مقالات

د. محمد يونس علي

الهوية الشخصية والهوية الوطنية

أرشيف الكاتب
2016/07/30 على الساعة 11:42

عومل مصطلح الهُويّة في تراثنا على أنه مرادف ترادفا ماصدقيا (وليس مفهوميا) لمصطلحات مشابهة كالمعنى والماهية والمفهوم، ولكنه عُرّف تعريفا إدخاليا بأنه ما يكون به الشيء هو هو، وتعريفا إخراجيا بأنه الامتياز عن الأغيار. وينطبق التعريفان المذكوران إلى حد كبير على ما قصدناه هنا بالهوية. وسنتحدث في هذا المقال الموجز عن الفرق بين الهوية والشخصية من ناحية، والفرق بين الهوية الفردية والهوية الوطنية من ناحية أخرى.
أما فيما يتعلق بالتفريق الأول فلابد من الإشارة إلى وجود تداخل يفرض بعض الخلط بين مفهومي الهوية والشخصية، وأنه ليس من اليسير العثور على معايير موضوعية مطردة يمكن بها إزالة هذا الخلط، ومع ذلك يمكن القول بشيء من التجاوز: إن الهوية يمكن أن تتحدد بالمعرفات الاجتماعية في حين تتحدد الشخصية بالسمات السيكولوجية والجسدية. فعندما تقول أنا عربي فإنك تعبر عن بعض مكونات هويتك، وعندما تقول أحب العرب فإنك تكشف عن بعض ملامح شخصيتك. فعلمك وذكاؤك ومدى شجاعتك أو قوة عزمك أو جاذبيتك للآخرين أو كونك كسولا أو مهملا أو نشيطا أو منظما تعد بعض سمات شخصيتك في حين يعد جنسك وجنسيتك ولغتك ودينك ومهنتك جزءا من هويتك. ولعله من السهل على الآخرين اكتشاف بعض سمات شخصيتك من خلال تعاملك معهم، ولكن ليس من السهل الكشف عن مكونات هويتك باستثناء جنسك ما لم تكشف أنت عن ذلك.
وقد يكون من المهم التنبيه على أن عناصر الهوية تتغير جزئيا عبر الزمن: فقد تكون مدرسا ثم تصبح أستاذا جامعيا، وقد تكون طالبا فتصبح مهندسا، بل قد تكون ذكرا فتتحول إلى أنثى، وقد تغيّر جنسيتك أو مذهبك أو دينك. وربما ينطبق هذا إلى حد ما على الشخصية، فهي أيضا في تغير مستمر، ولكن تغيرها يتسم بالبطء، ويستجيب عادة لما يتعرض له الإنسان في محيطه الاجتماعي من مواقف وخبرات، كما أن تغيرها تغيّر لا إرادي عادة. وربما كان التمييز بين الهوية والشخصية عاملا مساعدا في التفريق بين ما يمكن أن يعد تمييزا عنصريا وما لايندرج تحته من نقد، فالاعتداء على الهوية نوع من التمييز العنصري في حين يعد الحكم على الشخصية سلبا أو إيجابا نوعا من النقد المشروع.
وأما الهوية الوطنية فتتحدد عادة بما يأتي: التاريخ المشترك، الرقعة الجغرافية الموحدة، اللغة، الديانة، الثقافة المشتركة، الشعور الوطني، المشاركة في السلطة والاقتصاد. وتختلف دول العالم في تركيزها واهتماماتها بما يكوًن ملامح الهوية عند مواطنيها، ويمكن أن نلحظ هذا بوضوح في ما يصر عليه الإسرائيليون من إعلاء لعامل الدين في تشكيل الكيان الصهيوني في حين تتفاوت سائر دول العالم في تركيزها على ما يمكن أن يميز كياناتها الوطنية من المكونات المذكورة سابقا.
ولعل أهم ما يعنينا نحن العرب في سياق ما نعانيه من أزمة في تحديد مكونات هوياتنا الوطنية أن نركز في إعلامنا ومناهجنا التعليمية على ما نراه مناسبا لخلق نسيج متناغم من تلك المكونات يسهم في المحافظة على الوحدة الوطنية لبلداننا. ولا شك في أنّ من أهم التحديات التي تواجه بلداننا العربية هو وجود هويّات متوسطة بين الهوية الشخصية والهوية الوطنية كالهوية القبلية والهوية الجهوية والهوية الطائفية والهوية الإيديولوجية.
ويتوقف نجاح الدولة في المحافظة على الوحدة الوطنية بمدى قدرتها على اختزال كل تلك الهويات في قالب ثنائي تتفاعل فيه الهوية الشخصية مع الهوية الوطنية على نحو إيجابي، وتُسخّر فيه الهوية الشخصية لخدمة الهوية الوطنية والهوية الوطنية في خدمة الهوية الشخصية على نحو لا يبدو فيه تضاربا بين مصالح الهويتين، وإنما يكون ذلك بالإعلاء من قيمة الفرد ومنحه حقوقه وقيامه بواجباته وترسيخ مفهوم المواطنة ومتطلبات المجتمع المدني من تسامح وتعايش واحترام للرأي الآخر.
ومن التحديات الأخرى التي تواجه الدول العربية التنوع اللغوي ومزاحمة اللغات الأجنبية للغة العربية في الاستعمال وتزايد الاهتمام باللهجات المحلية واحتلالها أراضي جديدة كان من المتوقع أن تكون للعربية الفصيحة، وذلك كمواقع التواصل الاجتماعي والبرامج المخصصة للأطفال، ويبدو أن التقليل من تضخم هذا التحدي مرهون بالتخطيط اللغوي ووضع سياسات لغوية مدروسة ومدى توفر إرادة سياسية لتحقيق ذلك.
ونظرا إلى قابلية التذبذب التي يتسم بها الحس الوطني عند عامة الشعب نتيجة شعوره بالغبن وضياع الثروة الوطنية بسبب الفساد وغياب روح العدالة الاجتماعية فإن تعزيز الحسّ الوطني وإنقاذه من الانهيار يحتاج من المسؤولين إلى تطبيق سياسة حكيمة رشيدة يشعر فيها المواطن بأن حقه لم يهضم، وأنه لا مكان في الدولة للظلم والعسف والاضطهاد.
ولا يفوتنا أن نعرّج على أهمية الإعلام والتعليم والتربية -إذا ما وقع في أيد أمينة- في التقريب بين وجهات النظر وإغناء الذاكرة الجماعية بالعوامل الموحّدة للمجتمع، وتهميش النزاعات التاريخية سواء أكانت قبلية أم جهوية أم طائفية، وتعزيز ثقافة مدنية مشتركة في ضوء المبادئ والقيم الإسلامية السمحة.
د محمد محمد يونس علي

محمد محمد يونس علي | 31/07/2016 على الساعة 21:58
تعليق رائع
أشكرك أخي على هذا التعليق الرائع الذي يدل على عمق في الفهم، وحكمة في الحياة. يبدو أنك كاتب متمكن. أرجو أن تسهم في هذه الثورة بكتابتك الرصينة. ليبيا في حاجة إلى جهودكم.
ممتعض | 31/07/2016 على الساعة 19:59
الطبقة الفارغة
لا أستعير مفهوماً اقتصادياً هنا ، ولكنني أقصد بالطبقة الفارغة مادعاه كاتب المقال بالهويات المتوسطة ، وإصراري على كونها فارغة آت عن شبهها ببناءات عشوائية لا تكتفي بتشويه جمالية المكان بل تفسد هندسته ، أو كنباتات طفيلية تفسد حيثما حلت ، فالانتماءات العشائرية والقبلية والإثنية والجهوية التي تلتقي مع الأيديولوجية في أسس النشؤ والأهداف المتوخاة والمتمحورة حول الاستحواذ والتسلط ، ليست نتيجة تطور طبيعي لذات إنسانية متكاملة ومتزنة ، بل هي نتاج تاريخ من القهر التاريخي الثقافي والسياسي وحتى الإجتماعي عانته ذات فقدت محورها وتشظت إلى مالا يحصى من .. ضمائر المتكلم ( أنا ) .. التي تزعم كل منها أنها التجسيد لتلك الذات الضائعة ، وفق رؤية كهذه لا يبدو ما هو متاح لهذه الهوية المتشظية من إمكانيات ثقافية وتربوية .. تعليمية وإعلامية .. بل حتى سياسية أو أخلاقية مؤهلة لوضع هذه الهوية في حضرة ذاتها ، ولا قادرة على رتق شروخها ومداواة جروحها ، فالأمر يحتاج إلى ثورة حقيقية ، ثورة فكرية تقصي الجهل والجاهلين عن تقرير مصير إنساننا ووطننا وانتمائنا ، ثورة أزعم أني أرى في هذا المقال بارقاً منها .
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع