مقالات

الصديق بودوارة

ديمقراطية البيرو العربية!

أرشيف الكاتب
2016/08/11 على الساعة 18:41

في مقالة مذهلة بعنوان "قفزة في الظلام" للراحل الليبي "المذهل"، "الصادق النيهوم" نشرتها له مجلة الناقد "الراحلة أيضاً"، في عددها رقم 26 لسنة 1990م، كتب مفكراً كعادته عن ديمقراطية الأحزاب الوهمية، وعن مصطلح "الديمقراطية" المستورد جاهزاً من الغرب بآلياته ومفاهيمه وقطع غياره، دون اعتبار لظروف المنطقة العربية وتاريخها وثقافتها وهويتها التي تختلف كلياً عن الغرب وتفاصيله ويوميات تاريخه الطويل.
المقالة طويلة، لكن ما يهمني منها الآن هو ذلك الاستعراض المنمق الرفيع الذي أجراه النيهوم لبعض "الديمقراطيات المعلبة" التي تورطت فيها العديد من الدول وبالتحديد في أمريكا اللاتينية، ربما ليثبت لنا صحة وجهة نظره الصائبة أصلاً، ولكن، ولأننا لا تقرأ من الأساس، ولأننا "أمة الذين لا يقرأون" كما عنونت إحدى مقالاتي سابقاً، فإن لا أحد منا قرأ الصادق النيهوم وهو يبكي، فدموع الخائف لا تمنعه من التمعن في المعرفة، ربما يكون خوفه درباً إلى معرفته، وربما تكون معرفته طريقاً إلى نجاته في نهاية المطاف.
شخصياً، شرعت في كتابة هذا المقال بعد تجربةٍ شخصية سأحجم عن ذكر تفاصيلها حتى لا تبعدني التفاصيل عن المعنى، وهي تجربة التقيت خلالها وجهاً لوجه مع بعض من صناع القرار في بلادي، ومع شخصيات يُشار إليها أنها " نخبة"، ومع أعضاء أحزاب، من المفترض أنهم يشكلون جزءاً من منظومة الحكم، ومع مسؤولين وخلافهم من الأتباع والملحقات الضرورية الأخرى.
باختصار، وجدتني وقد التقيت في ظرف أيام قلائل مع "منظومة الديمقراطية" بأسرها، وهي ذاتها الديمقراطية التي نشبت من أجلها الحرب، وهي ذاتها الديمقراطية التي حلمت بها أجيال عديدة في بلادي أو في غيرها من البلدان العربية الأخرى. كلنا كنا نحلم باستمرار، وبشغف، بالديمقراطية على النمط الغربي، لكننا اكتشفنا أننا لم نقرأ شيئاً للصادق النيهوم بعد.
الآن، يعضني الندمُ بنابه، وأتمنى من جديد ألف مرة، لو أننا قرأنا لهذا الرجل قبل أن نمعن في الحلم، ولكن، لا أحد يعود من الموت ليكتب، ولا أحد يمكنه أن يرجع عن درب حياته المقدر له لمجرد أنه يعض بنان الندم.
خيبة أمل كبرى راودتني، وإحساس مفجع بالخيبة اجتاحني، وسؤال مؤلم استبد بي تلك الليلة: "هل هذه هي الديمقراطية التي حلمنا بها؟ وهل هؤلاء هم الساسة الذين سنسلم إليهم قيادنا الآن ؟ وهل تصلح لنا فعلاً ديمقراطية الغرب المعلبة؟
سؤال مخيب للآمال، ومقال للصادق النيهوم تأخرنا في قراءته خمس وعشرين سنة بالتمام والكمال، ولكن، لا مانع من استحضار "بعض" معانيه من جديد، لعلنا نعض معاً بنان الندم، وإلى مطلع الروح هذه المرة.
في مقالته الرائعة يستعرض "النيهوم" مثالاً حياً عن "ديمقراطية معلبة" تورط فيها شعب آخر بعيد عنا آلاف الأميال، منذ أكثر من خمسين سنة، ولكن، ولأننا شعب لا يقرأ، فنحن لم نتعلم شيئاً من تجربة غيرنا، وداومنا بكل بلاهة على الحلم بنفس "العلبة" الملونة من "الديمقراطية" الحلم بطعم الفراولة، دون أن نحاول ولو مرةً واحدة أن نفتح كتاباً عن تاريخ دولة بعيدة أسمها "البيرو"، لنعرف على الأقل كيف هو طعم "الديمقراطية المعلبة" ولو من بعيد، قبل أن نتورط بعد خمسين سنة في  شراء نفس العلبة، ومن نفس السوبر ماركت أيضاً، فهل تسمحون الآن أن أصحبكم في رحلةٍ قصيرة إلى "ديمقراطية البيرو المعلبة" على مركب الصادق النيهوم؟
يقول النيهوم: (جمهورية البيرو هي دولة ديمقراطية حسب المواصفات القياسية الغربية، إنها دولة ذات اقتصاد حر، يديرها برلمان منتخب في اقتراع عام، ويمثلها رئيس شعبي من أبناء الطبقة الكادحة، وتراقبها صحف مستقلة،وتحرسها اتحادات عمالية،وأحزاب مسجلة باسم جميع فئات الشعب من اقصى اليمين إلى أقصى اليسار).
طبعاً سأحاول الاختصار قليلاً، لكني أجد نفسي مجبراً على إيراد بعض فقرات المقال بالنص وبكل أمانة… يواصل النيهوم: (لكن أحداً لا يعتبر جمهورية البيرو ديمقراطية، حتى من باب النكتة،لأن البيرو في الواقع هي أحد أشهر نماذج الديمقراطية المزورة في ظل نظام الأحزاب بالذات).
هنا بالذات أكاد أعثر على “ليبيا" و”اليمن" و”سوريا" و"تونس" معاً  في مقال "النيهوم"، فلا مفر الآن من الاعتراف بأننا نعاني تبعات خدعة كبيرة سوقت لنا ديمقراطية لا نملك مفاتيح خزائنها، وليست معدةً لنا من الأساس، ولكن، لنواصل معاً استعراض نموذج  النيهوم عن ديمقراطية البيرو لكي نعرف المزيد عن ديمقراطيات "العرب" التي نعاني منها الآن.
إن "النيهوم" يعدد أسباب الزيف البشع في ديمقراطية البيرو المزورة على هذا النحو:

(( ــ دستور البيرو يقول إنها دولة راسمالية، لكن متوسط دخل الفرد فيها يقل عن ثلث دخل الفرد في دولة شيوعية مثل ألبانيا.
ــ ديون البيرو وصلت "الآن" إلى 200% من دخلها القومي،وكل طفل يولد بها خلال القرن القادم سوف يولد مديوناً بمبلغ قدره ألف دولار.
ــ حكومة البيرو "البرلمانية" أصدرت 27 ألف قانون منذ سنة 1947 حتى الآن، لكن 99% من هذه القوانين لم يعتمدها البرلمان،ولم يطلع عليها النواب،ولم تنشر في الصحف أصلاً.
ــ بلديات البيرو لا تدخر وسعاً في تشجيع الملكية الخاصة لكن المواطن الذي يريد أن يبني بيتاً يأويه،عليه أن ينتظر سبع سنوات لكي ينال رخصة بناء، بعد أن يدفع من الرشاوي ما يعادل دخله خلال 56 شهراً.
ــ شعب البيرو يختار حكومته بمحض ارادته في انتخابات حرة لكنه لا يدفع لها الضرائب،فمن أصل 21 مليون مواطن لم تجمع الحكومة الشعبية خلال عام 89 سوى ضرائب قديمة من ربع مليون.
ــ نسبة الاقبال على الانتخابات  وصلت في عهد الرئيس جارنيشا إلى نصف مواطن من كل مئة مواطن . أما قوانين البيرو فتنص على حرية الاقتصاد،لكن جميع وسائل النقل العام في العاصمة "ليما" هي تابعة لتجار السوق السوداء،فيما تصل نسبة التضخم إلى 6000 % وتتزايد الأسعار سنويا بمعدل قيمته 30. إلى واحد)) انتهى الاقتباس

وهذا فقط جزء من كل، وربما هو مناسبة لأذّكر من جديد بحكمة التأمل بدل نقمة الصراخ، وربما هي نظرة باليصيرة عوضاً عن مجرد مرور البصر، وربما هي الحقيقة الدامغة التي تقول إننا نتورط الآن في ديمقراطية بمواصفات غربية لا تليق بنا، ولا تناسبنا من الأساس، ولن تلقي بنا إلا إلى المزيد من فوضى المحللين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين،والساسة البلهاء،والأحزاب الكرتونية،والارهاب المتمكن،والطغاة الذين يولدون كل مطلع شمس وعلى جميع مفترقات الطرق واشارات المرور.
هذا فقط جزء من كل، وهذه فقط قطعة فسيفساء من لوحة قديمة صار اسمها منذ زمن ديمقراطية البيرو الزائفة، نأمل أن لا يعرفها العالم بعد ألف سنة من الآن بديمقراطية البيرو العربية.
الصديق بودوارة

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
Sami da Saracin | 13/08/2016 على الساعة 21:36
الرخاء أم التقدم؟
السؤال المهم هو ما الهدف من الديمقراطية؟ هل هو تحقيق الرخاء الإقتصادي أم تمثيل إرادة الشعب؟ إذا قلنا أن الإقتصاد هو معيار نجاح الدول لعددنا قطر و الإمارات و بروناي من مصاف الدول المتقدمة, و هذا هراء!! الديمقراطية ليسست حلا سحريا لكل داء و لكنها أحد أهم مكونات أي دواء, و هي ليست منيعة ضد الفساد و لكنها أكثر مناعة من حكم الفرد, عسكريا كان أم ملكيا. ملاحظة, وصف أنفسنا بأننا أمة لا تقرأ و لا تكتب أصبح يصيبني بالغثيان من كثرة استخدام هذه العبارة كلما أراد الكاتب (الذي يقرأ و يكتب و يتمعن) التمكين لفكرته و التقليل من شأن القارئ.
ليبي ليبي | 12/08/2016 على الساعة 11:31
عبودية
سؤال بسيط للكانب هل نحن من الشعوب التي لاتستحق العيش بحرية؟ هل صدقت عائشة القذافي عندما قالت من لايحب ابيها لايستحق الحياة؟.لماذا هذا التشائم ؟ السنا بشرا مثلهم نستحق العيش بكرامة ( ليست كرامة حفتر ). لماذا تقارننا بالبيرو ، لماذا لانقارن انفسنا بكوريا الجنوبية مثلا ؟ الم تكن هذه دولة فقيرة وفي حروب حتى الستينات من القرن الماضي ، انظر الفرق بينها وبين جارتها الشمالية هل هم في نفس المستوى من العيش. البشر ياسيد الكاتب سواسية لافرق والديمقراطية تنطبق على جميع الشعوب ولاتنطبق إلا على عشاق الطغاة والعبودية.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع