مقالات

عبير الورد

مواطنة تتسكع في جرح

أرشيف الكاتب
2016/08/13 على الساعة 05:07

رسائل عبير الورد (الجزء الثاني) الرسالة رقم (8)



مواطنة تتسكع في جرح....

• أفتحُ قارورة عطر الحنين، وباب الاشتياق، يحاصرني وجهك بين زوايا الليل المتوحدة صمتك المهيب، في شرنقة السكون، في تجاعيد الشوارع المهجورة، في حانات يتردد بين أصدائها رنين ضحكات الماضي البعيد، وجوه كانت هنا ترتاد صخب المقاهي، وضجيج الأزقة، تعبق برائحة الزمن الجميل، والآن يبيت فيها الوجع ويستيقظ صباحا متحدثاً لنا بصوته الصارخ، يرسل لنا رسائله النصية في صياح لا يتوقف، ووجوه ما كان لها أن تعرف الوطن، لولا أن عرفت كيف تتسلق فوق أكتاف الزمن.
• أتسكع في جرح نازف، أحاول رتق الجبين بشيء من ضمادات كلماتي، أستنزف الوقت المتبقي من عمر الدولة، في البحث عن أطياف عاشقة، وألوان صاخبة تعرف كيف ترسم نقوش الفرح بين حانات الوطن المهجورة، كنتُ أقلق، أخاف، أتوجس، أنتفض في حيرة، متسائلة ماذا بعد أن ترهلت الأزمنة في ليبيا؟ ماذا بعد أن صارت قبلة للمفسدين في الأرض؟ ماذا بعد أن غدت هذه الحقول ــ المخضبة بالقمح، واليمام، والزهر، والورد البلدي، والياسمين ـ قاتمة ومهجورة؟ بعد اختصار أعمارنا؟ بعد عودتنا للعصر الحجري؟ ماذا بعد أن أصبح العالم يخافنا، ويعاملنا على أننا مواطنون بدرجة (مسجل خطر؟).
• أتسكع في نزف الجرح، وخاطري مجروح، ونسغي يبدد دمي للخارج، وريدي ينفر اللون الأحمر هنا وهناك، قصائدي شاحبة، صوتي يتحشرج كلما لفظتُ اسم مدينة ليبية، أشعر أنها بدأت تفقد وعيها عن الوجود... وآآآآآه من الوجود الذي أثقل رأسي بالوعود، ودوُّرني تائهة، ضعيفة، لا حول لي ولا قوة، خجولة، مطأطأة الرأس بين رفيقاتي، حين يكتبن، ويتحدثن مزهوات بأوطانهن، حين يرسمن أفعال الرجال في أبيات شعر، أو ثلة خواطر، أو حفنة شهب من شذرات الشعر، وماذا سأكتب عنا؟ عن اختلافنا؟ أم عن قادة قادوا ليبيا لمستنقعات الرماد؟ أم عن رجال يناضلون ليل نهار من أجل تأزيم أوضاعنا المعيشية؟ أم عن حكومات الحد الأعلى لفاعليتها الاستجابة لتوفير الأرز والدقيق وجزء مستقطع من المرتب، وبالكاد جرعة أنسولين لمريض سكري، يستنزف قواه، ويبطل شهيته، ريثما تأتي الجرعة التالية، عماذا سأكتب؟ عن مدن تتراشق الحجارة فيما بينها؟ أم عن كتاب وصحافيين لا يسمع صوتهم أحد، أم عن سلطة عمياء لا ترانا؟ أم عن أئمة تركوا قضاء حوائج الناس، وتفرغوا لقضاء حوائج السياسة؟ استغراق يتوه في دهاليز ذاهبة في طولها، مادام باب الحوار ينحو مناحٍ جدلية، ومادامت المخالفة تتفوق على الاختلاف، والخلاف يقود الأطراف للبحث عمن يخلف الطرف الآخر.
• تومئ لي فوهة البركان المفتوحة في ليبيا أننا لسنا في الوجود الحقيقي، وأنَّ الوجود السالب يستغرق بنا نحو شرخ عميق لا ننتبه له، نُدب، وعلامات تطال جسد الوطن، طعنات في صدر الهوية، تشوهات خلقية تطال التراث، والكل مفصول عن الكل، كان وجه *هايدجر* يلاحقني من فكرة لفكرة، يغمرني في عشب السؤال، فأغرق في سافانا طويلة، من إجابات تتسكع في نسغي، تحاول ملاحقة نبضي المسكون بالقلق، هنالك رأيت الكثيرين مثلي، غارقين في يم الأسئلة، والفصال عن وجودنا الفاعل، ذلك الوجود الممتلئ بالصخب، والحياة، والتفاعل، والفعل، وردِّ الفعل، كنا في هوة من الإحباط، يسكننا الخوف، يقيم في داخلنا ذلك الوهم من أننا موجودين حقيقة، هزَّات من هايدجر، تحاول روحي أن تستل نفسها من الاغتراب عن واقعها، خشية أن يصل الأمر لسلب الذات، وتفريغها من قيمة الوجود.
• أتسكع في ذلك الجرح الغائر، أغوص حتى يغمرني بياض حزنه، أتشرب منه عنوة، لأقول له سأظل أقلق عليك، ما دمت نبضا تسري في وريدي مدى العمر، سأمضي به ويقيني ببلادي مطوياً في قلبي، أحمله في جنبات هذه الروح المرتعشة، مثل طائر مبلل بالحنين لعشِّه، يتمنى أن ينفض عنه غبار الهجرة والاغتراب، فالقلب مُلقى في غيابات الجب، والروح مغازل تُلقي بأسماعها لأخبار الوجد، والعيون سهرٌ انداح في مسارب الليل طيش ونزف، والأنف ضمِّخته رائحة الغياب حتى سكرتْ به شهوة اللقاء، والشفاه أناختْ بأسئلتها إلى إجابات  ترجمتها قبُل التوق للقاء وجوه ابتلعها الغياب، في سجون التوحد والتغريب داخلنا.
عبير الورد
ذات تسكُّع في جرح
13/8/2016
* النص وغيره على مدونتي "سمراااء".

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
نسيم الورد | 18/08/2016 على الساعة 12:12
غضب الخيل على اللجم
انت ونصوصك جميلة الجمال كله ، غضبك عزيزتي يذكرني بغضبة "نيكولاي جوجول " في رائعته "الأرواح الميته " و(جورج أورويل ) في "مزرعة الحيوان" و(ليم فوكنز :أديب الجنوب الامريكي وجيل المتمردين من أمثال "جون أوزبون، وهارولد ويسكر ، وبنتر ، وجنتر جراس وجاك كرواك وجان جنينه ادباء الجيل الغاضب وما في نفوسهم من ثورة عارمة تتوق إلى الافضل ، احساسك الادبي رائع وشعورك الوطني اتجاه الوطن يفيض بالحب والوفاء ، احببت فيك اشياء كثيرة وكتبت عنك الكتير ولعل الايام القادمة ستكشف عن مفاجات نتركها للايام عزيزتي لااجامل ان قلت انت ظاهرة ادبية تستحق أن نقف عندها ،اتابع عن بعد كل كلمة نشرت لك عبر هذا الموقع المتميز او عبر صفحتك ،وقريبا ان شاء الله وسارت الامور كما ينبغي ساكون في بنغازي الحبيبة وعندها سأتصل بك لاستكمال بعض النقاط في "البحث " لتكتمل لدي الصورة الفنية في انتاج الادبي الرائع ومراجعة النصوص وصورة الغلاف قبل النشر حاليا اقيم في مدينة "معسكر الرائعة " بالغرب الجزائر بالقرب من مدينة "وهران " حيث هنا جمال الطبيعة الخلاب يكسبني الهدوء وراحة البال وصفاء النفس انها مدينة الامير عبد القادر الجزائري .
عزة رجب | 17/08/2016 على الساعة 13:25
شكرا جزيلا
لا أزعم أن نصوصي جميلة ولها التفرد ، لكني أمضي إلى حيث يقودني قلبي ، و أتبع إحساسي إلى حيث يسوقني قلمي ، أعتبر نفسي غاضبة بطريقتي الخاصة ، ربما من إيمان نابع من أن تبادل التهم الفكرية أو اختلاف الآراء لايحتاجان للصياح أو التعايش على طفيليات الماضي من أفكار، بل الأسمى والأجدى أن نعالجه بفكر هاديء ونرسخ لثقافة حوارية أو فكرية صرفة خالية من الصراخ صرخت في هذا النص حقا ولكنها صرخة بطريقة هاديدغر ( أن أقلق حتى لا أغيب ولا أتغرب عن واقعي فأنزوي كمواطنة عن الحياة و أستسلم لما تفرضه واقعية الحالة ) وهذا هو واقع المواطن الليبي ...يجب أن يقلق حتى لايموت في التغريب عن واقعه ..جزيل الشكر لك دكتور
نسيم الورد | 14/08/2016 على الساعة 09:55
افرازات الجمال(1)
جماليات النص في عمقه الوجداني وقوة الاحساس الوطني النابع من قلب شاعرة ترسم بلغتها الجميلة اروع اللوحات البلاغية في حب الوطن الجريح ، كم عشقت الشاعرة ، وكم احببت نصوصها الجميلة وكم تغزلت في جمالها الانوثي الفتان وكم كتبت عنها وكم وكم وكم ومازلت على عهدي محبا وعاشقا ومتابعا حتى لو كنت بعيدا عنها فانا قريب منها تلامس اناملي كل مساء شعرها واغوص مبحرا في بحور نصوصها الشعرية المخصبة بفلسفة الحياة ،التى تغرف من معين لاينضب ، الشاعرة الاديبة وقد اجادت وصف مايعترى الوطن من وهن وجراح وضياع بابداعها ذكرتني بأدباء الجيل الغاضب في الولايات المتحدة الامريكية واوروبا ،ولهذه الشاعرة فضل عليّ كبير فقد حفزتني إلى الاستزادة من المعرفة والاستمتاع بمطالعة أشياء جديدة هي غاضبة أليس كل أديب غاضباً بمعنى من المعاني ؟ لقد كان المتنبي غاضباً وكذلك كان أبوالعلاء المعري وغيرهما كثير .ولكن استوقفني في نصوص شاعرتنا الجميلة كثرة التعبيرات عن الغضب وهي تشبه غضبة المضري التي تهتك حجاب الشمس دون أن يكون لدى الشاعرة الغاضبة طائرة او صاروخ وغضب الشاعرة في مقالتها يجسد الحب المقدس للوطن الجريح الذي يتعرض الى الاذى و
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع