مقالات

د. محمد الصغير الهوني

من واقع قصص المهاجرين

أرشيف الكاتب
2016/07/30 على الساعة 12:08

في حضرة رمضان التقيت بناس زاروا البحر، وبعد ان قدموا له القرابين، استمعت اليهم، ورأيت ان اشرك القراء في شيءٍ من قصص الناس، علّها تكون عبرة للمشتكين، اولئك الذين قال الله فيهم، وقليلٌ من عبادي الشكور... الا فلتسمعون ثم تبصرون.
حسن ومحبوبة اخوة لنا في الاسلام، جاء حسن منذ عشرة سنوات مهاجراً من زحام مدينة دكّا البالغ عدد سكانها ثلاث عشرة مليون نسمة من اجمالي سكان دولة البنقلادش البالغ تعدادهم مائة وتسعون مليون نسمة، عمل حسن وازداد رزقه حتى صار مقاولاً واستجلب برفقته زوجته محبوبة، وصار له منها ثلاثة اطفال كالزهور، لكن الطموح او عدم الرضا بالنصيب "وهو الدرس الاول" لم يشبع نهم نفس حسن، فصورت له نفسه هاجساً من داعش وآخر من عدم الآمان  وثالثاً من ضيق الرزق، فقرر ان يركب واسرته المكلومة قوارب الهجرة نحو الشمال، حيث بريق الاضواء وطعم العسل وملمس الحناء وزهو الهوى، حيث هناك عند شاطيء الشمال تكون الحياة مفعمة مخلوطة وكل يوم باضواء والوان وسكر، وانّا بحثتَ ستجدُ عند كل حجر، ينبت اليورو ويزهر كل مساء فرنكات واسترليني، وتتخلص من عملة عمرالمختار طائحة السعد التي صارت لا تروي من عطش ولا تسمن من جوع.
جمع حسن حصيلة رزقه وباعت محبوبة مصوّغاتها، واشتروا به ثمناً قليلاً، سُتيفة من الدولارات، وكان لهم نصيب عند احد القوارب متوسطة الثمن لانه سيدفع ثمن مغادرة خمسة اشخاص، هو وزوجته وبناته الثلاث، رضيعة واخرى في الثالثة وتكبرها في الخامسة.
غادر القارب بعد المغرب... متجهاً صوب الشمال، مكتظٌ بالاحمال، مملوءٌ بالآمال، كل يحمل في داخله قصص وشجون وهمّاً وترحال، لا احد يعرف الآخر ولا يجمعهم غير وحدة المآل وترك شاطيء افريقيا، المنكوبة الملعونة المفتونة.
ركب الركاب حسب الاحتياط، غير ان نهم التجار ودفء اليورو والدولار صار معه حمل المركب في ازدياد وغلُبت طمئنت المروّج كل رجاءٍ صادرٍ عن الركاب بان المركب لن تُكتب له النجاة... اخذ القارب يعبُ عباب البحر عباً وغباً، يغالب الموج تلو الموج، الذي يخاطبه ان ارجع ايها المسكين فلا حمل لك فوق ظهري، وهم يقولون باننا سائرون... وصوت المحرك يئنُ انيناً زائداً، حتى صارت اللجّة قاتمة لا احدٌ يرى الآخر، فما بالك والمسافرون من افريقيا السمراء... عندها قرر البحر ان يرسم سوقه، وان يقول القارب هنا ابي باعني... اقتربت الآجال  وصار في الحضرة سيدنا عزرائيل، تتجهز الانفس للرحيل وتحسم الاعمار وتنهى الاقدار... جاع البحر ومد السنته البيضاء، ارتفع الموج وصار التنافسُ بين الامواج ايّها تحظى برضى مولاها البحر في ان تأتي بخاتمته، وذاك ينادي، اقلبني اغنيك وصداه يرد ماضحّكتُ الا بيك... بين الفينة والآخرى، صراخ وعويل، نفسي نفسي... لحظات وصار القارب يواري ذيله مسلّماً قرابينه لمولاه البحر... في نهم وذهول وفي حلكة الظلام تبتلع ألسن البحر الواحد تلو الآخر ولا يسمع احدهم الا غرغرت الآخر ثم الاختفاء... ورغم ذلك فقد كان سيدنا البحر رحيماً لطيفاً اعطى فرصة للراغبين في العيش مع كشف الحساب، هكذا تروي "محبوبة" وهو الدرس الثاني، فقد منحت سِترات النجاة املاً في الحياة لمن كانت لديه سترة، غير ان نذالة بعض البشر تظهر، وان كان حين قرب الاجل، فقد صار التدافع على اشده والاخذ عنوة رُغماً عنه لمن كان ضعيفاً، حينها لا مجال للحق او الاخلاق، الا لمن ندر، فقد فُكّت سترة نجاة ابنتها ذات الثلاث سنوات رغماً عنها، بحجة ان يحملها ابيها معه وتحمل "محبوبة" الرضيعة معها وتكون للثالثة سترة لوحدها، وصار الامر كذلك، في عتمة الليل وعرض البحر وارتفاع امواجه وصقيع برده وضور جوعه ومنتصف ليله وهم يقارعون الموت يستجدون النجاة يترجون البحر ويرجون رحمة ربي.
تقول محبوبة... لقد صارت الرضيعة تصطك وترتجف وهي تحضنها والموج يقذفها وجسمها تحت الماء قد غادرها الا من  نهشات الحيتان تقضمها والبحر اللعين يطلبها ان تكون له فريسة يحلي بها حيتانه، تواصل محبوبه وقد غالبها البكاء وما عاد في الحاضرين من تمالك نفسه... لقد قدمت لطفلتي ثديي فتلقفته علّها  تطفيء ضور جوعها والتعب ثم التعب وقد هدني والبحر يطلبني، وما ان ذاقت المكلومة رشفتين حتى وما عُدتُ املك من حال ذراعي شيئاً،  والتقطتها ألسن الامواج  ولم اعد رأيتها، وساد الموقف بكاء وحزن عميق لم اشاهد من قبل مثله.
بعد حين... تقول، وفي كلمات مخنوقة، صرنا نحاول التماسك انا وزوجي والطفلة منزوعة السترة والاخرى بسترتها،  ونحن نقاوم الاستسلام للموت،  وزاد علينا همٌ آخر، فما ترك فينا الجوع من قدرة او قوة على المقاومة، والبحر اللعين يفتح فاه ويقول هل من مزيد، ونحن نغالب ونمسك بطفلتنا بيننا ولكن الجبروت ليس له من غالب ولا احد يغلب البحر،  وان استسلمت فانك لن ترضيه، تقول محبوبه، لم يعد فينا من حول ولا قوة، عند الصباح،  اشرقت شمس آخر ايام ابنتي يسمين، لم يعد لي ولا لابيها من خيار غير ان نسلمها طائعين شئنا ام ابينا... تغرق محبوبة في البكاء والتنهد وهي تقول لم تعد اذرعنا قادرة على حمل نفسها، برهة وقد غادر وجه ياسمين سطح الماء وآخر نظراتها تحت الماء وقد التوت خصلات شعرها ثم اختفت، وما اعمقه من حزن ان ترى الموت ولست بقادرٍ حتى على الصراخ، حينها تقول، ما لي وما الدولار او شواطئء الدنيا، غير ان ترضى بالمقسوم وهو "الدرس الثالث".
بقينا نحن الثلاثة، نقارع الموت، نرجو رحمة ربي وهو "الدرس الرابع" حتى صار وقت منتصف النهار، وقد لاحت  لنا سفينة وبين ان تأتي او لا تكترث، كتب الله لنا النجاة، وقد أُنتشلنا الى ظهر السفينة، الواحد تلو الآخر بمن فيهم من اخذ سترة نجاة طفلتي، والانهاك والتعب والبرد ينهشنا، ورغم الاطمئنان بالنجاة لكن حزن الفقد وقسوة التجربة تلاحقني اينما كنت، وقد عدنا الى ليبيا، البلد الرؤوم الحنون رغم ما انتابه من ضنك، وها نحن نعود الى الحياة رغم قسوتها وحزنها، وقد عدنا الى نقطة البداية حيث اضعنا كل شيء، وقد اكتسبنا درساً وتعلمنا بان نرضى بما قسمه الله لنا... ليس الا، انه نعم المولى ونعم النصير.
د. محمد الصغير الهوني

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع