مقالات

سالم الكبتي

اْيام القومية فى ليبيا (5) فى سبيل البعث... اْتحداك باْسمها يا فناء!

أرشيف الكاتب
2016/07/31 على الساعة 13:15

عام 1947. ابريل شهر الاْقاح وشقائق النعمان والسهول عامرة فى الشام الخصيب. كان الفرنسيون منذ عام جلوا عن الديار. وفى 7 ابريل 1947 يتاْسس حزب البعث. ميشيل عفلق وصلاح البيطار ومعهما من بعيد مدحت البيطار الذى ترك لاحقا. العائدان من باريس. الاستاذان فى ثانوية التجهيز بدمشق. تخلى عفلق عن الاْدب وقصائد الغزل التى كان ينشرها فى الصحف اْويرددها فى مقاهى الصالحية. كبر قليلا عن الشعر ومضى مع رفيقه فى سبيل البعث واحياء الامة. ثم لاحقا سيندمج الحزب مع الحزب العربى الاشتراكى الذى اْسسه اكرم الحورانى ابن العائلة الغنية فى حماه ويصبح حزب البعث العربى الاشتراكى. هناك فى سوريا.. فى ديار الشام التى عرض على السيد احمد الشريف اْن يكون ملكا عليها فى العشرينات.. ورفض. وظل فيها مهاجرون من ليبيا: عمر فائق شنيب وبشير السعداوى وبكرى قدورة وخليفة شعبان وعبدالغنى الباجقنى.. وغيرهم فيما سيتلقى بعض اْبنائهم تعليمهم فى تلك الثانوية على يد مجموعة من الاساتذة من بينهم عفلق والبيطار.
سوريا.. الفستق الحلبى وسوق الحميدية وضريح صلاح الدين وذكريات بنى اْميه. مجد العرب القديم. وبردى والعاصى والزبدانى واصداء سيف الدولة والمتنبى. ونزار قبانى الذى بداْ يحبو تلك الاْيام. سوريا ستكون مهدا واْما لاْنتشار البعث الجديد نحو اْمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة!.
بداْ الحزب فى الانطلاق. تحرك قطاره من هناك. الدستور والتعاليم والهدف والمنهج. كلها كانت لاتعدو دروس عفلق والبيطار وكتاباتهما فى الصحف. لم يحصل تطور فكرى اْو ثقافى لاحقا يتعدى تلك الدروس السياسية العفوية لاْولئك الطلبة الذين اْقبلوا بشوق وحماس وعاطفة على الفكرة الجديدة.. الجميلة فى التصور والمتوقع. التى سرقت من الرجل الذى اْسمه زكى الارسوزى القادم من الجنوب.. من اللواء السليب.. الاسكندرون. كان مثاليا يحلم بالاحياء وتؤكد المصادر والوثائق باْنه وضع خطوات البعث خلال فترة الحرب العالمية الثانية.. لكنها سرقت من الاستاذين اللذين تنكرا للرجل الذى قال عن عفلق بمنتهى الصراحة.. خسره الادب واْبتليت به السياسة!
كان الانتشار فى الواقع قبل دمشق تم فى الارياف والمناطق. فى حمص وحلب وحماه ومناطق جبل العرب. ولم يتوسع فى العاصمة الا خلال عامى 1956-1957. وفى العراق المجاور يتكون هناك فى بغداد عام 1949. مجموعة من الطلبة السوريين يتولون ذلك فى مقدمتهم شاعر البعث سليمان العيسى الذى هتف.. (اْمة العرب لن تموت.. واْنى اْتحداك باْسمها يافناء!) اْذكر هذا البيت معلقا على لوحة فنية اْيام الدراسة فى مدرسة الامير فوق حجرة ناظر المدرسة !!.
من ضمن الذين التحقوا بالخلايا هناك كثير من العراقيين (كان الشيوعيون ينشطون اْيضا بقوة) ومجموعة من الطلبة العرب. كان من بينهم التونسى ابوالقاسم كرو.. الاديب المعروف الذى ترك السياسة واْدركته حرفة الادب فاْخلص لها. ثم يمتد الى الاردن المجاورة. الخلايا تتكون فى عمان وفى الضفة الغربية عام 1950. زمن تمدد الاحزاب العربية الجديدة بعد فترات الاستعمار والنضال والحلم باليقظة العربية والاستقلال.
والحقيقة الصاعقة التى جعلت الحزب ينتشر فى حواف الدواخل.. خلقت منه بوضوح عنوانا للطائفية المقيتة دون اْن يشعر القادة. لقد فتكت تلك الطائفية بالحزب.. العلوية والاسماعيلية والدرزية وقليل من السنه ثم كثير من العسكر. وتمذهب واْنقسم على نفسه وصار فى راْى منظريه الذين تركوه عشيرة كبيرة لها اْفخاذ وبطون اْكثر منه حزبا يؤمل منه التطور والنضج الفكريين والسياسيين (مطاع صفدى.. مثال على ذلك) وفى مرحلة اْخرى عندما تتالت الضربات على الحزب بفعل مؤسسيه وتناقضاتهم وصراعات التلاميذ والتهافت الفكرى الساذج صاح اْيضا الاستاذ المؤسس عفلق.. (لا البعث بعث. ولا العسكر عسكر) قالها بمرارة بعد اْن وقعت الفاْس فى الراْس وكان قد قال مثلها من قبله المرشد زعيم الاخوان.. حسن البنا فى اشارة محزنة للتنظيم السرى.. (لاهم اخوان ولا هم مسلمون). نتيجة الاحزاب العربية المؤلمة التى تبداْ من فراغ وتنتهى الى الفراغ نفسه. لم تستطع نقاشات مقاهى ساحة المرجه فى دمشق اْو تلك التى على اْرصفة الروشة فى بيروت من رتق ما انكشف من العوره فى الزمن العربى الذى ظل يسير نحو الكوارث والهزائم رغم حسن النوايا واْغنية.. (البعث قامت ثورته.. والثاْر دارت دورته).. فيما بقيت الرسالة الخالدة معلقة فى الفراغ ايضا. وكان لابد من حدوث الصراعات والتمزق والانكسارات وبدورها ستنعكس على الفروع فى الاقطار العربية التى كان بعض ممثليها يحضرون المؤتمر العام للحزب فى مختلف دوراته ويشاهدون بالعين المجردة كل نتائج الحصاد الخاسر.
انقلابات ومواجهات وتحالفات واختلافات وتصفيات ودخول العسكر على الخط فى دواليب الحزب وحين اْقترب موعد الوحدة ( التى ما يغلبها غلاب) مع مصر. اْكل عبدالناصر الجو وقطع عليهم الطريق جميعا. بريق البعث صار خافتا. راْى عبدالناصر فى نفسه اْنه الاجدر رغم تكوينه العسكرى وخلفيته القديمة فى مصر الفتاة ثم الاخوان وليس هناك من ينوب عنه فى قيادة الامة والحركة القومية. اْستسلم البعثيون لناصر وتفكك التنظيم الى حين. ظل عاجزا عن الحركة وسمح له بفتح مكتب صغير فى مصر لقيادة الفروع فى المنطقة العربية (دون مصر بالطبع). الفول المصرى والملبس باللوز السورى لايلتقيان مطلقا فى هذه الحالة. حل الحزب نفسه عام 1958. وفى ذلك العام تشكل فى ليبيا. اغلاق هناك. وفتح هنا. تصفيق بلا انقطاع.
فى القاهرة قبل ذلك العام مجموعة من طلبة ليبيا يدرسون فى جامعاتها ومعاهدها. المجال كان مفتوحا للتنظيم والمفاتحه فى عضوية الجماعات والاحزاب. عززه الفراغ الموجود فى البلاد كما سبق اْن اْشرنا. طالب من اليمن اْسمه صالح حبشى يفاتح زميليه سالم السوسى وعامر الدغيس بالانضمام. وتنطلق الشرارة. فيما ينضم منصور الكيخيا الى مفاتحة بعثية اْخرى قبل تخرجه من حقوق القاهرة عام 1954. اْندفع الشباب الليبى باْخلاص عفوى وعواطف عفوية.. لا اْكثر.
يعود من تخرج بالفكره. يحلم بمجد الامة. كان المؤسسون والْاتباع فى الْارض الْاصلية للتاْسيس يعانون التشرذم والانقسام.. ونحن بالعفوية قبلنا تاْسيس الحزب فى بلادنا وننتظر التعاميم الواردة من هناك. ظل العمل سريا. اْنتشر بين طلاب الجامعة والمحامين ومحررى العقود والمعلمين والموظفين. العفوية الوطنية هى التى شكلته. رومانسية العروبة ومحاولة خدمة الواقع وتغييره وتطويره دون اللجوء الى العنف اْو القوة. وذلك مؤكد وصحيح. اْنتشر فى بنغازى ودرنة وطرابلس (خاصة سوق الجمعة) والزاوية ووصل الى سبها. تحقق ذلك بفعل هؤلاء الذين عادوا واْخلصوا لفكرتهم وحماسهم العفوى. واْكتمل بوجود.. شخصيات بعثية لها حضورها فى بلدانها.. سوريا وفلسطين والاردن والعراق. كان فى المقدمة سعدون حمادى.. الشيعى العراقى الذى اْمن بالحزب ورسالته ايمانا لايحد. مؤلف الكتابين.. (نحن والشيوعية فى الازمة الحاضرة) و(دراسات فى الاشتراكية). ومن الاردن (د. عبدالرحمن الريماوى.. الطبيب فى بنغازى وسعيد شاهين ويعقوب العورى.. المدرس فى بنغازى.. ومحمود شحاده. واسعد العكا من القياديين المشهورين.. ومحمد اْبو ميزر واْحمد جبر ونصر العورى.. الذى تولى التنظيم فى بعض جوانبه فى فزان وعبدالقيوم اْبو كعباش) ومن فلسطين.. (يسار عسكرى المدرس فى بنغازى ومن اْبرز المنظمين ويحمل وثيقة سفر سورية وفرح سابا وحسين البكرى وبلعيد جبران ومحمد بلعيد واحمد جبريل وصديق الشريف ومحمد الشريف).. بعض هؤلاء طالته الاحكام غيابيا. عام 1959. شهد كما يقال ويتردد انضمام معمر القذافى الى خلايا البعث فى سبها. كان عمره تسعة عشر عاما. انضم مع زميله محمد على تبو. الذى اْرسل بتوصية من اْجله الى زميله بالحزب فى بنغازى فريد اشرف لمساعدته اذا اْحتاج شيئا عقب التحاقه بالكلية العسكرية. والشى نفسه حدث من قريبه مسعود عبدالحفيظ ضابط البوليس فى سبها الذى اْرسل بتوصية فى حقه الى زميله ضابط المباحث سالم الشيخى.. اذا ما اْحتاج شيئا فى (رباية الذايح)!!
فى صيف ذلك العام شارك معمر مع مجموعة من كشافة ولاية فزان فى المعسكر التدريبى الذى ضم مجموعة من كشافى ليبيا فى سوانى بنيادم. وهناك وزع منشورا به رائحة سياسية. وهذا ممنوع فى العمل الكشفى. كان قائد المعسكر يوسف قنبور. سلمه الزائدى المنشور. واْستدعى معمر وقال له بلهجته اللبنانية.. ما بيصير هيك. شو عملت.. روح لسبها يا استاذ. الكشافة ما بتزبط معك..!
وفى ذلك العام اْيضا.. ستجد حركة القوميين العرب مكانا لها فى الحراك السرى داخل ليبيا. وحين يطرد معمر من سبها وتقبله مدارس مصراته عام 1961. ينضم اْيضا لتلك الحركة. عامان متقاربان فى التاْسيس.. البعث والقوميين. عامان مبكران اْيضا قياسا بتكوينهما اْصلا فى المنطقة العربية.
فى 22 يوليو 1961 عشية الذكرى التاسعة لثورة يوليو يكتشف تنظيم البعث ويبداْ البوليس والنيابة فى القبض والتحقيق. ذلك العام تتداعى معه اْشياء اخرى. فى الفترة نفسها. يقبض على الحاج ابراهيم حماد صاحب المطبعة السريعة فى بنغازى وزميله محمد الفيتورى (الشيخ).. ومعه مخطوط كتاب لمحمد عبدالرازق مناع (ليبيا العربية فى مفترق الطرق) تزامن هذا مع القاء القبض على خلايا البعث. ثم فى 9 اغسطس.. بعد اْيام من هذه الاجواء يقام اْحتفال بعيد الجيش فى بنغازى فى الميدان الذى يحمل اسم المناسبة نفسها يحضره ولى العهد ورئيس الحكومة محمد عثمان الصيد وقائد قوة دفاع برقه محمود بوقويطين والسنوسى الاطيوش رئيس اركان الجيش (اخر ظهور رسمى له بهذه الصفه) كانوا فى المنصه وحدث خلل فنى فى عدم وجود مكبرات الصوت ولم تسمع الجماهير التى تحضر العرض خطاب رئيس الحكومة وتردد اْيضا اْنه كان ثمة محاولة لتفجير تلك المنصه. بعد ذلك ينقل امير اللواء الاطيوش سفيرا. يتمرد بعض الضباط. ويحاكمون امام محمكة عسكرية يراْسها العقيد ادريس العيساوى.. الذى سيتم اغتياله فى ظروف شخصية غامضة بعد عام.. اواخر 1962... وتبداْ المحكمة فى طرابلس. وتعتبر قضية حزب البعث (جنحة).. لاغير!!
يتبع....
سالم الكبتي
* راجع الحلقات السابقة بـ (أرشيف الكاتب)

المرفقات:
1. 2. 3. نص رسالة الى اسعد العكا (الاردنى) من احد رفاقه فى حزب البعث يخبره فيها ببداية اكتشاف الحزب وتنظيماته والشروع فى القبض على اعضائه. يوليو 1961.
4. رسالة موجهه الى الملك ادريس من احد اعضاء مجلس النواب عن تصرفات منافسه فى الانتخابات المنتمى الى حزب البعث تلك الايام.
5. تقرير من احدهم مؤرخ فى 1 اكتوبر 1969 الى معمر القذافى بعنوان مذكره خاصه يحذر فيها من تحركان بعض القوى السياسية. (لم يبلغ معمر الاربعين يوما بعد فى السلطة..!!)

1 2 3 4 5
كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
محمد عبدالله حنيش | 03/08/2016 على الساعة 05:57
ثناء
أستاذ سالم ،، أشكر لك هذه البحوث النافعة سواء في تاريخنا أو تاريخ المنطقة بأسرها، فذلك عمل يكمل الكثير من الناقص في معلومات بعضنا، و يأتي بذكر الكثير مما لم يذكر فيما سبق... بوركت جهودك أيها الفاضل.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع