مقالات

حسين التربي

آهٍ يا جبران!

أرشيف الكاتب
2016/07/31 على الساعة 13:11

يقول الغائب الحاضر جبران خليل جبران (أنت انسان.. وجدت كي تعيش الحياة.. وليس كي تعيش نصف حياة)...
بين التطرف والجهل والعناد والغطرسة والمصالح الشخصية ومبادئ ثورات الأحلام المؤجلة والخطاب الديني الذي يحض على الكراهية، وبين ما يتم تدريسه في مدارس وجامعات الخيال الجامح وترهات ثوار وشيوخ احتكار الدين والسلطة والثروة والسلاح وما يعد به اولئك من خير وعدل قادم، هناك تناقض عجيب يسود عالمنا الكئيب. تتساقط الجموع بين مطرقة الصراع الجهوي وأحلام الامجاد الشخصية وسندان الخلافات الدينية-المذهبية، وتباع بقايا آدميتنا وبقايا الوطن فوق أرصفة أسواق النخاسة مثلما تُباع الفتاوي والوطنية، وتتحول حياتنا ليس فقط الى نصف حياة بل الى نصف حياة ومزرية ايظاً!

ففي هذا الركن المظلم والقاسي من العالم تجد شخصاً نادراً ما يعمل بجد لأكثر من يوم في الاسبوع لكنه يطالب بكامل مرتب الشهر ويأكل المال الحرام ولا ينسى البسملة. تجده يقبل الرشوة ويلعن المدرّس الذي يطالبه برشوة لانجاح ابنه في الامتحان. وهذه تخاف على اطفالها وتحسد أطفال الآخرين على "سمنتهم" وتتمنى أن "يقصف الله عمرهم". تجدها تنتقد التبذير في افراح الآخرين، وفي فرح ابنتها او ابنها تنسف ميزانية العائلة. هي ربما خريجة جامعية لكن المطاف ينتهي بها الى ركن "العورة ناقصة العقل" امام عدة الطبخ والنفخ في غرفة مغلقة ولن ترث من مال أبيها الا ما سيسمح به أخيها.
وهناك الخريّج الجامعي الذي يوظف ما تعلّمه فقط في الحصول على مرتب ولم يقرأ كتاباً واحداً بعد التخرج، وفي حالات "متلازمة الفزعة اللاارادية" ستسمع هذا "الأكاديمي" يردد ما يردده طلبة محو الامية من شعارات قبلية وجهوية متكلسة تدعو الى "انصر أخاك ظالماً او مظلوماً"! قد تراه يصرخ في وجه المرأة التي يقول انها "نصف المجتمع" او في وجه خادمة فلبينية او صعيدية تعيسة سائلاً اياها عن الغذاء وملابسه الداخلية والدواء لبواسيره وهو يشعر بزهو الطاووس الغبي المصاب بعمى الألوان. يشعر بالغضب وبالاهانة ويلجأ للعنف اذا ما تجرّأ احدهم وسرق النظر لتضاريس جسد ابنته او اخته او زوجته، لكنه يفعل نفس الشئ وفي تلذذ بأجساد بنات وزوجات وامهات الآخرين وينسى أن عادات موروثه الثقافي تنهاه عن ذلك، ويتذكر أن نفس العادات تطالبه بأن  يستغفر الله اِن فعل ذلك! يتوكل على الله يومياً وتلقائياً في كل ما يقوم به لدرجه انه نسى منذ زمن بعيد معنى التوكل ولماذا يتوكل. حلم بالقضاء على الدكتاتور لكنه اليوم يرقص ويطبل ويهتف ويكبّر لألف دكتاتور جديد تتفوق بشاعة افعالهم على من سبقهم. يبارك كل شئ حتى سرقة سيارة وبيت جاره فيصبح الاختطاف والقتل وسرقة أموال البسطاء عند البعض انتصاراً وطنياً وعملاً بطولياً يستحق الثناء، ويصر على المطالبة بضرورة أن يكون رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ومدير بيت المال وأغلبية الوزراء من مدينته المنتصرة او من قبيلته المجاهدة. هذا يتوضأ في مرحاض الجامع بماء لا يفكر أبداً في دفع ثمنه، وذاك يصلي خاشعاً لله لكنه يؤيد المتنكر في جلباب الدين ابو عمامة بيضاء وقلب اسود الداعي لقتل الاخوة ويكبّر لأفعال الميليشيات التي تقتل وتختطف على الهوية وتسعى لتقسيم الوطن، وسيكره وجودك اِن قلت له أن معركة "الناقة" لاتزال مشتعلة. يحب حفظ الاقوال المأثورة والحِكم والشعارات وادمن ترديد "النظافة من الايمان" لكنه لا يتردد في رمي قاذوراته امام بيت الجيران. يحلم بتحرير فلسطين ولا يخطر على باله أبداً تحرير المعتقلين في السجون السرية التي فتحها ثوار الزمن الشاذ في بلده... ولا يخطر على باله أبداً تحريرعقله من احلام اليقظة وقيود امجاد ماضٍ مزيف بُني على اختلافات المذاهب وركائز ما يُسمى بالاجتهادات. عنصري حتى النخاع ويكره اسود البشرة والبنغلاديشي ومن يتوضأ او يصلي بشكل مختلف حتى واِن لم يقتل نملة واحدة. يؤمن بالرسالات السماوية لكنه يرى أن اتباع الرسالة الاخرى هم كفار يحق غزوهم وسبي نسائهم وقتل قساوستهم داخل الكنيسة ولا يحق لهم دخول الجنة حتى واِن اخترعوا التقنية والملبس والأكل وقدموا العلاج لشيوخ بحّت اصواتهم في لعن الكفار. لا يريد تعلّم معنى التحاور وله كيس عتيق لا يفارقه ابداً يعج بما يقول انه "الصحيح الذي لا يقبل التصحيح"، ولأنه يعشق العزف السادي على وتر الدين الحسّاس في مجتمع تم تديين كل شئ فيه بما في ذلك السياسة ومصافحة النساء وشرب بول البعير، فاِن أقرب تهمة لأفق فكره الضيق ويتقن توجيهها لحامل الرأي المختلف هي تهمة الكفر وازدراء الأديان والعلمانية او الخروج عن اجماع الامة ولن تعرف أبداً هل يقصد الامة السنية ام الشيعية. يردد ان الاسلام هو دين المحبة والتآخي والسلام لكنه يتفادي التحدث عن غياب المحبة والسلام بين السني والشيعي وبين أبناء البلد الواحد منذ كوارث الصراع على سدة الخلافة بسبب المطامع الدنيوية والشخصية والقبلية، تلك الكوارث التي لايزال العرب والمسلمين حتى هذا اليوم يعانون من تراكماتها وتبعياتها. يشكو من الارهاب وتردي الاوضاع لكنه يرفض الانطلاق الى الامام ولا ينتقد مناهج مدارس العمامة لتفريخ الارهاب بسبب الخوف وعقدة "العيب" والاتكالية وتكتيك ثقافة "طناش" النعام الفاشل الذي بيضته أكبر من دماغه. يمنع النساء من التعلم وقيادة السيارة لكنه قد يثني على من يقود سيارة مفخخة تحصد الجموع البريئة وهو يحلم بمداعبات حوريات الجنة لعضوه التناسلي. ومع حلول العيد سيتمنى لاصدقائه ولجيرانه وكل من سيقابلهم (عيد سعيد وعمر مديد) وسيوزع طلبات التسامح والمعذرة والاحضان وتقبيل اللحي والرؤوس وحك الانوف ببعضها..ولأن حليمة تعاني من ادمان عادتها القديمة سيرجع بعد العيد ليحيك المكائد للآخرين وليصفق للمتشبهين بالأنبياء ولينتزع اللقمة من بين اصابع اليتيم الجائع والدواء من فم العجوز المريضة وليغتال ما تبقّى من بريق الحياة في عيون الضحية المتوسلة، وليمارس هوايته المفضلة في البحث عن مشاجب الآخرين والمؤامرة الخارجية ليعلق عليها احباطاته واخفاقاته... وهكذا يذهب تعبد وصيام وقيام شهر رمضان جديد الى مجاهل النسيان مثلما حدث مع حوالي 1400 شهر من الصيام. ولأجل الانصاف لابد من القول أنهم ليسوا كلهم على هذه الشاكلة، لكن هناك تناقض غريب يلف حياتهم سببه انهم يعيشون حياة مقسمة بين عالمين:

- عالم الاحلام الخيالي الملئ بالعدل والمساواة والنظافة والنظام والمحبة والتآخي والسلام وكل ما هو جميل و...
- عالم الواقع المزري الذي فرضوه على أنفسهم وأدمنوا طعمه والملئ بالحروب والقتل والاختطاف والفقر والمذلة والكذب والنفاق والانانية والجهوية والتطرف.

نعم هناك عرب ومسلمون طيبون ومجتهدون يمارسون طقوسهم وحياتهم بنيّة صافية ويكنّون الخير للبشرية ولا يحلمون بحكم العالم، لكن أصواتهم خافتة لأنهم يستعملون "كاتم الصوت" عندما يتحدثون في هذه الامور ولا نراهم يخرجون في "مليونية" واحدة تطالب بانهاء هذه المهازل التي تُرتكب تحت راية الدين ورغبات سمو جماعة او قبيلة او مدينة معينة على الآخرين.
لازلت اؤمن بأن أفضل انجاز لما يُسمى بالربيع العربي هو اِظهار المعادن الحقيقية للكثير من شرائح الجموع وفضح تيار الاسلام السياسي على حقيقته، تلك الحقيقة التي ترسخت منذ أيام الصراع الدموي والقبلي على الخلافة الذي حوّل الاسلام من دين الهي الى مجرد ايدلوجية سياسية في أيدي سماسرة هدفهم الاساسي هو الامساك بالسيف وبمفاتيح خزائن بيت المال والجلوس فوق سدة الحكم ولو بُنيت سدة الحكم تلك من جماجم الأبرياء. وللخروج من مأزق العيش نصف حياة في العالم الخيالي البديع ونصف حياة في عالم الواقع المزري لابد من مراجعة وتصحيح وتمحيص الكثير من التفسيرات والمفاهيم وجزئيات الموروث الثقافي التي ربما كانت صالحة مئة سنة مضت لكنها لا تصلح منطقياً لأن يؤخذ بها في عصرنا هذا. أرى أن الخطوة الاولى والصحيحة يجب أن تكون باِتجاه ثورة تصحيح للمسار تبدأ من داخل كل واحد منا.
وآهٍ يا جبران، كم من "العواصف" لم ترى، وكم من "الاجنحة المتكسرة" صار لدينا بعد أن ابتلينا بهذا الكم الهائل والمروّع من أشباه "النبي" الذين يفرضون علينا نصف حياة!
حسين التربي
www.panoramaalwatan.com

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
lمحمد جمعة البلعزي | 31/07/2016 على الساعة 19:35
تشخيص حالة
أشد على يدي كاتب المقالة، فقد شخص بدقة الحالة التي يعاني منها المجتمع الليبي والعربي وكيفية استخدام البعض للإسلام مطية للوصول إلى غاية بطريقة ليست نبيلة ولا تمت بالإسلام بصلة. استمر على هذا النهج!. تحياتي
جمال الدين | 31/07/2016 على الساعة 18:32
تطهير الفكر الديني
قلنا مرارا وتكرارا أن الفكر الديني المطمور في التراث يحتاج إلى فرز حقيقي واعادة تصحيح جذرية. من المؤسف أن الآلاف من علماء الدين لم يكونوا عبر مئات السنين قادرين على مقاربة موضوغ مخجل في صلب التراث الديني، وهو موضوع امتلاك الإيماء وامتلاك العبيد. هل يعقل أن يكون الاسلام بهذه الهالة التي يصنعها عنه تجار الكلام ويسمح بامتلاك الايماء والعبيد.. هذا وغيره الكثير ما يجب تطهيره من الفكر الديني..
ليبي ليبي | 31/07/2016 على الساعة 14:20
ابداع
محق، مبدع ، وصف حقيقي لواقعنا المزري، وهذه وللاسف حقيقتنا.فشكرا لك ايها الكاتب الصدوق
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع