مقالات

عبد الجليل آدم المنصوري

حسنى بي وعائض القرنى.. والعنز المريضة

أرشيف الكاتب
2016/08/03 على الساعة 15:14

في نهاية سبعينات القرن الماضي، نشرت إحدى المجلات الأميركية Time أوNewsweek - لا تسعفني الذاكرة في تحديد أيهما الآن - مقالة من صفحة واحدة من ضمن مقالاتها، تحت عنوان: We Do Not Need a Barbarian Graduates. يشير فحوى المقالة إلى ضرورة الاهتمام بتدريس مقررات لها علاقة بتفهم التفاعل الاجتماعي والسلوك البشرى وكيفية التعامل مع الآخرين، وذلك على مستوى جميع العلوم والتخصّصات. وإلاّ سنعمل على تخريج مؤهلين علميا في الطب والهندسة وتقنية المعلومات والرياضيات وغيرها من العلوم التطبيقية، ولكنهم برابرة من حيث التصرف مع الآخر.
قبل هذه المقالة بعدّة قرون، تحدّث فلاسفة اليونان عن مفهوم ما يُعرف بمقلوب السلوك Reciprocal Behavior، الذي يقول: If you smiled to people, they will smile back to you. If you gave them a bad look, they will give you back a bad look added with interest.
 وهذا يعنى لو تبسّمت في وجوه الناس لتبسّموا لك، ولو كنت عبوسا في وجوه الناس، لرمَوْك بنظرات أكثر عُبْسا وازدراءَ. وهنا نُذكّر بأن ديننا الحنيف، يحثّنا على أن الابتسامة في وجه صاحبك صدقة، فأين نحن من ذلك؟
السيد حسنى بي - وهو من رجالات الأعمال في ليبيا - أشار إلى مقالة قال إنها رائعة، ونصح بشدّة بضرورة قراءتها، وهي: "المرعى أخضر ولكن العنز مريضة “، لصاحبها د. عائض القرني الذي استمدّ عنوانها من قول لعالم هندي. يعكس فحوى المقالة انطباعات د. عائض القرني الشخصية عن الحياة في فرنسا وثقافها، تلك البلاد التي ذهب إليها لعلاج ركبتيه. عبّر في المقالة عن اندهاشه الكبير من التقدم الذي شاهده في كل مناحي الحياة تقريبا، وحُسْن المعاملة والعلاقات الحميميّة بين الناس هناك، فقال: "نزدحم عند دخول الفندق أو المستشفى فيؤئرونك مع كلمة التّأسّف"، لدرجة أنه تساءل: ما السبب وراء ذلك؟ فقالوا له الحضارة تُرقّق الطباع؟
وفى المقابل، ينتقد الذات العربية في تصرفاتها البعيدة - في معظمها - عن الكياسة واحترام الآخر أيّا كان مستواها المدني أو العسكري الاجتماعي أو العلمي أو الوظيفي أو المهني، إذ قال: "نحن مجتمع غلظة وفظاظة إلاّ من رحم ربى". وأردف قائلا: "نحن بحاجة لمعهد لتدريب الناس على حُسْن الخُلق، وبحاجة لمؤسسة لتخرج مسئولين يحملون الرقة والرحمة والتواضع". ولقد أصاب د. القرني القول هنا، لأن جميع المهن والوظائف بحاجة إلى تدريب، وأن نظامنا التعليمي بحاجة للتركيز على الجوانب التربوية، ثم تعليم العلم. ما ذكره د. القرني اليوم، سبق وأن قاله الشيخ محمد عبده منذ عشرات السنين، عندما حطّت به الأقدار على أرض الفرنجة، فاندهش وقال قولته الشهيرة آنذاك: "رأيت الإسلام ولم أر المسلمين"!
نعم، يعاملك الناس في الغرب - عموما - بتصرفات حضارية عندما تأتى لمحل ما للاستفسار عن أو لشراء أو بيع شيء ما، يقول لك: "?.“What can I do for you todayبمعنى، هل لي بمساعدتك في شيء اليوم؟ وعندما تذهب لرؤية مُحام أو لزيارة طبيب تشعر أنهم يتولّون عنك الاهتمام بمشاكلك They take your problems off your shoulders، لأنهم تعلموا ودُرّبوا على ما يُعرف بأخلاقيات ممارسة العمل Business Ethics، وربّما أيضا بسبب نظامهم الاقتصادي المبنى على المنافسة Competitive Economy.
ما يُميّز التصرف الحضاري  Civilized act - قولا كان أو فعلا أو انفعالا أو ردّة فعل -أنه يرفع شعار؛ "It never hurts to be nice to people“. بمعنى، أنه لن يضرّك شيئا أن تكون لطيفا مع الناس. ألم يوصنا ديننا الحنيف، في السّنّة النبوية العطرة، بأن نُخالق الناس بخُلق حَسن، لا بل نتعامل مع الناس على قدر عقولها؟
إنه التخلّف الحضاري الذي يعاني منه مُعظمنا نحن العرب، تخلّف في الذهنية Mentality وليس تخلفا ماديا أو تكنولوجيا. التصرّف الحضاري هو؛ أن تُقدّر قيمة النقود وقيمة الجمال، وقيمة الأشياء عموما، وأن تعترف بحقوق الآخرين أيّا مَنْ كانوا، وأن تعترف بحق الآخر في الحياة وفى المعاملة الإنسانية التي تحترم آدمية الآدمي.
التصرف الحضاري يتأتى من التعليم الرّصين، والتدريب الهادف، وتطبيق القانون بعدالة لتهذيب السلوك، أي توجيه السلوك نحو الهدف المنشود. وما التصرّفات الحضارية لدى الغربيين عموما، إلاّ نتاجا لتطبيق القانون بعدالة لعدة عقود - إن لم تكن قرونا - حتى أصبح سلوكهم منضبطا يراعى حقوق الآخرين، لتكون بذلك تصرفاتهم الحضارية سلوكا متبعا وتسرى في عروقهم مجرى الدم  It is in their blood.
وما تخلفنا الحضاري إلاّ نتيجة لإفرازات نظم تعليمنا السيئة لعدّة عقود من الزمن، نظم تعليمية أفرزت لنا ؛ نصف فقيه أفسد الدين، ونصف طبيب أفسد الأبدان، ونصف نحوي أفسد اللغة واللسان، وقل نفس الشيء على باقي المهن والوظائف. ولا يبدو أن هناك حلولا لذلك في المستقبل المنظور، ما لم توجد رؤية واضحة واستراتيجية جادة لنظام تربوي تعليمي سديد، وتطبيق عادل للقانون دون هوادة أو تراخِ. وإلاّ سيسود تزويد المجتمع بخريجين من ذوي الشهادات المضروبة أو المزوّرة أو المبنية على الغش، وهي شهادات ستجعل من أصحابها عاجزين عن إحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحضارية المطلوبة، وستظل بذلك "العنز مريضة".
ا. د. عبد الجليل آدم المنصوري

مفتاح الطيار | 06/08/2016 على الساعة 19:51
شكرا دكتور عبدالجليل
هناك من لديه القدرة على نقلنا ببساطة الى افاق اجمل وسط هذا الركام ، من بينهم استلذنا الدكتور عبدالجليل. شكرا له
Ghoma | 05/08/2016 على الساعة 01:12
Civilization Has Many Props and Prongs
Civilization in its essence boils down to character! It starts from day one in life with inculcating the attributes of compassion, empathy, put yourself in the other's shoes, do to others what you'd like them to do to you, and so on. You said it yourself, the civilized behavior is to appreciate the value of things whether material, spiritual, or aesthetic. But only by teaching these appreciations from early on, and not just one of them religion, can there be an organic and healthy personality. The so-called Islamic civilization has emphasized only one source, you quoted it yourself, sacred Scriptures. Evidently abstract concepts were never enough. Never religions by themselves civilized any society in the long march of human experience. Our corner of the world with scant philosophy, not much art, nor rich literature in broader terms, and banished human reason, etc. tributes that would form with religion that great river called culture. Only a comprehensive and embracing culture can hav
خليفة على | 04/08/2016 على الساعة 04:45
مقالة رائعة
شكرا د. عبد الجليل على هذه المقالة الرائعة. نعم نحن في حاجة إلى تغيير الأنماط السلوكية في المجمتع، على كل المستويات، وفي كل المراحل. وإن نتائج سوء الخلق والغلظة في التعامل، هي ما أدت إلى سوء الأوضاع في ليبيا للأسف. فقد قل احترام الآخر، واحترام القانون، والخوف من الله سبحانه وتعالى، إلا من رحم ربي. لابد من تظافر الجهود للخروج من هذا المأزق الذي نحن فيه، في ليبيا، وفي كثير من دول تدعي الاسلام. ولا حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم.
مواطن من ليبيا | 03/08/2016 على الساعة 15:45
فرق معاملة
أتذكر منذ 3 أعوام دخلت محلاً للملابس الرجالية بمحلات الأخضر بالبيضاء و بدأت أحاول البدء في عملية الإختيار بشكل لائق وفقاً للأذواق التي تختلف من شخص لآخر ، فإذا بالبائع يتجهم و يعربد و يزبد بشكل فض يعترض علي ذلك و طلب عدم تحريك أو مس أي شيء والإكتفاء بالسؤال فقط أو الخروج . و رغم أن الأذواق لا تستطيع وصفها بسهولة فإنك إذا سألته عما ترغب في شراؤه عادة ما تكون الإجابة مقتضبة بالنفي حتى لا يتجشم عناء البحث عن حاجتك . لقد خرجت من ذلك المحل و لم أرتاده منذ ذلك اليوم . في الوقت نفسه في أغلب محلات أوروبا عند دخولك للمحل يسأل العامل إذا كنت بحاجة لأية مساعدة و إذا كنت لست جاهزاً للشراء أو تخطط له تستطيع إجابته Thanks , I'm just looking ، عارف لو تقول هذه الجملة للتاجر إياه في سوق الأخضر بالبيضاء موش غريبة تسوط . فعلا فرق تدريب و ثقافة و سمو أخلاقي .
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع