مقالات

د. عمارة علي شنبارو

إلى أين؟.. قراءة في المشهد الليبي

أرشيف الكاتب
2016/08/07 على الساعة 14:44

تتطور الأحداث السياسية والميدانية في ليبيا بشكل ينبيء بإستمرار الأزمة.. وبتعثر جهود الإصلاح.. فبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على دخول المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني العاصمة طرابلس.. لممارسة مهامه المُخَوّل بها بموجب الاتفاق السياسي الليبي.. لا زالت تلك الحكومة غير قادرة على معالجة المشاكل المعيشية الخانقة التي يعاني منها المواطن.. ناهيك على تحقيق الالتزامات المتعلقة بتطبيق بنود الاتفاق السياسي الليبي.. وعلى رأسها الترتيبات الأمنية  وتدابير بِنَاء الثقة.. ربما يكون مَرّد ذلك لغياب الرؤية المشتركة وعدم تحديد الأولويات.. ولقلة الإمكانيات المادية والقدرات الفنية اللازمة للمضي قُدماً في معالجة كافة الأزمات الحاصلة.. فضلاً على تأثير حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي بين الشرق والغرب.. وتراكم المشاكل والصعوبات وتفاقم التحديات التي تواجهها الدولة.. وقد يكون للمعارك التي تخوضها القوات التابعة للمجلس الرئاسي بسرت حالياً ضد قوات ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية.. تأثير في تبعثر جهود حكومة الوفاق.. بين السير في معالجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.. وبين تكثيف مجهوداتها السياسية والميدانية نحو التعبئة العسكرية للظّفر بالنصر في تلك المعارك الضارية.. ولقراءة المشهد الليبي بشكل عام.. وما يمكن أن يؤول إليه سيناريو الأحداث القادمة.. إذا لم تفلح كل الجهود في معالجة الأزمات التي تمر بها البلاد.. فإن الأمر يقتضي منا التمعن في المكونات الأساسية لذلك المشهد الدرامي.
الانقسام السياسي:
مر الانقسام السياسي القائم بين أطراف النزاع بعدة تطورات.. حيث ابتدأ بتجاذبات ومناكفات سياسية بين التيارات الفكرية والحزبية المتصارعة.. حول شكل الدولة القادمة وما هي أبرز ملامحها ومبادئها وكيفية تأسيسها و إدارتها ومن هم رجالاتها والسُبل الممكنة للتحول من مرحلة الثورة لمرحلة الدولة.. ليتطور الأمر بعد ذلك إلى خلاف دستوري حول شرعية مجلس النواب بعد صدور حكم الدائرة الدستورية.. وما أثير حوله من لغط وجدل قانوني.. أربَكَ المشهد السياسي بشكل كبير وسَاهمَ في تطور الأحداث إلى مزيد من النزاعات المسلحة.. وقد ترتب على ذلك الصراع.. تعدد الحكومات العاملة.. وانقسام المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية وفقاً للانقسام السياسي الحاصل.. وأدى كل ذلك إلى تردي الوضع الاقتصادي وتشوه النسيج الاجتماعي.. فتنامت العداوة والكراهية بين أبناء الوطن .. وتعثرت محاولات الإصلاح وجَسَر الهوة.. ولا زال الانقسام السياسي هو الأساس في كل الأزمات الحاصلة.. التي لا سبيل للخروج منها إلا بإعادة الثقة بين أطراف النزاع.. وإنهاء حالة الانقسام بينهم.. والوصول إلى حلول توافقية تُرضِي الجميع.. وهذا لا يمكن أن يَتَأتَي إلا عَبْرَ إحكام العقل ونبذ الفرقة والبعد عن خطاب الإقصاء والكراهية.. والسعي للتصالح والتسامح والتعايش السلمي.. والتعاون على البر والتقوى والإبتعاد عن الأثم والعدوان.. وتوحيد الصف والكلمة أمام التحديات التي تواجه الوطن وتعصف به.. والسُمو بالنفس عن الأهواء والأطماع والنزوات والأمجاد الزائفة.. والإقرار بأن ليبيا فوق أي اعتبار.. ومصلحتها هي مصلحة الجميع.. وإن دمارها وخرابها سيطال الكل.
دور مجلس النواب:
باشر مجلس النواب انعقاده الأول بتاريخ 4/8/2014م.. في ظروف استثنائية غاية في الصعوبة.. وفي ظل وجود حالة من الانقسام السياسي الحاد والصراع المسلح بين أطراف النزاع.. وقد كان لتوجهات ثُلّة من أعضائه حينذاك.. الأثر البالغ في إنحراف مساره وتحوله من مجلسٍ يمثل الشعب الليبي.. ويراعي مصالحه ويقف على مسافة واحدة من الجميع.. إلى مجلسٍ يتخذ من الاصطفاف والانحياز لأحد أطراف النزاع أساس لانطلاق أعماله.. وبذلك أصبح ذلك المجلس من الوهلة الأولى طرفاً في الصراع وجزء من المشكلة.. بدلاً من أن يكون مالكاً للحل .. فقد كان حرياً به أن يبقى على الحياد ولا ينزلق في الصراع.. ويسعى لمعالجة الاشكاليات المتعلقة بإجراءات انعقاد جلساته الأولى.. والعمل على تقريب وجهات النظر ولم الشمل.. والبحث عن القواسم المشتركة بين الخصوم والفرقاء السياسيين.. والعمل على تنميتها ودعمها.. عبر حوار سياسي ناضج تحت رعايته وإشرافه المباشر.. ليتمخض عنه وفاق ليبي حقيقي.. كان يمكن أن يجنب البلاد ويلات الحرب والانقسام والتدهور الاقتصادي والتأزم المعيشي الحاصل اليوم .. لكن بدلاً من كل ذلك.. ساهم المجلس عبر اصطفافه وانحيازه.. في تصعيد المواقف السياسية دون مراعاة لمصلحة الوطن وللتداعيات الخطيرة التي ستنجم عن ذلك .. وفي تأكيد مخاوف الأطراف الأخرى منه.. وما كانت تدّعيه حول هيمنة جهات محلية ودولية على مسار عمله.. وتوظيفه لخدمة مصالحها واجنداتها.. وبذلك أعطى الذريعة لخصومه للإنقلاب على شرعيته.. وإثارة غضب الجماهير في عديد المدن ضده.. وإشعال لهيب الاحتجاجات على قرارته.. والمحصلة كانت .. مزيداً من الاستقطاب السياسي بين أطراف النزاع.. وأضحى بذلك.. الانقسام والصراع المسلح وأعمال القتل والتهجير هي السمات السائدة في المشهد الليبي.
أن الخروج من حالة الانقسام والشلل التي يعيشها مجلس النواب اليوم .. والتي انعكست سلباً على أداءه العام.. تقتضي منه إجراء إصلاحات جوهرية في هياكله التنظيمية وآليات عمله.. والعمل على تطوير مبدأ الشفافية والفاعلية لتعزيز مهامه التشريعية والرقابية.. والبحث عن التوافق الوطني مع خصومه ومناوئيه.. والابتعاد عن الاصطفاف وتصعيد المواقف والتعامل بردود الأفعال.. وعن تكريس الجهوية المقيتة.. التي صبغت في الكثير من الأحيان نقاشات وتوجهات أعضائه.. وانعكست واقعاً ملموساً في بعض مخرجاته.
الحوار السياسي الليبي:
تَولّت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.. رعاية جولات الحوار السياسي بين أطراف النزاع.. وقد أتسمت تلك المفاوضات طيلة فترة انعقادها بضبابية الرؤية وبوجود تخبط وإرتباك في إدارتها من قبل البعثة.. بالرغم من غزارة التجربة وعمق الخبرة وتوفر الإمكانيات المادية والقدرات المهنية لإدارتها.. وبكل صراحة فقد بات الشك يراودني في أن يكون كل ذلك مفتعل لحاجة في نفس يعقوب!!!.. فلا معايير موضوعية تم اعتبارها في اختيار أطراف التفاوض.. ولا آلية واضحة تم إتباعها لبلورة النتائج النهائية التي تمخض عنها الحوار.. فتشكيلة المجلس الرئاسي يتم الإعلان عنها من قبل البعثة الأممية بعيداً عن التوافق أو التصويت عليها من كل أطراف الحوار.. ونائب ثالث لرئيس المجلس يمثل الجنوب يُضاف في اللحظات الأخيرة لتوقيع المسودة النهائية.. بحجة إحداث التوازن السياسي الاقليمي... فهل ذلك التوازن وليد اللحظة... أو لم يكن يوماً من أولويات استقرار البلاد؟.. لا سيما أن نص الاتفاق السياسي الليبي يشير لأهمية البعد الجغرافي1.. لتتوسع بعد ذلك مناصب نائب الرئيس ليشغلها خمس نواب.. فضلاً على ثلاث وزراء دولة أعضاء بالمجلس.. دون وجود معايير جادة في اختيار من يشغلها .. وفي غياب تصور حقيقي للتأثير السلبي لتركيبة المجلس.. بالعدد الكبير لأعضائه.. على إحداث التوافق وتكريس روح الإنسجام والفاعلية بينهم في صناعة القرار السياسي الرشيد.. ثم إن بعض من تم اختيارهم للجلوس للتفاوض ضمن جولات الحوار سواء أفراد أو جماعات.. كانوا لا يمثلون إلا أنفسهم .. فلا قاعدة شعبية انتخبتهم.. ولا تأثير مباشر لهم على الأحداث الميدانية الجارية.. في حين غاب عن تلك الجولات أطراف رئيسة فاعلة في مشهد الحرب الدائرة بمدينة بنغازي وما حولها.. الأمر الذي ساهم في خروج الاتفاق السياسي الليبي متضمناً لعيوب جوهرية.. أدت إلى عدم قبوله من أطراف عدة.. وقادت إلى تعثر مراحل تنفيذه.. ومن مظاهر التخبط الحاصل في إدارة تلك المباحاثات.. غياب التناغم في وتيرة العمل بين المسار السياسي للحوار ومسار تدابيره الأمنية... فكيف يتم التأسيس لحكومة وفاق وطني وليس هناك شروع مسبق في ترتيبات أمنية واضحة لحمايتها وتمكينها من العمل!!! وكلنا يُدرك... إن ذلك الأمر يتطلب جهود مضنية وفترة زمنية طويلة لإعادة تشكيل قوات قتالية متوازنة.. تستند للتنظيم والانضباط العسكري ويعاد صياغة عقيدتها الأمنية بشكل جذري وبمنأى عن فوضى التشكيلات المسلحة.. التي بات بعضها نَزِقٌ عربِيد.. يخدم الجهوية والقبلية والمصالح الحزبية والشخصية.. بدلاً من الدفاع عن مصالح الدولة وحماية التجربة الديمقراطية الوليدة من الاجهاض أو الفشل.
إن بعثة الأمم المتحدة تحوّل دورها.. من رعاية الحوار وتنسيق الجهود التي تُبذل وصولاً لنتائج توافقية.. إلى رسم ووضع النتائج والتحكم فيها وفقاً لبواعث يكتنفها الغموض.. وأهداف تَحُوم حولها الشبهات.. لا هَمَ لتلك البعثة ومن وراءها إلا وجود حكومة قادرة على محاربة الإرهاب.. والحد من ظاهرة الهجرة القسرية التي أرهقت أوروبا قاطبة.. حتى وأن أتى كل ذلك على حساب الوطن واستحقاقات المواطن.. فتجربة إستلاب العراق ليست عنا ببعيد.. فبعد كل تلك السنوات الطويلة من التدخل الأممي والدولي فلا وطناً استقر ولا نهضة قامت.. وتأسيساً على كل ما ذُكِر في هذا السياق.. فمشروع تقسيم ليبيا قد يكون في نهاية المطاف هدف استراتيجي وارد.. يتم دفعنا إليه بدسائس وبتتابع مدروس دون أن ندري .. إلى أن يصبح أمراً واقعاً لا مفر لنا منه.. إذا إلى أين نحن سائرون؟.. هل هناك مراجعة جادة لمسيرة الحوار السياسي ونتائجه؟.. حتى يمكن تحديد الأخطاء والهفوات والاستفادة منها في بلورة رؤية ناضجة لمعالجة الأزمات الراهنة.. والخروج بليبيا من عنق الزجاجة.. أم إننا بعواطفنا نفكر وبقلوبنا نتحرك.. بعيداً عن العقل والتدبر.
الخلاصة:
كل الأحداث الجارية بالمشهد الليبي متمثلة في.. إنسداد الأفق السياسي في الوصول لمشروع توافق وطني ينهي الأزمة.. جمود الاتفاق السياسي في تنفيذ بنوده وربما انهياره.. تعثر حكومة الوفاق الوطني عن أداء دورها وربما فشلها.. تلكؤ المجتمع الدولي في إيجاد مخرج حقيقي من الأزمة.. تراجع الدُول المانحة عن دعم حكومة الوفاق في تنفيذ مهامها.. تبادل الأدوار بين الدول الغربية في إثارة المزيد من الصراعات والانقسامات.. تطور الأحداث في الصراع المسلح في بنغازي وما حولها.. دون وجود مخرج من ذلك الصراع الذي طال مداه.. القرب من حسم معركة سرت بعد الضربات الجوية الأمريكية لمواقع داعش.. مقترح كوبلر بتكوين جيوش الأقاليم الثلاثة مع الإبقاء على السيد حفتر قائداً عاماً للجيش [2].. تصريح بروس ريدل أبرز عملاء المخابرات المركزية الأمريكية عن اختفاء ليبيا وسوريا مستقبلاً [3].. تعثر مجلس النواب في القيام بمهامه.. تعدد الحكومات العاملة.. مجلس أعلى للدولة ببنغازي مرادف لمجلس طرابلس[4].. التطلع للهيمنة على منطقة الهلال النفطي من كل أطراف الصراع.. انقسام المؤسسات والهيئات والشركات شرقاً وغرباً.. ازدواجية إصدار العملة.. افتعال الأزمات المعيشية.. تدفق موجات الهجرة القسرية على الجنوب الليبي وغياب الحلول والدعم الدولي.. كل ذلك في حقيقة الأمر لن ينتهي ما لم يتم.. إنهاء الانقسام السياسي.. وإيقاف الصراع المسلح القائم.. وإصلاح مجلس النواب.. وإعادة النظر في حكومة الوفاق الوطني ومجلسها الرئاسي.. وإلا فإن الأحداث الجارية.. ستقود حتماً إلى المزيد من التذمر والاستياء العام والفوضى العارمة.. وصولاً لتهيئة الرأي العام لتقبل أي حل يُقَدّم ولو كان.. مشروع تقسيم ليبيا.. كحل نهائي للأزمات الراهنة.
د. عمارة علي شنبارو
الهوامش:
[1] نص الفقرة (2) من المادة (2) بالاتفاق السياسي الليبي "تُولي ﺣﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻮﻓﺎق ﺍﻟﻮﻁﻨﻲ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎر ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﻟﻠﺒﻌﺪ ﺍﻟﺠﻐﺮﺍﻓﻲ ﻭﺍﻟﻤﻜﻮﻧﺎت ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻤﺜﯿﻴﻞ ﺍﻟﻌﺎﺩل ﻟﻠﻤﺮﺃﺓ ﻭالشباﺏ ﻋﻨﺪ ﺍﺧﺘﻴﺎر ﺃﻋﻀﺎﺋﻬﺎ".
[2] تغريدة للسيد مارتن كوبلر المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة على موقع Twitter.
[3] صحيفة الشرق الأوسط  اللندنية بتاريخ 14/7/2016م.
[4] يبيا المستقبل بتاريخ 5/8/2016م.

د. عمارة علي شنبارو | 08/08/2016 على الساعة 01:07
حكم العقل ولا تنحاز
مجلس النواب لم يكن له وجود قبل 2/8/2014 ..إلا في صورة نتائج الانتخابات .. والصراع الحاصل بين عمليتي الفجر والكرامة كان قبل ذلك بشهر .. وحكومة الانقاذ لم تظهر للوجود وتنقلب على شرعية البرلمان إلا بعد مرور شهرين تقريبا على أول انعقاد لمجلس النواب .. بعد أن إنحاز البرلمان بالكامل لعملية الكرامة .. ثم ما هي النتائج التي توصل إليها مجلس النواب بعد مضي عامين من عمله وتصديه " للعبث " يا سيد القماطي .. هل حقق شيء على الأرض .. هل اوقف ذلك العبث .. هل رفع المعاناة على المواطن .. لا شيء .. غير زيادة التباعد والفرقة بين الليبيين وتكريس الانقسام .. بسبب ذلك الانحياز .. فلا تنساق وراء التحيز الأعمى على حساب دمار الوطن.. وقارب ولا تباعد يرحمك الله.
القماطي | 08/08/2016 على الساعة 00:29
انت لا تقول االحقيقة
مجلس النواب ظهر للوجود يوم 25-6-2014، وقبل أن يقول بسم الله انطلقت حرب طريق المطار يوم 13-7-2014. وكانت ذريعتها تنظيف المنطقة والمطار من المجرمين وإذا بها تتحول إلى عملية انقلابية كاملة وتغرس حكومة كرتونية في طرابلس. كيف لمجلs النواب أن يقف على الحياد إزاء هذه الاحداث العبثية. نحن نعرف أنك عضو في مجلس النواب ومن المنتمين لفجر ليبيا وكنت من المقاطعين.. أنت أيضا لا تقول الحقيقة وتساهم في اطالة الآزمة.
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع