل يوم ، ابكي هؤلاء من حولي مبتوري الايدي والارجل والاطراف، انا لا ابكي هؤلاء ممن اراهم امامي فقط، اردت ان اصرخ انني في رمضان باسطنبول شاهدت  فنادق (الهوليدي ان) وكيف تحولت الى مشافي لشبابنا المبتوري الاطراف، منهم من يمشي على عكازين بعد ان فقد نصف رجله ومنهم من يجلس بعربة العجزة يدفعها قريبه بعد ان فقد كلتا رجليه او يديه، او ممن فقد بصره هؤلاء ممن ينتسب إلى جماعات فجر ليبيا، شباب المناطق الغربية الذين زجوا بهم بمعارك لم يجنوا منها سوى الإعاقة، بكيت وطناً يمزق بطائفية السلاح ابطالها تجار سلاح، بطائفية المناطقية ابطالها عنصريون، بطائفية دينية يقودها دجال، بطائفية الأحزاب والتكتلات أبطالها (صياع وفاشلين) بطائفية الجهل ابطالها من يتبع القذافي. اردت سؤالهم : ما زلتوا اتبعوا فيهم. لذا بكيت، بكيت كأم، بكيت كزوجة وابنة واخت، بكيت كمواطنة، وانا ارى ليبيا تتفتت وانا ارى اموالنا تبعثر على شراء السلاح ومن ثم على معالجة الجرحى فأي غباء هذا. مع صراخي ونحيبي العالي تعالى صراخ ساره واصبح حالنا نحن الاثنتين حالة من البؤس  والألم، لذا سارع المسؤل عن قسم التصوير بالتخلص منا وذلك بادخالنا اولاً وقبل بقية المرضى  المزدحمون امام  قسم التصوير، اثناء دخولنا ومن خلال دموعي لفت نظري آله التصوير المضمدة بلاصق للجروح، فبكيتها ايضاً (شيله بيله) ثم ضحكت لحالها. على من تخطر بقسم الكسور الة تصوير الكسور مكسرة العظام ومهشمة ومجروحة كحال الوطن والجرحى.
موضوع مستشفى الجلاء وتردي حالته يجعلني اتسال بيني وبين نفسي لماذا لا يتم تخصيص مستشفى للجرحى قريب من جبهة القتال الغربية، مثلا مستشفى ابن سيناء بطابلينو حيث تنعدم زحمة المركبات وتسهل من ثمّ عملية إنقاذ من يصاب بالمحور الغربي! بل واين المستشفى العسكري في بنغادي اليس من الاجدر فتحه لاستقبال الجرحى والمحافظة على حياتهم من عبث المجرمون بحياة افراد الجيش بالمستشفيات الأخرى؟
الحرب القذرة حفرت  بذاكرتي وانا اتجول بشوارع مدينتي، مظاهر الدمار والركام والأنقاض حيث حلن محل كل قافية كتبت عن فبراير ونصرها. حفرت صورة شباب الجبهات، هؤلاء متعددي الأعمار، فمنهم كبار السن ومنهم صغاره، يتشابهون في إطالة شعرهم وإطلاق العنان للحيهم ولمنظر أحذيتهم و ملابسهم العسكرية المتسخة بطين الارض، بعضهم يقود عربات ومصفحات بحالة جيدة وبعضهم يقود عربات خاصة خردة بعضها ليس له ابواب منزوعة الغطاء الامامي، أدمنت النظر اليهم حين يمرون من امامي وسط شوارع بنغازي. ادمنت تدقيق النظر  بملامح وجوههم  وقسوة تعابيرهم،   حفرت الشمس  بأخاديد وجوههم خرائط لمحاور القتال، تحكي حكايات اعتقد ان جلها مؤلم، نظراتهم شرسة، تراءوا لي كالضباع شراسة، اطلقت عليهم لفظ ضباع لا ادري لماذا، ولكن ما رسم على وجوههم جعلتهم يبدون لي هكذا. نظراتهم تؤكد لي انهم عازمون ومصرون على تكملة مشوارهم  وانهم لا يهابون الموت، لا اعتقد ان هذه الوجوه  تنشد الموت من اجل الفوز بحور العين كما ينشدها غرماؤهم، القضية لهذه الوجوه قضية وطن وسلامة ارضه وحدوده وخيراته وشعبه، وليست قضية جنس و التمتع  بحور عين أصلاً لن يفوزوا بهن، متناسيين ان من يقتل مسلماً متعمداً جزاؤه النار. وللمصداقية ومن ناحية اخرى، ظروف الحرب غير العادية فرضت على بعض الافراد المدنيين  العاديين المنضمين للجيش ارتكاب فظائع غير طبيعية، سمعت عن حكايتهم الكثير هؤلاء اكثر استهتاراً واقل انضباطاً، ومع ذلك هم يقدمون حياتهم فداءاً للوطن، مجبرين نحن على شكرهم والتغاضي عن سؤاتهم او هكذا يبدو الامر لي. يجدر بي تقديم شهادتي عن المنطقة القريبة من جامعة قاريونس حيث يسيطر عليها افراد من اللواء المعزز التابع لقوات القذافي، عدو الامس يقدم اليوم خدمة وطنية، اوهكذا يتظاهرون، دفعهم اليها جنون العظمة والحلم بعودةالنظام  الذي كان، تغلب عليهم  لكنتهم الخاصة بالمنطقة الغربية. قد يكونوا خليط من جماعة سرت او ترهونة او بني وليد او ورفلة، لا ادري، لست خبيرة بتحديد لهجات  تلك المناطق ولكنهم من ابناء القذافي ممن يرفعون رايته ويغنون ترانيمه علناً وبشكل سافر ومقزز، ليس ذلك فقط بل يقومون بالاستلاء على بيوت تلك المنطقه ويعيثون بها فسادا وتدميرا. من لا يصدقني فليحصل على تصريح لدخول تلك المنطقة وليقوم بزيارة هؤلاء  ليقف على حقيقة الوضع هناك، ليستمع الى سخافات تراتيلهم العبثية التي تدل على حالة من التوثين وعبادة الأفكار الفضفاضة التي لا تفرق بين الحق والباطل والخير والشر، الامر لا يبشر بخير وانتظروا المفاجأت حتى تضع الحرب أوزارها. والحقيقة أن هذه حرب، ففي حين يراها المفتي عملاً نبيلاً يؤدي للجنة وللنار يرى البعض السلام عنصراً من عناصر الفساد وان الحرب هي التطهير والتحرير والامل الكبير لاستعادة السلطة ولعودة الجماهيرية للحكم من جديد ووإستغلال عذر محاربة الإرهاب لمعاقبة عرب بنغازي، هذه حقيقة وعليكم الإعتراف بها .و تدوم الحرب وقد اصبحنا رقماً في فضاء العجز امام فلسفة المؤامرة على الشعوب لا الأنظمة. اطراف النزاع كثيرة واهدافهم متفاوتة ومتعددة، الحرب منازلة بين اشقاء نجح العدو بالتفريق والفتنة  بينهم. الحرب بحاجة للقرار بالهجوم والهجوم بحاجة لقرار لصده وبين القرارين هناك القرار بوجوب إنزال العقاب وبأخذ الثأر، لو سمحوا للكراهية فقط بان تهجرهم لوضحت الرؤية لهم ولاكتشفوا الاوهام التي زرعها جميع الأطراف، القذافي و العدو الاجنبي وعملائهم، في اذهاننا عن اشياء لا توجد، عن حريات مغشوشة و ديموقراطيات مليئة بالاطماع والاخطاء وانها عبارة عن مجموعة اوهام ومصالح وهمية، مجرد ورم يمعن في جسم ليبيا فتكاً وقتلاً. (اصبح خراباً اصبح خراباً  وكأنه كان على هذه الأمة أن تأخذ درساً في التخريب).
بنغازي عصية تكره حتى المزاح معها ، فما بالك أن يقاتلها الأشرار، اهلها افراد ينبذون الارهاب والعنف، لم يقبل اهلها قتل رجالها ولا اغتيال اطفالها معارضون لكل من يحاول ان يسلب هويتها او ان يحتل ارضها، بنغازي قوة مناعة وطنية، مرضها يعني موت ليبيا. ومن يسلب هويتها يسلب هوية ليبيا كلها، حتى في اسواء اوضاعها تقول لا بأس سأقاوم واقوم، كلنا  يعرف انها هكذا. عندما وصلتها منذ ثلاثة اسابيع رأيتها قد شاخت وهرمت وطعنت سناً والماً، بدت لي مغبرة، متسخة، مزدحمة مهدمة، ساءني حالها وحلتها ، مرضت وحزنت عليها ومع الحزن راودني شك بأن  تتعافى. حتى تتجول بشوارعها فانك تنتقل خلال تضاريس جغرافية وبيئية ونفسية مختلفة فتتغير قناعتك، صحيح وجوه اهلها تغيرت، حل محل وجوه ابناء بنغازي وجوه لاناس لا ادري من اين اتوا، وكأنهم هبطوها من الفضاء. تسألت أين ابناء بنغازي الطيبون الودودون بحثت عنهم ولا اعرف اين يختبئون! القيادة بشوارعها مخيف، خوفاً من التعرض لهؤلاء، التجول بشوارعها يعتمد على اي منطقة انت، هنالك شوارع لا تعني لها الحرب شيئاً، لا يتابعون اخبارها اصلاً ولا يعنيهم سوى اخبار ارتفاع الدولار واليورو وهل ستفتح تركيا لهم سبل السفر بدون تأشيرة ام لا، أهالي هذه المناطق ، ازدادوا غنى وثروة برواج تجارتهم وبتحويل بيوتهم لمطاعم ومحلات، وهنالك شوارع ينعق بها بوم الشؤم، مهجورة مهدمة البنيان خسر اصحابها بيوتهم ومصادر رزقهم وباتت صورة مكررة للصومال، وبين الاثنين تتواجد بعض الشوارع بحالتها السابقة دون اي تغيير يذكر. بالمجمل بنغازي جريحة وحزينة وبحاجة للعلاج، بحاجة لتضميد جراح اهلها الذين اصابتهم المصائب نفسياً  ومعنوياً. العلاج بحاجة وللوقت وللدراسة وللتخطيط ولرجال وطنيون يحبونها بصدق وليس تظاهرا وطمعاً، وايضاً بحاجة لرأس المال. وخطرها على المال والفلوس واقتصاد الحرب، موضوع المصارف بحاجة لدراسة ولحل،ان تقف ليلة كاملة امام مصرفك تتسول مالك فهي كارثة، وعلى سبيل المثال فقط، كنت قد جلبت معي مبلغ بسيط من العملة الاسترلينية متبقي لدي بعد انتهاء رحلتي لتركيا. حولته الى العملة الليبية عند وصولي لليبيا، طبعاً الكل يعرف اين يتم تغيير العملة وماهو سوقها، ما تبقى من مصروفاتي قررت ان يذهب لترميم أحد بيوت الله، نصحت بأن لا افعل خوفاً من ان توجه اليًٓ تهمة دعم الارهاب، كيف؟ قيل أن المساجد كانت لله، اليوم للأحزاب وللمنظمات وللانصار. ياالله حتى ترميم بيتك اصبح تهمة. لذلك ولضيق وقت اقامتي قررت الاحتفاظ به بحسابي حتى اعود لاودعه ببيت الله دون ان يحس بي احد كي لا توجه لي اي تهمة،الطريف انني توكلت على الله وحملت المبلغ وتوجهت للمصرف. كنت الوحيدة به التي تريد إجراء عملية ايداع ذلك اليوم، تلقفني الموظفون بالابتسامات العريضة وبحسن استقبال مدير المصرف الذي لايعرف حتى اسمي، سوى انني احمل مبلغاً من المال اريد بغبائي رميه بحساب يقر بامتلاكي لحسابٍ جار يحوي مبلغاً وقدره كذا، لا يحق لي بعد ساعة واحدة من عملية الايداع المطالبة بعشرة دنانير منه، استقبلني المدير بمكتبه، وسالني بصوت منخفض وين الفلوس، يبدو ان الموظف الذي شرحت له طلبي قد اعلمه برسالة داخلية، فتحت حقيبتي وسلمته النقود، تلقفها بيدين مرتجفتين ورمى بها بالخزينة التي احكم طقها طقتين تحسباً من فرار الفلوس. سألته مش (حا تعدهن) اجاب (توا نعدوهن) طالبت (برسيت) الايداع، فامرالمدير احدالموظفين بطباعته، أخذت الرسيت وكشف بالحساب تحسباً يحوي عملية الإيداع وغادرت وانا (منجلطة) ماذا لو انني ارتكبت خطا بالمبلغ المودع، ما موقف المدير حين يكتشف انني  قد ارتكبت الخطأ وأن المبلغ ناقص مثلاً؟ من سيغطي النقص، وكيف سيحل المشكلة؟ وهل سيقوم بتوزيع مبلغي المودع على تلك العجوز المتعبة التي سألتني شن كنت اتديري يا حنه جوا  اجبتها ببراءة كنت نودع يا حويجه، سألتني كم، لم أجب، كان علي أن امتنع عن الإجابة كي لا أسبب ثورة داخل المصرف، قالت يا بنيتي سألتك لو المبلغ واجد بلكي يعطوني الميتين جنيه نرجى فيهن من الفجر، رددت عليها إن شاء الله ربي يفرج يا أمي، ام تراهم سيعطون منه مثئتين جنيه  لذلك الرجل الذي يصرخ مطالباً براتبه لشراء حليب وخبز لاطفاله؟ هل موضوع السيولة والمصارف له علاقة بالحرب ام بالمهنية وبالاخلاق وبالفساد المستشري داخل مصرف ليبيا المركزي ومن ثم بالمصارف حيث ان القاعدة القانونية تثبت أن التابع يتبع المتبوع؟ اعرف الجواب كما تعرفونه.
قررت مغادرة وطني وبقلبي غصة وبقلبي حرقة، كان على العودة لبريطانيا ولعملي ولزوجي ولبيتي ولمسؤولياتي ولغربتي التي اتعبتني واتعبتها. شعرت بالحزن وانا اودع سماؤه وارضه عبر مطار الأبرق، اعرف انني قد لا ارى ليبيا مجدداً وقد تطول مدة غيابي. مررت بمدينة البيضاء التي همست لي سراً بأن احد كبار موظفي حكومتنا الموقرة يتقاضى من حكومة طبرق مبلغ وقدره (7) الاف دينار تصرف له ثمناً لمقر اقامته بالمنطقة الشرقية والذي لا يقطنه اصلاً، وانما يتبادل السكن به شقيقته او ابنته وزوجها كنوع من تغيير الجو بالجبل الشرقي، هذا المبلغ لا تتأخر عملية دفعه لاصحاب العقار شهراً واحداً، ولا يقف هذا المسؤول على عتبات ابواب المصارف مستجدياً الحصول عليه، لانه يملك المفتاح.
تحياتي للجميع
فاطمة رجب الشافعي (وطني 100)
8/15/2016

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عطية الأوجلي | 20/08/2016 على الساعة 20:16
سلمت يداك
عشت مع نصك كلمة بكلمة ... حرف بحرف ... ألم بألم ... نسأل الله ان يعجل بفرج بنغازي وكل ليبيا.
berkawe | 18/08/2016 على الساعة 05:58
Libya 100
As I go through the article I feel more pain due to the Sufferings, and Some-one would say why is this happening? I would say the 2 sorry human behind regimes that ruled the Mother Land( Monarchy and Jamahiriah) share the same Blame of after Feb 2011 to this date. The 2 Bastards secured our Naive Support for a better life and they planted NONE for our Future, in return, that was how the 2 payed us back. What you have seen, People who are lost in their Loyalties to tribalism and religion, some thing that was encouraged by the 2 past regimes. I feel for your lose Lady, the end is not over yet....
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع