مقالات

محمد خليفه جميل

المشهد الليبي و"اللامعقول"

أرشيف الكاتب
2016/08/03 على الساعة 02:05

"ما من زوفرية لابسين كساوي" والمعنى، كم من سفيه يرتدي أفخر الثياب. قالها الشيخ أحمد الزقوزي، رحمه الله، وكان من الرعيل الأول من المدرسين الليبين، عقب الحرب العالمية الثانية وقبيل الإستقلال،  كان صاحب بديهة حاضرة، وقدرة على التصوير الساخر في النقد الإجتماعي ظاهرة.

كان ذلك عندما أوحي إليه مشهد مر به وهو يشتري عدداً من لفافات السجائر، تلميحاً لضآلة مرتب المدرس، ولتباين المستويات وقتها. رغم أنه أشترى أرخصها ثمناً وأقلها جودة، قام البائع ، إكراما للشيخ ، بوضعها في علبة فارغة لنوع من أجود الأنواع وأغلاها. عندها أبدى الشيخ استغرابه للمفارقة ، وسارعت بديهته الحاضرة دوما بالتعقيب: "ما من زوفرية لابسين كساوي”. كان ذلك عقب الحرب العالمية الثانية التي أفرزت، كما هو شأن كل الحروب، أثرياء حرب: جيوب ممتلئة، ورؤس فارغة.

"شر البلية ما يضحك": كان المشهد الليبي عقب تلك الحرب وكأنه كائن حي بما تفجر فيه من إقبال المواطنين على إكتساب المعارف والمهارات من أجل تطوير القدرات وتوسيع المدارك. وكان لابد لذلك من تأثير جيد على النشاط الإجتماعي والإقتصادي للمجتمع الليبي، الذي تمكن بما يشبه المعجزة من تكوين دولة حديثة في أقل من عقدين من الزمان، كانت مثار إعجاب العالم كله.

هنالك من شاء لتلك الدولة الحديثة أن تنتكس فتصاب بهجمة شرسة من “اللامعقول"، تستوطن البلاد وتعيث فيها الفساد، طوال أربعة عقود تم خلالها هدم كل بناء سليم للإنسان وإستبداله بهياكل هشة كثر فيها "السفهاء المرتدين لأفخر الثياب، والراكبين لأغلى أنواع السيارات والساكنين بأجمل القصور". وتعرض المشهد الليبي لجهود حثيثةٍ لإجتثات "المعقول" وإحلال "اللامعقول" محله. وكان تبوءُ القائد، المفكرالتفكيروالتخطيط نيابة عن المواطنين، فضل كبير في ضمان النتائج؛ حتى صار مشهداً غريباً متناقضاً ظاهره يلعن باطنه.

في تلك الآونه زار ليبيا مواطن تونسي؛ عاش بين الليبين ووقف على أساليب الحياة، فكر وتدبر واحتار؛ إلى أن أهتدى إلى عبارة بليغة موجزة ، فقال قولته المشهورة: "تحب تفهم تدوخ". لم يستعمل كلمة "اللامعقول" ولكنه عبر عنها أدق تعبير. وإن المشهد لكذلك؛ مواطنون يسعون في مظاهر حضارة لا وجود لها، وإنشاءات ومؤسسات سياسية وإقتصادية لا مثيل لها لأنها تهدف إلى (لا شيء) ترى ذلك ظاهراً للعيان ولكنك إذا سبرت غورها وحاولت أن تفهم كنهها، لماذا وكيف وإلى أين؟ أصابك الغثيان والدوار.

واليوم.. بعد أن ضحى الليبيون من أجل الخروج من معاناة اللامعقول، يتسلط عليهم أصحاب الرؤوس المريضة الفارغة بنمط جديد منه: فبينما كان الأول من تصميم وتنفيذ فردٍ واحد أصبح هو نفسه من تصميم وتنفيذ" لفيف من المفكرين نيابة عن المواطنين"!! أفراد مكتفين ذاتياً بفكر سبق أن لُقنوه ، يعيشون في أوهام خلقوها لأنفسهم، عاجزة بهم حتى عن مجرد السؤال كيف ولماذا وإلى أين؟ فما بالك بالبحث عن الأجوبة.

وهكذا نحن اليوم، تقاد بلادنا في المتاهات "بواسطة "زوفرية لابسين كساوي" يربكون المشهد ليصبح مصدر حيرة لمن يحاول أن يتفهم. صدق الشيخ أحمد وصدق الزائر التونسي.

محمد خليفه جميل

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
بسم | 04/08/2016 على الساعة 13:49
محمد جميل ودوره الريادي
من اسعد الاوقات ان يسمع الانسان اصواتا عرفت بالمقدرة والخبرة والسيد محمد جميل غني عن التعريف . عرفته طالبا وموظفا وكان المثل الحي للمواطن المخلص وهو اعرف الناس بالمواطنين وحاجاتهم وكان في رئاسة مجلس الوزراء على علاقات متينة بزملائه والمسئولين والمواطنين في كل ارجاء ليبيا . شرفني بارسال نسخة لي من كتابه (ليبيا، لولا الاساس ما أكتمل البناء ، واحداث وشخصيات واشخاص ) الذي يتعرض بتحليل منطقي سليم الى حالة البلاد والمواطنين وحالة الفقر منذ قيام الحرب العالمية الثانية واثناء دراسته الابتدائية والثانوية والجامعية وعمله الوظيفي وحالة البلاد السياسية في كل العهود . واورد اسماء شخصيات كثيربة وخاصة من غريان وجنزور عرفناها بعد ذلك في مناصب المسئولية . وذكرنا في مقاله المنشور اعلاه بالمثل (زوفرية لابسين كساوي ) والمثل التونسي (في ليبيا تبي تفهم ادوخ ) وهو وصف دقيق لحالة بلادنا اليوم ومستوى مسئوليها . وكنت انوي التعليق على كتابه بشئ من التفصيل ولا زلت امل ان اقوم بذلك ولكن وهن الجسم وضعف الذاكرة والثمانين احوجت نفسي الى ترجمان .
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع