مقالات

د. فتحي الفاضلي

جذور الصراع في ليبيا (15)

أرشيف الكاتب
2016/08/01 على الساعة 18:45

كتاب جذور الصراع في ليبيا - لفتحي الفاضلي
(15) النظام يعلن الحرب على الاسلام

دار الصراع في ليبيا بين السلطة والإسلاميين في بداية الانقلاب حول التفاضل بين الفكرة القومية والفكرة الإسلامية. ثم تطور في أواخر السبعينات إلى معركة للدفاع عن السنة النبوية والأحاديث الشريفة، وأخيرا اتسع نطاق الصراع، فأصبح في أواخر الثمانينات حربا من أجل إحلال الإسلام بديلا عن النظام القائم. وقد تمثل الصراع الأخير في الحرب الشعواء التي تشنها السلطة على الحركات والجماعات الإسلامية.
ولقد حارب النظام الإسلام على ثلاثة مراتب، أولها الحرب الإعلامية، وثانيها إصدار قرارات فعلية، وثالثها ممارسة العنف ضد الإسلاميين. وسنتحدث فيما يلي عن كل مرتبة منها بالتفصيل.
تميزت المرحلة الأولى بالهجوم الإعلامي علي السنة النبوية الشريفة عبر الكتب والمجلات والصحف والمنشورات، وعبر الإعلام المسموع والمرئي، وعن طريق الخطب والندوات والمحاضرات في الجامعات والمدارس والمخيمات ومختلف أماكن التجمعات. وبدأت هذه المرتبة ببعض العبارات التي كانت تطلق ضد السنة النبوية بين فترة وأخرى، حيث تترك السلطة بينهما فرصة لجس نبض الناس وقياس ردود أفعالهم تجاه تلك العبارات. ثم وضحت معالم هذه الحملة الإعلامية حين تركزت حول التشكيك في الأحاديث الشريفة، رواتها ونصوصها ومصادرها. حيث أرادت السلطة إقناع الناس بأن مجرد وجود أحاديث صحيحة وأخرى ضعيفة وغيرها موضوعة يتوجب طرح جميع الأحاديث جانبا، والامتناع عن التعامل بها وعن اعتبارها مصدرا من مصادر التشريع، لصعوبة التمييز بينهما أو معرفة صحيحها من ضعيفها.
وأراد النظام أن يصبغ آراءه هذه بصبغة شرعية، فاستضاف مجموعة من مقرئي القرآن أو الحفاظ (في يوليو 1978م) فتح معهم العقيد حوارا على الهواء حول السنة بصفة عامة وحول الأحاديث الشريفة بصفة خاصة. وكان هذا اللقاء أقرب إلى المهرجان الإعلامي منه إلى الحوارالعلمي. حاول فيه العقيد معمر القذافي أن يحقق انتصارا علميا على محاورية حتى تُصبغ قراراته ونظرياته وتفسيراته فيما بعد بصبغة شرعية.
وبالرغم من أن الشيوخ نصحوه أن يستضيف بدلا منهم حملة الحديث، إلا أن الحوار أخذ مجراه كما أراد له منظموه. وصرح العقيد معمر القذافي في هذا اللقاء بصورة مكشوفة ودون لبس أو غموض عن آرائه بالنسبة للسنة الشريفة وأمام كافة الشعب الليبي بل أمام الأمة الإسلامية قائلاك "إنني لا أعرف أن فيه كتاب دين إلا القرآن ... والقرآن نقول لكم عليه أذا تصفحناه ...  لا نجده يتحدث عن المشاكل التي نحن نحكم بها المجتمع... نحن كبشر نحكم أنفسنا... القرآن لم يتحدث عن هذه القضايا كلها 1". واستطرد قائلا: "إن الله كان يقول للرسول استمسك بالقرآن فقط ولا تأتي معه بحديث"!! وقال أيضا: "إن الشريعة الإسلامية مذهب فقهي وضعي مثله كمثل القانون الروماني، وقانون نابليون وغيره من القوانين الوضعية"، ولقد أعاد هذه التصريحات نفسها بعد ثلاث عشرة سنة من تصريحه ذلك.
وفي هذا اللقاء استند العقيد معمر القذافي في إثبات تناقض الأحاديث، وبالتالي عدم صحتها وعدم جواز اعتبارها مصدرا للتشريع، على التناقض الظاهري بين بعض الأحاديث، فتسائل قائلا: كيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "خذوا نصف دينكم من فم عائشة" ثم يقول "إن عائشة ناقصة عقل ودين" فكيف نأخذ نصف ديننا ممن يفترض فيها النقصان في عقلها ودينها. وعلى نفس المنوال أبرز العقيد معمر التناقض الظاهري بين ما جاء في الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" مع أن على رضي الله عنه مبشرا بالجنة وقد قاتل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. فكيف يمكن التوفيق بين دخول علي رضي الله عنه الجنة وبين الحديث الذي جاء في فقرة منه "إن القاتل والمقتول في النار".
ومن المعلوم ان مقولة "عائشه ناقصه عقل ودين" ليست بحديث اصلا ولم ترد فى اى مكان كحديث شريف واما مقولة "خذوا نصف دينكم من فم عائشه" فهو ليس بحديث ايضا، وانما ورد النص الصحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم "خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء". واما حديث إلتقاء المسلمان بسيفيهما فالالفاظ فيه عامة خصصتها آيات واحاديث أخرى مثل قوله تعالى "وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفيء الى امر الله - الحجرات 9"، ومثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم "من قُتل دون دمه فهو شهيد ومن قُتل دون ماله فهو شهيد ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد" وحديث "من جاءكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد ان يفرق جماعتكم فأشدخوا رأسه بالسيف، كأن من كان"، فهذه الآيات والاحاديث خصصت مواقف يتقاتل فيها المسلمون، ولا يذهب القاتل والمقتول منهما فى النار، حيث لا يوجد فيها حرص من المسلم على قتل أخيه المسلم. ولذلك نصح الشيوخ الحفاظ والمقرؤون العقيد معمر القذافى ان يستضيف علماء الحديث بدلا منهم حتى يبينوا له هذه المعانى لأن للحديث علومه ومصطلحاته وعلماؤه وقوانينه وشروطه وخواصه كغيره من العلوم.
وعلى أى حال حتى لو ثبت فعلا ان هناك مشكله فى فهم بعض الأحاديث التى اختلف العلماء فى شرحها وفهمها أو غابت عنهم معانيها أو صعب عليهم تفسيرها أو شكوا في رواتها أو اختلفوا في الجمع بينها فإن هذا لا يعتبر مبررا على الإطلاق لأن يلغى العمل بآلاف الأحاديث الشريفة التي لم يختلف العلماء فيها، بل إن الأمة متفقة عليها وعلى معانيها، والعمل بها منذ أربعة عشر قرنا، راضية بذلك دون قهر أو استبداد أو تسلط.
وكانت تصريحات العقيد معمر القذافي قبل هذا اللقاء المذكور مغلفة إلى حد ما بالحرص والحذر. أما بعد هذا اللقاء فقد اتضح للناس أن النظام لا يهمه في حقيقة الأمر أن تكون الأحاديث صحيحة أو غير صحيحة. وأدركوا أنه ينوي إقصاء الدين عن واقع الدولة أو فصل الدين عن السياسة وحصره في بعض العبادات والمعاملات اليومية البسيطة.
ودعما للسلطة ومساندة لها في أهدافها الرامية إلى فصل الدين عن الدولة، انطلقت حملات إعلامية شاركت فيها أقلام شتى عبر مختلف الصحف والمجلات التي يصدرها ويشرف عليها النظام. وجاءت هذه الحملات إما عبر قصائد أرادت النيل من قدسية القرآن أو عبر مقالات طعنت في كل ما يمت إلي الإسلام أو الإسلاميين بصلة. نذكر من ذلك على سبيل المثال مقاطع مختارة من بعض هذه القصائد يقول فيها أصحابها:

وآي القرآن تجزيه الأرق..
اقرأ باسم ربك الذي خلق..
حوكم وما نطق..
وذاكرتي تختزن..
"كلوا من طيبات ما رزقناكم"..
وتهتز نقطتي الجوفاء..
"لا يسمن ولا يغني من جوع"..
رجاء وعشرين رجاء..
أنادي يغالبني النداء..
داوني بالتي كانت هي الداء.. 2

وتشويها لإحدى الآيات الكريمة من سورة الأنفال والتي يقول فيها سبحانه وتعالى: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" 3، نجد قصيدة في صحيفة الزحف الأخضر 4، تقول:

وما رميت إذ رميت ولكن الحب رمى..
وما رميت إذ رميت ولكن الجوع رمى..
و ما إذ رميت ولكن السجن رمى..

واستخفافا بسورة "عبس" التي يقول فيها تعالى "عبس وتولى"، وبسورة "الطور" التي يقول فيها تعالى "والطور وكتاب مسطور"، تقول قصيدة أخرى في صحيفة الجماهيرية:

عبس الجزال وتولى..
فهيا.. قفا نشتغل بالوطن المحجور..
والحب المحظور..
والخبز المطمور.. 5

وقصيدة أخرى جاء في أحد مقاطعها: "إن هذا الوطن ربه عاجز" 6. ويقول آخر موظفا لترهاته الآيات الكريمة من سورة "القلم" والتي يقول فيها سبحانه وتعالى "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق" يقول:

أبطاله من ورق اقرأ باسم ربك الذي خلق..
خلق الإنسان من علق..
خلق وما نطق..
وطن يعتقد أن الإنسان مخلوق من ورق.. 7

واستهزاء بسورة "التين" التي يقول فيها تعالى "والتين والزيتون وطور سينين"، تبرز قصيدة أخرى تقول:

ترحالي بسفيني..
لنهايات ابتداء..
تيني وزيتوني..  
وطور سينين..
غباء...خواء...عماء.. 8

وقصيدة أخرى تقول تحريفا واستخفافا بالآية الكريمة من سورة "التكوير" والتي يقول فيها تعالى "والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس"، وهذا القسم لا يجوز إلا الله أن يقسم به، تقول هذه القصيدة:

والليل إذا عسعس والنهار إذا تنفس...
ولملم الصباح ثوبه الأبيض عن المدينة...
وأقبل المساء...
وبدأت شهر زاد الكلام...9

ونختم هذه الأمثلة، بهذا المثل من قصيدة استعمل صاحبها مقصود الآية الكريمة من سورة الأنفال والتي يقول فيها تعالى في كتابه الكريم "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" ليقصد بها معنى غير ما ورد في الآية، تقول تلك القصيدة:

ويستنفر البوليس ما لديه من قوة ومن رباط خيل..
وهروات لدفع الناس نحو إعلان السرور.. 10

قصائد أخرى كثيرة استعمل أصحابها آيات القرآن الكريم على نفس المنوال السابق والرامي إلى التقليل من قدسية القرآن الكريم وآياته، ومواضع استعماله، ومعانيه، وليصبح كغيره من أحاديث الناس وكلامهم.

كما ترمي إلى إستعمال الآيات لغير المعاني التي جاء فيها، فتستعمل للسخرية والاستهزاء، أو لضرب الأمثلة، أو للجدل العقيم غير الجاد، أو للمرح والهزل، أو غيرها من ألأغراض التي يمكن تحقيقها بألفاظ وتراكيب لغوية غير آيات القرآن.
ونشرت بجانب ذلك مئات المقالات أراد أصحابها تطويع نصوص القرآن والأحاديث لتناسب رغبات السلطة ولتقدم الأحاديث بصورة مليئة بالتناقض والغباء والرجعية وغيرها من أمثال هذه الصفات.

وإلى اللقاء.. مع الحلقة الخامسة عشر.. باذن الله.. ومواصلة الحديث.. عن الحرب الاعلامية القذرة.. التي أعلنها النظام.. على الاسلام.. وجولة اخرى.. من جولات الصراع في ليبيا.
د. فتحي الفاضلي
فبراير- 1992م.
* راجع الحلقات السابقة بـ (أرشيف الكاتب)
* لقد اصدرت الكتاب في فبراير 1992م في ولاية ميزوري، واستطاع بعض الاصدقاء تهريب نسخ منه الى ليبيا، تم تداولها سرا، وعلى رقعة واسعة في ذلك الوقت. وسأنشر الكتاب كما هو. والله ولي  التوفيق.
المراجع:
(1) مجلة الفاتح، العدد (16) 1صفر 1391هـ الموافق 19/11/1982م.
(2) الثقافة العربية، مايو 1980م.
(3) سورة ألأنفال، آية17.
(4) صحيفة الزحف الأخضر، 13 أغسطس 1982م.
(5) صحيفة الجماهيرية، يوليو 1983م.
(6) صحيفة الجماهيرية.
(7) صحيفة الزحف الأخضر.
(8) مجلة الثقافة العربية، مايو 1980م.
(9) صحيفة الزحف الأخضر، 21مايو 1984م.
(10) صحيفة الزحف الأخضر.

إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع