مقالات

عائشة ثبوت إبراهيم

موت المؤلف وموت الطنجرة

أرشيف الكاتب
2016/07/27 على الساعة 16:10

نظرية موت المؤلف التي نادى بها رولان بارت، لا تختلف كثيراً عن نظرية موت الطنجرة لـ جحا في الأدب المحكي العربي، ورغم الفوارق المنهجية إلا أنهما تشتركان في التأسيس لفكرة قياسية تدعو إلى موت الأشياء بعد اختفائهاـ أو تلاشي دورها، وهي فكرة لها جذور فلسفية وفكرية منذ أن نادى الفيلسوف نيتشه بتدمير الاتجاه الغيبي ضمن مقولة "موت الإلـه".
موت الطنجرة- وبحسب النادرة المنقولة عن جحا، تحمل الكثير من الدلالات إذا ما أعيد تصديرها بمواصفات تنسحب على المنتج الأدبي، فجحا والذي استعار طنجرة جاره ليطهو فيها طعامه، قدم لجاره قطعة نقدية صغيرة، قائلاً له أن الطنجرة قد ولدت تلك القطعة. وكان الجار قد غض طرفه تحت تأثير سحر الظرافة والطمع بالنقود، إلى أن جاءه جحا ذات يوم باكياً وأخبره بأن الطنجرة قد ماتت في النفاس، وحين لم يصدق الجار حكاية موتها، فاصله جحا بحجته المشهورة: كيف تصدق أن الطنجرة تلد، ولا تصدق أنها تموت في النفاس؟.
وكان (بارت) قد نادى بموت المؤلف أي بإنهاء العلاقة بين مرسل النص ومستقبِله، بهدف تقديس اللغة، وتكريس استقلالية النص وإعطاؤه صفة الحياة، وقال أنه من خلال موت المؤلف يمكن للناقد أن يسبر أغوار النص بحرية وبمعزل عن الحياة الشخصية للكاتب، حيث يتم عزل المؤلف وإلغاء سلطتة المهيمنة على معاني النص ودلالاته.
وبين جدلية موت المؤلف ومقاربة موت الطنجرة، يعاني الأدب في المجتمعات الشرقية حديثة النهوض- ومن بينها ليبيا- من معضلة (شخصنة النص) لتطل كسلطة متغولة تهاجم بسياط الفضول المنتجَ الأدبي فتبحث في أسرار تخلقه، ونشأته وأسبابه، والأهم: شخوصه، وبحسب تعريف (فورستر) في كتابه أركان الرواية، يقول "أن الشخصيات في العمل الأدبي هي كتل كلامية، يطلق عليها السارد إسماً وجنساً، كما يختار لها ملامح ويجعلها تتكلم أو يتركها تتصرف بصور متناغمة، وهي لا علاقة لها بالشخصيات التاريخية أو المذكرات الشخصية"، لكننا نجد غول الشخصنة يلاحق أبطال القصص والروايات الذين يصنعهم السارد، فيجد نفسه على الدوام مجبرٌ على تبرير علاقته بتلك الشخصيات أمام الغمز والاستفهام، أو أن يتحمل تبعات وجودهم في حياته الشخصية.
 وتعتبر القصيدة من أكثر الأجناس الأدبية تعرضاً للتضيق، حيث تطل رؤوس الشك لتبحث في كلمات الشاعر عن مناسبة القصيدة، وكينونة الملهمة أو الحبيبة، بل أن الملهمة تبحث عن شخصها في ذلك العمل لتخلق نفسها من خلاله ككائن أسطوري يسعى أيضاً إلى التغول على حساب القصيدة، وإلى إسقاط لغة الشعر السرمدية إلى درك الارتباط بالأحداث العابرة السريعة.
لكي تتحرر القصيدة من تبعات الشخصنة لا بد أن تموت الملهمة، فهي تقبع في نطاق الأمور الغيبية أسوة بموت الإله، وتشترك مع المؤلف في مضايقة النص بصفاتها الشخصية، كما أنها تشترك مع الطنجرة في كونها سر ولادة النص ومثل كل الكائنات الحية التي تلد، لابد أن تموت.  
حين تموت الملهمة سيؤمن المتلقّي أن القصيدة لا يمكن أن تكون إمرأة ولا حدثاً شخصياً ولا رسالة غرامية خاصة، أو مفاتحة مشفرة بالزواج، لكنها سقف دلالي يسمو فوق الحدود والأشخاص، ولحظة ميلاد مجيدة لا تتشكل حياتها إلا بالانفصال عن جذورها الدنيا، ولا تبدأ رحلتها إلا بعد الانعتاق من ثوابت الاتباع.
عائشة ثبوت إبراهيم

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع