مقالات

د. محمد يونس علي

ثقافة الوهن وثقافة الوهم... الحالة الليبية أنموذجا

أرشيف الكاتب
2016/08/13 على الساعة 04:59

تبدو مظاهر ثقافة الوهن في الشعور بالدونية والإعلاء من شأن الآخر، وتفوقه العرقي والثقافي، ولاسيما إن كان ذلك الآخر هو الأوروبي أو الأمريكي، ويؤول ذلك عادة إلى التفاخر بالتحدث بلغته، والحرص على محاكاته الدقيقة في نطقه ولغة جسده، فضلا عن تبني نمط حياته تبنيا كاملا دون تمييز بين غثها وسمينها، والاستجابة إلى طلباته وإملاءاته.
وتبدو ملامح ثقافة الوهم في الاعتقاد بالتفوق الذكوري أو القبلي أو الجهوي أو الإقليمي أو القُطْري، ويعود هذا الشعور إلى التركيبة البدوية الأبوية المتأصلة في مجتمعاتنا، وإلى  الاستماع إلى الأجداد وما ينقلونه لنا من أوهام مزعومة حول مناقب الأسلاف من قبائلنا ومناطقنا وبلداننا مع ما يصاحب ذلك عادة من تقليل من شأن الآخرين، وتحريض على بغضهم واحتقارهم.
وبين هاتين الثقافتين المتعارضتين تنحرف مفاهيم الدولة المدنية، وتهتز القيم الأخلاقية، وتتأزم الهوية الوطنية، ويتحول المجتمع إلى فئات متصارعة، كما تتحول موارد الدولة إلى غنيمة تتعين فيها حصة القبيلة أو الجهة بقدر ما يتوهم أصحابها من أحقية فيها بحكم ما توهموه من تضخم في الأنا، أو شعور زائف بالغبن والاضطهاد واقع ممن يرون فيهم الطرف الآخر من أطراف الصراع.
وبحكم الشعور بالدونية أمام الأجنبي الناشئ عن ثقافة الوهن المترسخة فينا يصبح من السهل علينا تقبل إملاءاته، والاستجابة لطلباته وربما أوامره في سبيل التغلب على من نتوهم عداوته من أبناء أوطاننا الذين نراهم ينالون ما لا يستحقون، ويستولون على ما لا يساورنا شك في أننا به أولى.
وهكذا يستغل الأجنبي توهمنا بالشعور أمامه بالدونية، وتوهمنا بالشعور بالفوقية مع أبناء الوطن، ويؤول كل ذلك في نهاية المطاف إلى انتصار الأجنبي وخسارة الوطن.
د. محمد محمد يونس علي
أستاذ اللسانيات... ومدير بحوث ودراسات

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ممتعض | 15/08/2016 على الساعة 00:38
تعليق
يطرح المقال قضية مهمة وملحة ويتناول موضوعاً عرض ونوقش باستفاضة .. دون أن يعني ذلك أنه قد استنفذ ، بل هو باق بذات الخطورة وبذات الأهمية والإلحاح ، فمن جدلية السيد والعبد عند هيجل ، وازدواجية السادومازىكية عند فرويد مروراً بصورة المستعمِر والمستعمّر عبد البئر ميمي والمعذبون في الأرض لفانون والخوف من الحرية لأوبك فروم وحتى الانسان المقهور والإنسان المهدور لمصطفى حجازي عرض الموضوع من منطلقات فلسفية وسيكولوجية وسوسيولوجية ، وقد لا نجانب الصواب إذا جرؤنا على القول بأن منبت هي الظاهر ومكمنها في النزوعات الإستحواذية التسلطية التي تجسدها الانحيازات المتدنية الأنانية والقبلية والجهوية والأيديولوجية ، وأن تعرية تلك النزوعات والنحيازات والتحرر منها قد يكون الطريقة المثلى لمواجهتها .
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع