مقالات

عبير الورد

من مدين قلبي…

أرشيف الكاتب
2016/07/28 على الساعة 16:20

رسائل عبير الورد (الجزء الثاني) الرسالة رقم (7)
من مدين قلبي…

إلى شُعيب سؤالٍ يكمنُ في عقلي، يتساءل متى يلج النهار خيط الظلمة؟، ومتى يتنفس الصبح؟ ومتى يأتي الوطن؟ ويتم الإفراج عن ابتساماتنا الأسيرة وراء قضبان شفاهنا التي  زمَّت أبوابها؟ تركت للصمت مهمة التعبير عن واقعنا الغارق في دهليز المتاهة،  الباحث عن خيط يقوده لممر النهاية الآمنة، من مدين قلبي الشغوف بك يا أيتها الجميلة،  أبعث لك رسالتي بعدما عجز الرجال عن استيفاء حق الاحتفاظ بك في بيت الوطن،  وتركوا للغرباء فرصة تحسس ملامحك،  وجسدك الغض، اختلفوا طرائق قددا،  واستحالوا اثنتي عشرة أسباطا، قطَّعوا أوصال الوطن، وعاثوا في بوصلة الطريق،  حتى حادت عن جادة الصواب،  خرجتْ ذبذباتها المعقولة، جراء آرائنا اللا معقولة،  فذهبت العقول بالوطن،  وخرج الوطن ولم يعد حتى هذه اللحظة!
من أزاهير قلب مُحبة،  أزفَّ إليك باقات ياسمين،  وقبائل جوري، محلاة باللون القرمزي الأحمر،  أطوف أفياء ملامحك، وأجول شرايين قلبك، وأسرح،  وأمرح، بعيدا عن الحمقى،  والغارقين في النزق، والطيش،  بعيدا عن اتفاقاتهم، ودعواتهم، وادعاءاتهم بأنهم يريدون الوطن فيك، بعيدا جداً أقف أنا، وكثيرون، وكثيرات، طوابير تلو الطوابير، أكوام بشر،  وأكداس فرح،  وتكتلات من دماء،  وأرواح، وقلوب، لنقبل جبينك، ونلثم خدك،  ونبارك مداسك، ونشم رائحتك المُعفَّرة بترابك، ورطوبة طينك،  نستبشر بصباحاتك،  وندعو الله أن يرزقنا دوام بركتك، ونور وجهك، وألاَّ يحرمنا من اسمك، ووجودك في حياتنا.
من مدين هذا القلب المُعذب، سأستجدي قلبك كثيرا ألا يكثرت بما يحيق به من تعب،  ونصب، وقتر، وقهر، وسأقول لك كم أنت جميلة بمن فيك،  كم أنت ناصعة القلب بمن يزرعون في قلبك ملامح الطيبة، وينثرون في مدنك وأحيائك قمح المحبة، وينشرون بين أهلهم وأحبابهم قيم النبل، والخير، والمساواة، ولا يبيتون يومهم إلا وقد اقتلعوا عن ترابك الطاهر كل أشواك الفتنة، وعوسج العنصرية، وأعواد التخلف الرجعية الفكرية.
ومثل أفلاطون حين يروم المثالية لمدينته الفاضلة،  ولا يقبل ما يعكر صفو مدينته الجميلة وأجتهد في إقصاء كل الفرضيات، والاحتمالات،  ليجعل عاتقه مترعاً بعبء أفكاره، حين لم يشأ أن يقرأ ما تقوله عقول الآخرين عن مفهوم المثالية، ولم يقبل أن يموت حلمه بين يديه وهو العالم،  والعارف بأن للزهرة القدرة على الاستغراق في جمالها، حتى تتعرى منه، وتنسلخ بتلاتها عنها، تتقشَّر جزءاً تلو جزء، إلى أن تترك الساق وحيداً،  وتلفظ الوحدة جذرها بعيداً عن حقيقة الطين،  تتلاشى وفق مبدأ الاستغراق في اليقين بشكلها حتى آخر الأنفاس.
دعوني أسبتُ بعيدا في  كهف أفلاطون باقي أيامي وعمري، وأخرج عن طور الدولة التي تفنن حكامها في طلب المثالية، فلم ترق لهم صيغة، ولم يتفق لهم قرار، ولم يتوافق لهم حلٌ، وكلما اقترب خيط الفجر من ليبيا، ولاح بصيص أمل قيامها، اجتهد  الأفلاطونيون في النبش عن الهفوات، وطلب الاكتمال والمثالية، حتى غاب عن عقولهم أن للمثالية أطوار، كما البدر إذا تدَّرج في مراحله، بلغ مدى الضوء متجاوزاً الاحتمالات،  بالتدرج في الاجتهادات.!
هل ألقوا بتفاحة نيوتن في قاع الجاذبية،  فتنافرت الأطراف، ثم أقسموا على تقشير برتقالة الملل بمبادئ هيجل المتطرفة، أما كل شيء أو لا شيء… كم يؤلمني أن أُطلَّ بنافذة وجعي على ضفَّة الشك، وأترك ليقيني فرصة أن يعلق في شص الصبر، الصبر الذي مزَّق شعبي، وقطَّع أوصال مدني الجميلة، وبدَّد ريحنا في كل حدب وصوب، وترك جسد الوطن  لتجاعيد الزمن المهترئة، تشجُّه قشَّات تقصم ظهره، بفعل تضارب الآراء، والتعنت في الرؤية من جهة، وزاوية. ألم يجتهد سياسي واحد  في قراءة مناهج دريدا، يقرأ كيفما يتفق لنا زماننا، ويجمع الرؤى  في وطن طال انتظارنا له، ريثما يترك الأفلاطونيون مثاليتهم، ويتخلى الهيجليين عن تطرفهم؟
من مِدين قلبي المتسع حباً لك، إلى أصغر شُعيب فيك أيها الوطن، كم أحبك! وأحب صباحاتك النبيلة، والجميلة، المليئة بالابتسامات، والفرح،  أنوس في مُحياك، أضطرب كلما لاح لي شرخ، أو ندبة،  أو شهقة حزن، أجول،  وأصول، أبحثُ عن وجع، عن دمعة،  عن وليمة حزن، تفترش قلبك،  عن وريد ينزف فيك، عن يتيم يفتقد يداً تربت على رأسه،  أفعل ذلك متسائلة كم من أفلاطون سيعاني قلبك، وكم من هجيل سيتطرف بك متوارباً خلف مبادئه.
من مدين قلبي إلى شعيب روحك  أيها الغالي، مازلتُ أؤمن بأن المحبة قاعدة التآلف، والود قاعدة التفاهم، والاحترام قاعدة التواصل، والاستماع قاعدة الوصول، مازلتً أؤمن بإعادة الفرضيات، وطرح الرؤى، والقراءة، ثم القراءة، ثم الوطن.
عبير الورد
ذات بحث عن روقة الخلاص
28/7/2016
* النص وغيره على مدونتي "سمراااء".

عزة رجب | 31/07/2016 على الساعة 21:08
شكري وامتناني لكم
الدكتورمحمدالمبروك ، السيد سامي الشعلان ، الدكتور .....ابن الصحراء ، الدكتور عبدالكريم الدبوسي أشكر لكم جميل مروركم على هذه الموضوعة البسيطة ، ممتنة جدا للترحيب والدعم والتشجيع من قبلكم لا أعرف ماذا أكتب أو أقول ، ولكن جف الحبر ، ونضب معين كلماتي ، حين حاولت البحث عن جملة تليق بكم شكرا ... وتليق بهذا الصرح العملاق ....دمتم بفرح
د.عبد الكريم الدبوسي | 31/07/2016 على الساعة 07:20
إبداع
السيد ابن الصحراء ابدعت انت ايضا في الوصف والتعليق لان قراتك صادقة
سامى الشعلاني | 30/07/2016 على الساعة 02:24
القلوب المحبة
القلوب المحبة تظل تنز بالألم وتئن بالوطن لأنها قلوب تدرك مفهوم المواطنة الحقة ، فالمواطنة ليست حقوق قبل كونها فطرة تكونت لتعبر عن مفاهيم قيمية تدل على الانتماء، مقال يحمل التجاذب والاختلاف معا.. التجاذب في خيوط الفكرة والاختلاف في طرق التناول والتداول.. أحييك على تعريفنا بهذا الموقع الليبي من واجهة صفحتك القيمة.
ابن الصحراء | 29/07/2016 على الساعة 12:20
جمال نصوصك من جمال عينيك وقلب الطاهر
المتعة والنفع اللذان نجدهما في نصوص ومقالات الشاعرة الجميلة الدكتورة الفذة عزة رجب مصدرهما تلك الأشياء التى نجدها في العمل الأدبي الرائع والتى لها اهمية إنسانية نبيلة ، رسائل (عبير الورد) تعبير صادق عن الحياة وسيلتها اللغة وهذه الصلة الوطيدة بين رسائل وادب عزة والحياة هي سر فيما تتضمنه من متعة ومنفعة ، لاننا مع هذه الشاعرة باحساسها الجميل المتدفق من معين حب لاينضب ابدا نحب ان أن نرى انفسنا والحياة "منقولة إلينا "ونحن في مكاننا لنشاهد واقعنا والحياة تمر بنا جزئياتهافى سلسلة متصلة الحلقات وهذه المتعة تتحقق ونحن نقرأ رسائل عزة رجب وقيمة الرسائل لاتقف عادة عند مجرد قضاء لحظات في استعراض مشاهد ممتعة من الحياة بل اننا نمضى بعد الفراغ من القراءة لنناقش ما قرأنا وكثيرا ما اناقش نفسي بسبب تلك الرسائل الابداعية ، انت يا معشوقتى الحلوة كشهد العسل رائعة وعبقرية مبدعة لك عبر الاثير حبي واحترامى وتقدير (......ابن الصحراء..)
محمد علي المبروك | 29/07/2016 على الساعة 00:21
تحية للكاتبة
شمسا كانت غائبة وهاهى أشرقت من جديد، مرحبا بكلماتك العذبة وعباراتك المنظومة كالعقد الثمين ، حفظك الله لليبيا أديبة وكنزا من كنوزها الثقافية
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع