مقالات

يوسف العزابى

طرابلس كما عرفتها (2)

أرشيف الكاتب
2016/08/04 على الساعة 13:33

بعد اسبوعين او ربما عشرة ايام، جاء المرحوم ساسى بن عثمان فى رحلته التجارية الى طرابلس وعند عودته الى جادو اخذنى معه فى نفس السيارة، مرفوقا، بعلاقة مليئة بما لذ وطاب من افضال طرابلس. الخبزة المحوره البيضاء والجزر او السفنارى والبصل الاخضر وبعض القماش لوالدتى وبعض الحلوى ومثل تلك الاشياء التى ترسل من العاصمة الى الداخل الذى يفتقر آنذاك لمثلها. ارسلها اخى من دخله المتواضع الى والدته فى جادو.
الهدف من الكتابة عن طرابلس كما عرفتها ايها الاخوه، ليس تحرير تاريخ ولابحث اجتماعى ولا تفصيل لما كان موجودا من عائلات وتاريخ لهذه العائلات وغيرها من التفاصيل التى فى الواقع لااعرف عنها شيئا على الاطلاق. انا هدفى هو تسجيل ما خطر لى ان اتذكره فى واقع الظروف التى تمر بها طرابلس العزيزه منذ حلت بها الكوارث واصبحت عاصمة لاناس لايقدرون قيمة العواصم وانما يعملون صباحا ومساءا على التهجم عليها وانتقاذها والتقليل من قيمتها واتهامها بما ليس فيها بل وتخريب طبيعتها وبيئتها فاصبحت، بحكم، الهمجية والفوضى والاصرار على قلة النظام، من اسوأ العواصم بينما كانت جميلة بيضاء نظيفة تغسل شوارعها بالمياه العذبة الجاريه ويتعطر جوها بروائح الليمون والحناء والزهر وعبير الورود.
فطرابلس التى جئتها اول مره لم تتعدى معرفتى الصبيانية بها حدود شارع ميزران مضافا اليه الطريق نحو باب الحريه مرورا بجزء من ميدان الشهداء وحتى اننى لااذكر ان كنت وصلت الى السرايا او اطللت على البحر او اننى تفسحت فى شارع الاستقلال او اربعة وعشرين من ديسمبر. والسبب واضح فاخى لم يكن فاضيا لانه يعمل وعندما يأتى يكون متعبا فينام استعدادا لوجبة الحراسة القادمه. اذكر مثلا اننى سرت مرافقا لبعض ابناء جادو جاءوا الى الفندق او بعضهم من سكانه، واتذكر المرحوم سالم حشاد والسيد صالح عبازه متعه الله بالصحه واظن الحاج محمد معرف واخى ايضا وذهبنا الى مقهى فى شارع ميزران صاحبه ايطالى ويعمل فيه شخص من جادو هو المرحوم موسى ابوخبطه ذلك الرجل السمح الطيب، واشتروا لى "جيلاطى" وحرت كيف اتعامل معها فانا اعرفها لاول مره وذابت وهى فى يدى واظن ان احدا من الكبار اخذها فقد فشلت فى التلذذ بها.
فى شارع ميزران كنت اجلس على عتبات الدكاكين المغلقة وانا اتمتع بمنظر السيارات الصغيره وموتوسيكلات الفيسبا بالوانها الزاهيه وشباب الطليان الذى يتفننون فى قيادتها وكان هذا حد معرفتى بما يجب على فعله فى تلك السن وفى ذلك المكان. واقول للسيد المعلق ان شارع ميزران كان ينعم بالكهرباء والمياه واظن ان بعضا من بيوته كانت مزودة بغاز المدينه بل وان العمارات الحكوميه كمبنى الولايه كان ينعم بالتدفئة المركزيه، بناها الايطاليون طبعا، لااذكر اننى شاهدت انارات فى الشوراع كماهو حاصل الآن ولاحتى اشارات المرور للسيارات "سيمافرو".
كانت الملابس الليبية كثيرة المشاهده رجال بالجرود والحوالى والطواقى والكبابيس والنساء فى فراشياتهن، ايضا القباقب والبلغ، ولعل اجمل مايرى تلك الطاقيه المصراتيه  المزركشه. اشياء كثيره يصعب حصرها. أما عن منطقة باب بن غشير فكانت كما عرفت فيما بعد مكتظة بالسكان من الدواخل اتخذوا لانفسهم مساكن من الصفيح متلاصقه تماما كما هو معروف فى باب عكاره والظهره وكانت لاتخطئها العين ابدا. فالفقر والعوز كان هو الطاغى فى ذلك الوقت على سكان الدواخل.
عدت الى طرابلس مرة اخرى بعد وقت قصير، كان اخى ابراهيم قد اصبح موظفا فى ادارة الاعلام فى بداية شارع ميزران وانضم للعيش كعازب مع اقران له من جادو فى فندق الفنيدقه وهو يقع فى زقاق صغير يصل بين باب الحريه وشارع الترك الرائع آنذاك. اما اخى خليفه فهو تزوج وانتقل للعيش فى منزل به عدة عائلات من جادو فى العمروص بسوق الجمعه. هذه المره جئت مع والدى اذ يبو انه كان يرتب لى ان التحق بمدرسة غريان وقد جاء لشراء بعض اللوازم كما اظن الان، وسبب ربط وجود والدى هى هذه الصورة التى تجمعنا معا مع اخى ابراهيم كما ترون بعدسه المصور الايطالى براقونى فى شارع الوادى.
اتيحت لى بعد عودة والدى فرصة التنقل بين مقر سكن اخوى الفنيدقه والعمروص، وهو عالم طرابلسى جديد. والفنيدقه اسم على مسمى مبنى من طابقين متواضع مكتظ بالنزلاء من المناطق الداخليه ومنهم عدد لاباس به من جادو. حجرة اخى يشاركه فيها تقريبا خمسة آخرون من اهم معالمها حشرة البق التى تهجم ليلا على الانسان بشكل لامثيل مما يضطر البعض الى النوم على السطح. موقع الفندق رائع بالطبع فهو يقع فى منطقة تكثر فيها الحركة التجاريه والسكان ايضا. تشعر ببرودة المكان فى المساء عندما تنخفض درجة الحراره ويبدأ السكان واصحاب الدكاكين بتبريد الشوارع بالمياه، وتخرج البضائع الى امامها خضروات ودلاع وبطيخ وفواكه واشياء يدويه كالمكانس وماشابه، وعادة ما يشق سكون المكان عربة كروسه او كراتون ينقل السيدات او البضائع او لبيع الفواكه او السردين والصاورى وايضا عربة الجيلاطى المزركشه بصوت صاحبها وهو يعلن عن مقدمه للاطفال... حركة دائبة مليئة بالتواد والحنية والتعايش والتفاهم، ترى الناس جماعات يتحدثون معا امام الدكاكين وكل فى صنعته عمال. لا كلاشن ولاميم ط ولا حتى دبوس. يادوب عكاز لمن يحتاجه.
شارع الفنيدقه شارع رطب تكاد الشمس لاتدخله لاصيفا ولاشتاء، يتصل فى الناحية المقابلة لشارع سوق الترك بشوراع ضيقه بها مساكن ودكاكين ومتعرجه وتصل فى ناحية منها الى باب الحريه من ضمنها شارع كان يباع فيه القماش وكان به دكان للمرحوم ايوب العزابى من جناون وشارع العطريه وبه دكان للمرحوم عبد الله بن ساسى من جادو. سوق باب الحريه هو سوق مفتوحه لعربات الكارو بما تحويه من بضائع محليه وهناك ايضا سوق رسمى للخضر والفواكه مسقوف وجميل التبضع فيه او حتى استعراض مافيه من خيرات.
فى وسط ميدان السوق بيت محاط بحديقه هو مركز للحرس البلدى وفيه يتم الكشف عن الموازين والمكاييل رسميا وتختم، وكان يتولى العمل فيه احد ابناء جادو هو المرحوم يحي ابوخبطه. وهناك ليس بعيدا مطعم البرعى المشهور وطبيخه الذى لايعلى عليه، وحدث ان ارسلنى اخى اكثر من مره من الفنيدقه بطنجرة فى يدى لاحضر فاصوليا من المطعم للغذاء، وهو لازال موجودا حتى الآن. الشارع الضيق ايضا يوصل الى الالتقاء بشارع سوق الصياغه وهناك ايضا فندق متواضع من بين سكانه كان شباب من مدينة مزغوره هم ابناء اشتيوى. السوق موجود حتى الان  كما هو على حاله ويشغل ابناء جادو  ثلاث مواقع منه، دكان للذهب كان صاحبه المرحوم محمد بن عيسى الزحاف، ودكان آخر للمرحوم محمد خربيش وايضا دكان كان لعمى المرحوم عبد الرحمن العزابى وكان يقوم فيه بصناعة الصيغ الفضيه التى تستعمل فى الاعراس. كالخلاخل والدبالج والاقراط وغيرها. وهذا الشارع يمتد حتى يلتقى بشارع سوق المشير الذى يبدأ من ميدان الشهداء حتى ميدان الساعه ويقع هناك برج الساعه وهو شارع تباع فيه الاقمشه والاحديه وبه جامع كبير ومن اهم معالمه ايضا مطحن البن الذى تتزاحم عليه الناس وخصوصا فى شهر رمضان.
من الجدير بالذكر انه فى بداية سوق المشير يوجد رواق مسقوف وجميل وهو موجود حتى الان تباع فيه زمان المصنوعات اليدويه الليبيه ويرتاده عاده السواح وسواح زمان كان جنود امريكا العاملون فى القاعدة الامريكية فى الملاحه، وكان به ايضا ملهى ليلا اوربيافيه مافى الملاهى من بلاوى. اذ عادة ما يشاهدون فى مجموعات وآلات التصوير تتدلى من على اكتافهم وهم يساومون ويشترون.
ايام زمان. من الناحية الشماليه تصل شارع الفنيدقة ايضا شوراع صغيره ومتقاطعه وجميله ونظيفه تحوى العديد من البيوت ذات الطابقين وتتجه شمالا حتى توصل الى الاشراف على فندق آخر يشرف على قوس ماركوس اوريليوس ومركز للشرطه وبعدها الى منطقه خزان طربالس الكبير ومقام الشيخ الهدار وكان يتوسط طريق السيارات تركه الايطاليون فى مكانه ليزيحه الفاتح فيما بعد من جملة ما ازاح من مبان و رموز تدل على تاريخ ليبيا كجامع السنوسيه وعمارة المصرف الزراعى وتمثال سبتيموس سيفاروس ومبنى وزارة الخارجيه وعمارات اخرى اضيف فضاؤها ليضم لميدان الشهداء: او ما كان يسمى بالساحة الخضراء. وماهى بخضراء.
شارع الترك هو شارع مسقوف الى حد كبير واسع مدخله الرئيسى من ميدان الساعه يتفرع بعد عدة امتار ليصل بين سوق الرباع حيث تباع الاردية والاقمشة والفراشيات والبدل الليبية وتفصل هناك عند المدخل ويمتد من هناك شمالا حتى يتوغل فى ربوع مساكن المدينة القديمه. يمتاز بمتاجره الرائعه لعل من اهمها كان متجر لعب الاطفال لصاحبه السيد عبد الرحمن دقدق، كان يجلس امامه فى كرسييه يتبادل السمر مع جيرانه عربا ويهودا معتمرا بدلة وطربوشا فى أجمل هيئه.
هناك ايضا دار عرض سينما تختص بالافلام المصريه لفريد شوقى وفريد الاطرش وهدى سلطان ايام زمان، هناك ايضا مكتبة صغيره تبيع كتبا مستعمله وتتعدد المقاهى والمتاجر والمشاغل كالانوال وصهر المعادن وخصوصا الفضه وهكذا... وكان الشارع لا يخلو من الزوار والسواح واصحاب الجرود والفراشيات وهلم جرا  فى تناسق عجيب وحياة رتيبه. وليس ببعيد عن السوق يمتد زقاق صغير مشهور بالضوضاء التى يحدثها شاغلوه من صناع ادوات الطهى النحاسيه أصوات تصم الاذان. هو سوق النحاسه ومدخله لاتخطئه الاذن وهو تماما ملاصق لبرج الساعه الجميل الذى تحمله العملة الليبيه.
والآن.... يبدو ان على ان اتوقف هنا حتى لايطول المقال وتسأم النفوس، وما يجب ان يقال ايضا ان كثيرا من التفاصيل لن يكون بالامكان ذكرها لكثرتها، فالهدف ليس ذكر كل شىء وانما لفت الانتباه الى عهد كانت فيه طرابلس ملحمة انسانية وسيمفونية رائعه حطمتها يد الظلام لتصبح كماهى عليه الان خرابا يبابا. وفى كل الاحوال لابد ان اعود للحديث عن العمروص والرحلات من المدينة واليه وشط البحر ومحاولات صيد الاسماك هناك، وشوراع الاستقلال والمختار وديسمبر والغزاله والوادى، عالم طرابلسى جميل، فألى لقاء قريب ان شاء الله ان كان فى العمر بقيه.
يوسف الغزابي
* راجع الجزء الأول بـ (ارشيف الكاتب)

اخى ابراهيم ووالدى والعبد لله

اخى خليفه بعباءته وابن عمى عياد العزابى

ابو مالك حسونه | 08/08/2016 على الساعة 17:56
شكراً جزيلاً
الله يبارك فيك استاذنا الفاضل وشكراً علي ردك الله يرحم التباء الاولون ، عمي عبد الرحمن قامة وقيمة من قامات الوطن ، وكذلك كان جارنا في شارع الزاوية المرحوم العزابي سعيد ، الله الله على الاخوة الصادقة ، كان معنا وكنا معهم عائلة واحدة ، وكان عمي المبروك ببشرته السمراء الجميلة وزوجته المباركة الشامخة بشخصيتها الفدة السمراد ايضاً اعتقد انها من جادو .. تلك طرابلس وتلك ليبيا ، جمعنا الله نحن اصلما من ترهونه ، حي وادي وعيون دوغة وقصرها التاريخي الاثري ،، وهم الاشقاء من الجبل الاشم الذي يشمل ترهونه وينتهي بعدها في النقازة ، نفوسة امتداد اطلس عبق الجغرافيا والتاريخ معاً ، عنوان الاصاله
يوسف العزابى | 07/08/2016 على الساعة 14:34
رد على تعليق
شكرا على كلماتك الطيبه , نعم عمى عبد الرحمن هو نفسه ذو اللحية الكثه ودراجته وهو من سكان شارع الزاويه . رحمه الله رحمة واسعه واسكنه فسيح جنانه ....
ابو مالك | 07/08/2016 على الساعة 14:14
الشكر والتقدير وملاحظة
لك استاذ يوسف كل التقدير والإكبار على ما دونته من جواهر مصقولة، عادت بما الى النفحات الطرابلسية الجميلة سؤال: عمي عبد الرحمن العزابي هل هو من كان يسكن جارنا في شارع الزاوية ـ زنقة الخروبة ـ صديق عائلتنا الحميم، كان يركب دراجته البشكليطة كل صباح بوقاره وهيبته، وعندما يعود في المساء كان غالباً ما ياتي لنا ببعض حلوة (الشاكار) الله يرحمه، ام غيره.. الله يرحم الجميع.. اما الحاج عبد الرحمن دقدق يرحمه الله كان يسكن اول شارع الزاوية ـ من ناحية ميزران ـ امام المدرسة
berkawe | 06/08/2016 على الساعة 07:03
Libya
I don't think this kind of Articles help any way shape or form help the Libyan Unity. What the Writer documented can be seen and felt any where any time( past or present) in the NINE Corners of LIBYA. I wish the Writers concentrate on the Unity and NOT Separation. But if that to happen I wish to see Libya divided to More than 5 Libyas, maybe at that time will realize that the only way to survive in this World is UNITY.....
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع