مقالات

د. ابوبكر خليفة ابوبكر

أمريكا المدبرة أم المدمرة؟

أرشيف الكاتب
2016/08/17 على الساعة 17:00

أمريكا "إمبراطورية العصر الحديث"، والتي يتربع نفوذها على كل الكرة الأرضية تقريباً، تلك الإمبراطورية التي يتكون سكانها من المهاجرين الأوربيون خاصةً، والذين أسسوا كيانها على حساب أنقاض أمة الهنود الحمر، وهاهي اليوم ماهي عليه، شاغلة الدنيا وكل نأمة فيها وكل سكنة وحركة يتردد صداها في كل أرجاء العالم، وهي حاملة لواء الإيديولوجية الرأسمالية المكتسحة، وهي الإيديولوجية المغامرة اللعوب التي تجيد تخطي أزماتها، وقواعد أمريكا العسكرية تتناثر في معظم أصقاع الأرض (في أكثر من 100 دولة) لتتوزع شبكة هيمنتها في كل الكوكب تقريباً، والتي يرى المفكر الفرنسي الراحل "روجيه غارودي" أن الغرض منها عرقلة أي بروز مرتقب للصين القوة العالمية الصاعدة... ويتجه تحليل تأثير امريكا في العالم في إتجاهين:
الإتجاه الأول يرى بأن أمريكا هي مصدر الأزمات في العالم خاصةً في ظل زمن الأحادية القطبية، وبعد إنتهاء عصر الثنائية القطبية حينما كانت أمريكا تتقاسم النفوذ العالمي مع الاتحاد السوفيتي السابق، وقتها كانت الدول التي تتبنى نهجا إشتراكيا تتخذ من دولة الإتحاد السوفيتي حليفا، والدول التي تتبنى نهجا رأسماليا تتخذ من أمريكا حليفا لها، وسادت آنذاك حالة من التوازن العالمي فيما كان يعرف بحقبة "الحرب الباردة"....ولكن بعد تفكك الإتحاد السوفيتي إنهار نظام الثنائية القطبية، وإختل التوازن لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلن بوش الأب بداية إنبثاق "النظام العالمي الجديد"، والذي بلغ ذروته لاحقاً ببروز ظاهرة (العولمة)، بتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي يرى البعض بأنها التجسيد النهائي للهيمنة الأمريكية على العالم.

سياسياً: كان الهدف من العولمة عولمة الديمقراطية أو تصدير الديمقراطية الليبرالية التي تقوم على مبدأ التعددية السياسية، والانتخابات، وضرورة تعميم نموذج الديمقراطية الغربية في كل أنحاء العالم.
إقتصاديا: كان الهدف ضرورة تحول العالم نحو إقتصاد السوق، وإعادة هيكلة الاقتصادات المحلية، وفتح الحدود، وضرورة الحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وإطلاق العنان للخصخصة والتي تعني بيع مؤسسات القطاع العام للخواص... وكل ذلك بإشراف البنك الدولى وصندوق النقد الدولي.

أما الإتجاه الثاني في تفسير تأثير أمريكا على العالم؛ فيرى بأن أمريكا هي الحلم أو النموذج في الاقتصاد والسياسة، والذي يجب أن يحذو العالم حذوها... فعلى المستوى الاقتصادي: يجب إعادة هيكلة الاقتصاد، والتخلص من التخطيط المركزي للدولة، وبالتالي ضرورة التخلي عن الإيديولوجية الاشتراكية التي لم تفلح آلياتها في تأسيس دول ناجحة، بل عززت من إستبداد السلطات الحاكمة، ونتج عنها ديكتاتوريات عطلت التنمية، وفاقمت الفقر وشرعنت الفساد... وعلى المستوى السياسي: لم تفلح التجارب الإشتراكية في تحقيق الديمقراطية، فغابت الحريات، وساد الركود السياسي، والتعددية الزائفة فرغم سماح بعض الأنظمة بتكوين الأحزاب، إلا أن هذه التعددية ظلت شكلية، حيث يبقى حزب الرئيس الحاكم هو المسيطر، وأصبحت الدساتير مجرد لعبة في أيدي الحكام المستبدين، يبدلونها ويعبثون بنصوصها منى شاؤوا من أجل إدامة البقاء في السلطة وتشريع "التوريث"، وظلت وعود الإصلاح مجرد شعارات ترفع للإستهلاك الإعلامي فقط..لذلك فإن النموذج الديمقراطي الأمريكي والغربي هو الحل للخروج من نفق الاستبداد إلى فضاء الحرية الحقيقية.
ورغم ذلك نجد أن الإتجاه الأعلى صوتا عند النظر إلى تأثير أمريكا في العالم هو الإتجاه الأول "السلبي" والذي يتبنى فرضية أن أمريكا هي مصدر الأزمات في العالم، منذ أن خرجت من عزلتها لتنخرط في الحرب العالمية الثانية وانضمامها لدول "الحلفاء" من أجل الإطاحة بدول "المحور" وعلى رأسها ألمانيا، وعندما أعلنت خاتمة الحرب العالمية الثانية، بإسقاط قنبلتين نوويتين على هيروشيما ونجازاكي في اليابان، وأن ديمقراطيتها (أي أمريكا) لم تنتج إلا الخراب، ولم تدبر للسلام وأنه على مر تاريخها لافرق بين سياسات رؤسائها (والذين يلقبون بالقياصرة الجدد نظرا للصلاحيات الواسعة التي يتيحها النظام الرئاسي للرئيس المنتخب) سواءاً المنتخبون من مرجعية الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، بل على العكس نجد أن فترات حكم الرؤساء الديمقراطيون ربما تكون الأكثر رعباً ودموية، ففي عهد الرئيس الديمقراطي "هاري ترومان" شهد العالم واليابان تحديداً إلقاء أمريكا قنبلتين نوويتين بأمر مباشر من "هاري ترومان"، وشهد عهد الرئيس الديمقراطي "جون كينيدي "حرب فيتنام، وصولاً إلى عهد الرئيس الديمقراطي "باراك أوباما" والذي شهد عهده ثورات مايسمى بالربيع العربي، وماترتب عليها من صراعات وحروب ونزاعات، وموجات نزوح ولجوء لم يشهد لها العالم مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية، وكذلك مانتج عنها من نمو وتصاعد للإرهاب والتطرف وبروز أعنف حركة متطرفة ألا وهي تنظيم "داعش"، والتي تتهم أمريكا بأنها وراء نشأته وصعوده سواءا بشكل مباشر أو غير مباشر.
ولعل أكثر مايثير الاستغراب أن أمريكا شهدت تطورا في علم السياسة الحديث، عن طريق تأسيس مدارس فكرية للسياسة كمدرسة "شيكاغو"، ونجد أن صناع القرار في السياسة الأمريكية يعتمدون ويستعينون بمراكز الأبحاث عند صياغتهم لسياساتهم؛ على سبيل المثال تأسست "المدرسة المثالية في السياسة "والتي تتبنى فرضية الإنطلاق من مبادئ السلام والأخلاق في السياسة الدولية، حين كانت أمريكا في ذلك الوقت منكفأة على ذاتها أثناء الحرب العالمية الأولى، ولم تتدخل فيها، ثم جائت بعدها "المدرسة الواقعية في علم السياسة"، والتي تعني الأخذ بلغة المصلحة والقوة في ممارسة السياسة الدولية، وترافقت نشأة هذه المدرسة مع تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن عزلتها وإنخراطها في الحرب العالمية الثانية، وتربعها بعد ذلك على عرش النفوذ العالمي، وصولاً إلى سقوط وتفكك القطب المنافس "الاتحاد السوفيتي" في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، حيث تزامن إعلان النظام العالمي الجديد مع صدور أطروحة أطروحة "نهاية التاريخ" للفيلسوف الأمريكي "فرانسيس فوكوياما" في سنة 1989 والتي يعني بها أن التاريخ توقف عند النظرية الرأسمالية وأنها بما تحمله من حرية وعدالة ومساواة أخر ماوصلت إليه البشرية.
لا شك بأن تناول الظاهرة الامريكية وأثرها في السياسة الكونية يحتاج الى أبحاث معمقة ومستفيضة.... وللحديث يقية.
د. أبوبكر خليفة أبوبكر
الرباط - المملكة المغربية /16/8/2016

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع