مقالات

د. خالد المبروك الناجح

اقتصاد (النَّهش) وسَحق المواطن

أرشيف الكاتب
2016/08/01 على الساعة 18:46

اعتادت الدُّول النامية والمتخلِّفة أن تمرّ بحروب أهليّة تقضي على عددٍ كبير من أبنائها وتأتي على جزء كبيرٍ من ثرواتها يستنزفها ويستفيد منها ثُلّة من المجرمين المُتنَفّذين يُطلق عليهم تُجّار الحروب، لكنّ ذلك لا يستمر في العادة لفترات طويلة إذ غالبًا ما تنتهي الفوضى في مُددٍ محدودة، وقد مرَّت ليبيا بهذه التجربة التي تختلف عن نظيراتها في طول أمدها وتطوّر آليّاتها بعد انتهاء انتفاضة  2011، أمّا أثناء الانتفاضة فقد كانت نموذجًا مكرّرًا لما يحدث في الحروب من مضاربة واحتكار واستغلال لاحتياجات الناس من الغذاء والوقود واللوازم المعيشية المختلفة،أمّا بعد القضاء على نظام القذافي فهناك تفاصيل أخرى  منها:

1) سادت الفوضى وابتُدِعت مصطلحات جديدة مثل "الغنائم" و"التمشيط" تَمَّ فيها سلب الممتلكات الخاصّة من أموال سائلة ومعادن ثمينة وغيرها إلى سلب الممتلكات العامّة التي لم تستَثنِ ترسانة السلاح والآليات وعقارات المحسوبين على النظام السابق ومعظم ممتلكات الدولة ولم يسلم من ذلك أرشيف مؤسساتنا الأمنية الذي يبدو أنه هو الآخر بيعَ لدُولٍ أجنبية والأرشيف الإعلامي الذي سُرِق وخُرِّب حتى يمحو أغنياء الحرب تاريخهم بعدما غيَّروا جلودهم.
2) عمّت فترة من الرخاء النسبي دام لمدّة عام ونصف تقريبًا كان سببه توفّر غطاء من النقد الأجنبي ناتج من معاودة تصدير النفط ومدّخرات النظام السابق أُهدِرت فيها ميزانيات ضخمة دون جدوى أو أثر ملموس، تبعتها فِرية (عدادات النفط)؟! التي فوّتت علينا تصديره في فترة فَورة الأسعار من أجل مساومات صريحة لبارونات الحرب.
3) عمَّ الفساد القطاع المصرفي وتمّ استغلال التحويلات وشراء العملات الأجنبية بالسعر الرسمي لفئة محدّدة أدّى لتحوّل عدد لا بأس به من المسؤولين بالمصارف والمتنفذين إلى أثرياء باستغلال المنصب وقد طالت الاستفادة بعض الميليشيات المسلّحة وحُرِم من ذلك السواد الأعظم من الشعب.
4) فَتح الاعتمادات لمتنفّذين وشركات بالسعر الرسمي دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على الأسعار بالسوق فكانت النتيجة مضاعفة أرباحهم بنفس النسبة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، ولا ننسى أنّ هناك من اختَصَر الطريق ولم يستورد بضاعة أصلًا بل حاويات فارغة أو مملوءة بالرمل، ولنَعذُره فبيع العملة أسهل وأخفّ له ما دامت النتائج لا تختلف كثيرًا!.
5) الإبقاء على دعم المحروقات التي يُستنزِف المُهرَّب منها ما قيمته أربعة مليارات من أموال الخزينة العامة ليُثري منها من وسّعَ  التهريب البرّي ليشمل كذلك التهريب بالناقلات البحرية على مرأى ومسمع من ما يُسمّى دولة وبمباركتها عمليًّا، وإلغاء دعم السلع التموينية دون صرف مقابله الموعود نقدًا مِمّا تسبّب في دخول بعض العائلات مرحلة الفاقة (هي الأخرى كانت تُهرَّب بدرجةٍ أقل لكن بغضّ النظر عن المبدأ كان تهريبها وفارق سعرها يعمّ بفائدة نقديّة على كلّ المواطنين بعد استيفاء حاجاتهم).
6) وضع يد البعض على أراضٍ تملكها الدولة وتجريفها وبيعها كقطع للبناء بآليّة يصعب معها بل يستحيل إرجاعها لسابق عهدها.
7) الامتناع عن سداد الرسوم السيادية واستفادة جهات محلية منها واختفاء مفهوم الدولة والشعور بالمواطنة فكلّ منطقة توجد بها مؤسسة تعتبرها  ملكًا خاصًّا لها.
8) كان هناك توجّهًا عامًّا تفرضه الظروف الحاليّة بأن نخطِّط لمرحلة من التقشّف تقتضي تخفيض المرتّبات فما كان من ديوان المحاسبة إلّا أن وضع جدولًا ضاعف فيه مرتّبات موظّفيه بصورة صارخة وخفّض مرتّبات ما عداه إلّا الرئيس والوزراء والقضاة والنوّاب فهؤلاء يلزم ترضيتهم لتمرير أيّ تخفيض.
9) القاعدة تقول لا اقتصاد بدون مصارف ولا مصارف بدون فائدة، فأصرّ البعض (رغم اختلاف الفقهاء) على أنّ الفائدة المصرفيّة رِبا فنتج عن ذلك تلاعب بالألفاظ وضحك صريح على الذقون فابتدعوا المرابحة لندفع الفائدة مضاعفة بإسم البَيع وليَتِمّ المبالغة في الرسوم المصرفيّة حتّى صرنا ندفع مثلًا 15 دينارًا رسم إصدار دفتر صكوك بدل دينار واحد وما يربو عن ذلك حين استخراج كشف حساب وغير ذلك من المعاملات، فأيّ سُخرية مريرة تِلك؟!.
10) السطو المسلّح والحِرابة والخطف للمساومة على دفع "دِيّةٍ" خياليّة يتمّ التفاوض على تخفيضها حينًا أو قتل الرهينة حينًا آخَر لإرهاب ضحايا العمليّات التي تليها.
11) حتّى مَن انتخبناهم واعتقدنا بأنّهم نُخبتنا في المؤتمر الوطني العام كان أوّل همّهم هو مناقشة مرتّباتهم الخيالية والميزات التي تُمنح لهم ويُبرّرون ذلك بمقارنتها بما يقبضه عضو البرلمان في الدّول الغربيّة مُتجاهلين عن عمد النظر بالمقابل إلى متوسّط الدخل في تلك الدّول، وتشبّتوا بمناصبهم بعد انتهاء مدّتهم القانونية فكان حراك (لا للتمديد) الذي ويا لسُخرية الأقداركانت إحدى المشاركات به تُلوِّح بمقشّة في أشارة لوجوب كنسهم! وحين أُنتُخِبَت كعضو بالبرلمان كانت تُبرِّر بقائها كما غيرها بعد انقضاء المدذة القانونية بعدم ترك البلاد في فراغ دستوري ؟! بينما أنكرت سابقًا نفس هذا (المُبَرِّر) على غيرها وحَريّ بالذِّكر أنّ مرتبات أعضاء البرلمان زادت عن سابقيهم بالمؤتمر 150% وبرَّر رئيسهم ذلك بأنّ تلك الزيادة واجبة بل قليلة "حتى لا يرتشي عضو البرلمان"!!.

لا ننسى أيضًا أعضاء هيئة صياغة الدستور الذين بدأوا بمثاليّة مفرطة حين صرّحوا بأنّهم سوف لن يتقاضوا إلّا مرتّباتهم الأصليّة العاديّة ومبلغ رمزي (دينار واحد) شهريًّا مقابل العمل بلجنة الدستور بعد تفرّغهم للعمل بها، والكلّ يعلم كيف حطّموا الرقم القياسي الذي سجّله مجلس النوّاب.
ماذا كانت النتيجة؟!: المؤتمر الوطني باقٍ بمُسمّى آخَر والبرلمان باقٍ هو الآخر (حتى لا يتركوا فراغًا دستوريًّا!) وجُلّ الأعضاء في سياحة لا يبدو أنّ لها نهاية وكان آخِر اجتماع لهم هو اجتماع التمديد الذي هو الآخَر (التمديد) انتهى عمليًّا لكنّه باقٍ عمليًّا إلى أجَلٍ غير مُسمّى  ولجنة الدستور بين شدٍّ وجذبٍ ونصاب باقية هي الأُخرى ما دامت الميزات، وعلى رأي أحد أعضاء المؤتمر الوطني العام أو المجلس الأعلى للدولة أو سَمِّه ما شِئت: "تعالوا اخدموا خدمتنا وخوذوا المرتبات هذي"!!، لا بصراحة عملك هذا لا يستطيع القيام به إلّا أمثالك وإن لم تستَح فاصنع ما شئت.                                      

السُّرّاق في نظام القذافي كانوا يسرقون باستحياء ليس تعَفُّفًا منهم لكن لعلمهم بأنّ مَن كان حريصًا على أن تكون ذممهم فاسدة يُراقبهم، أمّا الآن فالسرقة على رأي أخوتنا السودانيين "على عينك يا تاجر"!.
أ. د. خالد المبروك الناجح

خالد المبروك الناجح | 03/08/2016 على الساعة 01:00
أصبتَ أستاذ محمد بن زكري
كما عهدناك دومًا في دقة التشخيص،عنوان تعليقك وحده والذي كان مقالة مختزلة في كلمات معدودة لخّص حالنا : لا جدوى فالقطيع انقاد للذئاب.
محمد بن زكري | 02/08/2016 على الساعة 09:34
لا جدوى ، فالقطيع انقاد للذئاب
و عينت لنا أميركا ، عبر وكالة استخباراتها المركزية (يستخفون بنا فيسمونها : المجتمع الدولي) مجلسا رئاسيا لا يختلف في شيء عن حكومة فيشي ، انتقت أعضاءه من فئتين - منزوعتيْ الوطنية - ترتبطان براغماتيا و أيديولوجيا بالنظام الراسمالي العالمي : فئة التجار و المستثمرين العقاريين و الوكلاء التجاريين و سماسرة المشروعات العامة ، و فئة الإسلاميين المتكالبين على السلطة و المبرمَجين في مختبراتها لبحوث علوم الاجتماع ؛ لتدخل بذلك بلادنا مرحلة من الاستعمار الجديد الأشد فتكا بالثروات الوطنية ، و الأشد إمعانا في سياسات الإفقار ، التي تستهدف مقدرات الوطن ، و الموجهة لاستنزاف مدخرات و مداخيل الطبقة الوسطي . و مع كل الكوارث التي عاشها هذا الشعب خلال الخمس سنوات السوداء الفائتة ، و مع كل المؤشرات السالبة لصفقة الصخيرات (غير المتكافئة و التفريطية) ، لا زال ثمة من يتوهمون (الخير جاي) .
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع