مقالات

ابراهيم أنيس محمد

مفتي بقوة السلاح

أرشيف الكاتب
2016/08/11 على الساعة 16:39

تستمدّ شخصية المفتي شرعيتها، ومبرر حضورها، من قوة واحدة وحيدة هي قوة القبول: القبول الإلهي بداية الذي يقرّبه من الحق، ويلهمه الصواب، ويحوطه، من ثم، بالتوفيق. والقبول، بعد ذلك، من طرف أقرانه في مجال العلم الشرعي؛ فيفوّضونه للنطق بالرأي الديني الصحيح، بعد أن تهيأت له أسباب الرسوخين الخلقي والعلمي، ليستحق هذا التفضيل تسليما وإقرارا بالمنزلة. وأخيراً القبول من لدن الناس، في صفاتهم المتنوعة، ممن يمثلون الطرف الذي سيتلقى الفتوى، والمعني بتطبيقها وإعمالها، والمُنتظِر لها.
وعند إعمال جملة الأركان الثلاثة السابقة على حالة من جيّر دور المفتي لصالحه، نرى أنها تغيب تماما في مثل حالته، ويُنسف حضورها أمام دوره، ولا تحتفظ بالثبات اللازم عند اختبارها في سياق ما يصدر عن الرجل من ممارسات.
وهذا الرصد الواصف لا ينهض في الحقيقة على أي ميل وجداني، أو تحامل منشأه التعصب المناهض، وإنما يستقيم وصفا موضوعيا يستمد صوابيته من تفاصيل سيرة الرجل الرسمية، منذ أن تصدّى للشأن الديني"السياسي" العام.
فالقبول الرباني مفقود في حالته، وذلك بمقياس الحق الإلهي الذي يأبى أشياء ويوجب أخرى، يقلبها مفتي طرابلس؛ فيوجب ما يأباه الله، ويأبى ما يوجبه، والبيّنة اللازمة، كما يقول المفتون، تقوم على أن مفتي طرابلس يأبى عصمة الدماء والأموال وربما الأعراض، ولا يتجشم كبير حذر، أو عظيم توجّس تفرضه جلالة هذه الغايات (الدم، المال، العرض)، والتي تمثل أركانا رئيسة في منظومة مقاصد الدين الإسلامي، فمن يفتي باقتحام المدن، ويدفع لمهاجمتها، ويحرض على مقاتلة سكانها، والشواهد ليست بالعزيزة، لا نحسبه مقبولاً بهذا المعنى، وقد فرط في جنب الله بخرق مبادئه الأصيلة التي تؤسس للدين الإسلامي.
وعند مساءلة سلوك مفتي طرابلس بمنطوق الركن الثاني القائل بوجوب قبول الأقران، ومن هم له صنو في مجاله؛ تجد العالم السلفي يتبرم منه، والعابد الصوفي يسخط عليه، والفقيه الإباضي يستهجن ما يصدر عنه، والمفكر المهتم بشؤون التأويل الديني يمجّ ما يأتي به، والمتعلّم السني الوسطي (يؤخونه)... فينحسر الإجماع عليه، ويتراجع شرط القبول الجماعي به، وهما شرطا خطاب كل مفتٍ.
وتأتي، متمما، لتعاين قبول الناس له، وتنبري لإجراء ما يشبه الاستفتاء الواقعي معتمدا التواصل المباشر مع ذوات تنهض بدور العينة الممثلة لتنوع المجتمع الذي يشكل حالة تلقي خطاب الإفتاء، وأنه المآل الذي ستنتهي إليه الغاية من حضور الرجل ودوره؛ فتسأل الليبي الأمازيغي عن خطابه، فيجيب: لا يعنيني في شيء، وتستوضح من بدوي ليبي استوطن وديان الوسط الليبي، فيرد: عليه من الله ما يستحق، وتطلب تعليق أحد الذين يعتمرون الطاقية الحمراء في الشرق الليبي، فيعلق: بصوت بالغ الدلالة أفففففف. وتسأل شريكا في الوطن ميّزته سمرة واحات الجنوب عنه، فيفاجئك قائلا: لا أمنحه أذناي. وتطلب إجابة شاب مدني مهموم بآخر إضافات الواقع الحضاري، فلاتظفر منه إلا بكلمة شاردة دلالتها (إنه مفصول عن الواقع).
وتعود، ختاما، لتسأل نفسك هذه المرّة، وباستغراب أنتجته محصلة التجربة السابقة: من يستمع للرجل إذا؟ وإلى من يتجه بخطابه؟ ومن يتلقف ما يصدر عنه؟
تستطيع أن تكره الليبي المحطم المسكون بالبلبلة الوجودية على أشياء كثيرة إلا أن يُحب من أخطأ الطريق لتوطين قيمة الحب في مجتمعه.
ابراهيم أنيس محمد

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع