مقالات

أكرم الجبالي

الثورة الفرنسية واثرها على ثورات الربيع العربي

أرشيف الكاتب
2016/07/27 على الساعة 16:11

تصادف هذه الايام (14 يوليو) ذكرى الثورة الفرنسية وبالتحديد أسقاط سجن الباستيل رمز القمع والظلم والفساد بالنسبة للفرنسيين. ولأهمية تلك الثورة واهمية مقارنتها بثورات الربيع العربي في العصر الحديث ولفهم الدور الفرنسى في دول ثورات الربيع العربي خاصتا دورها المتزايد والجدلي في ليبيا، نحتاج ان نفهم حقيقة الثورة الفرنسية والاسباب التي ادت الى انفجارها واثر ذلك على مسار الثورات العربية حيث من الممكن وجود تشابة في اوجه كثيرة بين تلك الثورة ومسار ثورات الربيع العربي مع الفارق في اسباب اندلاع الاولى والتي كانت مصطنعة وموجهة والثانية العفوية والتي ارادت  ارجاع الحقوق ورفع الظلم وسيطرة الطبقة الكادحة والفقيرة من الشعب (البروليتاريا) والتي لاتزال تنافح عن روح الثورة وتقاوم الروح الانقلابية في تلك البلدان.
 اندلعت الثورة الفرنسية في العام 1789 واستمرت مايقرب من العشر سنوات، اي حتى عام 1799، واثرت تأثيرا جذريا في العالم الغربي عموما واوروبا بشكل خاص فأدت الى تفجير صراعات مسلحة انتشرت من البحر الكاريبي الى الشرق الاوسط تماما كما هو الحال في ثورات الربيع العربي والتي انطلقت من تونس لتنتشر في باقي، او على الاقل في اغلب،  الدول العربية.
ويمكن اعتبار الثورة الفرنسية مثالا وانموذجا مهماً يمكن الانطلاق منه لفهم طبيعة الثورات وطريقة نشئتها وتطورها وطريقة التحكم بها وتوجيهها وكيفية المحافظة على مكاسبها. اذا ما استثنينا طريقة تفجير الثورة الفرنسية وطريقة الاعداد لها، والتي تمت من قبل مجموعة من الاقطاعيين والمرابين واليهود التنويريين وتحالف اولائك مع الفلاحين مع طبقة العمال الذين تم وعدهم باعطاء مجموعة من الحقوق والحريات  الى جانب الطبقة العاملة والمتوسطة للشعب الفرنسي، يمكن  تشبة الثورة الفرنسية بالثورات الحديثة في العالم العربي وبذا يمكننا الاستفادة من تلك الثورة في مواجهة الثورة المضادة للربيع العربي.
على الرغم من ان الثورة الفرنسية ادعت في بدايتها الرغبة في رفع الظلم وارجاع الحقوق وانشاء الجمهورية العلمانية الديمقراطية، الا ان ذلك الوعد كان لمجرد كسب الرأي العام ورجل الشارع  ولم يتحقق على ارض الواقع اذ انتهت بسيطرة البورجوازية والاقطاعية على زمام الامور وانتهت بعد اذ بحكم العسكر.
اذاً الفارق الاهم والابرز بين الثورتين هو التعمد والتخطيط للاسقاط حكم ملكي وراثي اٌدُعي بأنه فاسد ومستبد وغير عادل في الثورة الاولى في حين العشوائية النابعة عن الظلم والرغبة في التغيير الحقيقي من قبل الشعب في الثانية.  
ولاكن علينا ان نسئل انفسنا ماهو وجه التشابة بين الثورة الفرنسية والثورة المضادة للربيع العربي؟
وجه التشابه حسب وجهة نظري يكمن في عدة اوجه منها، وهو الاهم، طريقة التخطيط والاعداد واستخدام الاعلام الموجه لشوية شريحة من الناس بعينها او طبقة من المجتمع ذات نفوذ وتأثير على ذلك المجتمع لازاحتها من المشهد السياسي والاقتصادي للدولة لتحل محلة وجوه اخرى تقوم بدور يخدم اناس بعينهم ايضا سواء دور سياسي او اقتصادي.
ولنبدأ بسرد ابعض الحقائق التى حدثت قبيل واثناء الثورة الفرنسية تتشابة الى حد كبير مع مايحدث في دول الربيع العربي الامر الذي يجعلنا نتيقن او على الاقل نتوقع ان يكون المُخطط  والراعي هو نفسه في كلى الحالتين.
قبل الثورة الفرنسية تم تعيين شخص يهودي اسباني الاصل من قبل اليعاقبة النورانيين يسمى " شودر دي لاكلوس" ليكون مسئولاً على ادارة املاك وقصور الاقطاعيين وكان معروفاً بمجونه وفسقة اضافة الى شخص اخر يسمى "كاغليوس جوزيف بالسامو" من باليرمو. قام الاثنان بتحويل احد القصور الى دار للطباعة للاستخدامها لاصدار المنشورات الثورية التي تهيج الناس وتسبب القلاقل وصاحب ذلك تنظيم  لجانة  اعلامية ثورية من المحرضين كانت مهمتها نشر الادب الثوري وبث روح التذمر والرغبة في الانتقام. كما كانت تعرض مسرحيات تم اخراجها لتبث ذلك الفكر في عقول الجماهير صاحب ذلك اجتماعات وحلقات نقاش مبرمجة كان الهدف منها، كما قلنا، اثارة مشاعر الناس  وزيادة معدل السخط على الملك والطبقة الحاكمة والتمهيد للثورة. اضافة الى كل ذلك تم تسخير العديد من الجواسيس والعيون الذين يقومون بنقل فضائح رجال الدولة وحاشية القصر وكانت تلك الفضائح تستخدم في التشهير بتلك الشخصيات المرموقة ومساومتها لتصبح اداه طيعة مسلوبة الارادة تنفذ كل ماتؤمر به وكل مايملى عليهم مستخدمين في ذلك الحفلات الماجنة والليالي الحمراء والتي كانت تتم في قصور الارستقراطيين التي تحولت بجانب المسارح والنوادي الرياضية الى دور للدعارة ونوادي للقمار وتعاطي الخمور المخدرات.
كان اهم رواد تلك الاماكن بطبيعة الحال هم زعماء الثورة الفرنسية المُنتظرين والذين تم اختيارهم بتوفر شروط معينه في شخصياتهم والذين تم اعدادهم لهذا الغرض بتعطيل ضمائرهم داخل ذلك الجو الموبوء والملئ بالشر والرذيلة بحيث تسلب ارادتهم ويسهل التحكم بهم ادارتهم فيما بعد.
تم تحذير القصر الملكي وبالتحديد للملكة ماري انطوانيت من ذلك المخطط الشرير لاكنها لم تلقى لهم بالا على الرغم ان حملة التشوية تلك وصلت اليها فتم اتهامها بأنها امرأة لعوب انساقت وراء الملذات واستهواها المرح. كما تم اتهامها بعلاقات غرامية كثيرة وبخيانتها لزوجها وحيك حولها القصص المثيرة والخرافات.
الا انه في الواقع لم تكن تلك الصورة الا انطباع تم صنعة من داخل دور الطباعة ومن قبل الاعلاميين الثوريين الذين جاء بهم "شودر دي لاكلوس" و "كاغليوس جوزيف بالسامو" وقد اثبت كثير من المؤرخين ان تلك الروايات ماهي الا اكاذيب تم تلفيقها واصبحت بكل اسف من صلب التاريخ وكانت الصورة القذرة هي ماجعل رقبة ماري انطوانيت تقع تحت المقصلة.
ومن اهم الوسائل المهمة التي استعملها هؤلاء المرابون (ويعرف القارئ من هم المرابون) هي ايقاع الحكومة الفرنسية في العجز المالي بقرضها الاموال التي لم تستخدم للبناء والتشيد بل استُخدمت للسرف والتبذير من قبل المتنفذين الفاسدين. فكانوا بذلك كمن يعطي باليد اليمنى ويأخذ باليد اليسرى الاضعاف وتتالت بذلك القروض التي يعقبها الحصول على حقوق وامتيازات مقابل ضمان الوفاء بسداد تلك الديون. وبتكرار الامر اصبحت الحكومة الفرنسية مكبلة بجبال من الديون الى الدرجة التي اصبح فيها الامر ان يفرض فيها المرابون شروط اتفاقيات القروض وفرض اسماء وشخصيات بعينها داخل الحكومة مدعين ان تلك الشخصيات ستتمكن من انتشال الحكومة من ازمتها المالية، لاكن الامر كان عكس ذلك، فتلك الشخصيات هي التي اسهمت في توريط الحكومة الفرنسية في مزيد من الديون رافق كل ذلك تدريب وتنظيم زعماء الثورة مثل روبسبير ودانتون.
كما تم التخطيط لاطلاق سراح المجرمين والمجانين من السجون والمصحات النفسية ليعملوا الذبح والتقتيل والاغتصاب العلني لاثارة البلبة والرعب بعد اندلاع الثورة. صاحب كل ذلك اللقاء القبض على الضباط والفرسان والشخصيات المهمة الموالية للقصر ليتم اعدامها فيما بعد. ويقول المؤرخون انه تم قتل مايزيد عن 8000 شخص في باريس وحدها في ماسمى بالمجزرة الكبرى اضافة الى اغتصاب ممتلكات واراضي الاغنياء والاقطاعيين من قبل الفلاحين في الارياف والقرى. وبجملة "فلنسفك مزيداً من الدماء" كان يستهل مدبري تلك الثورة كل يوم جديد مطالبين بمزيد من الدماء الامر الذي كان يتم بأمر من عرابي تلك الثورة مثل "روبسبير" والذي استخدم كلمات مشابهة لما نسمعة اليوم في خطاباتة امام الجمعية العمومية حيث شن فيه هجوماً عنيفاً على ماسماهم (الارهابيين والمتطرفين) الا ان روبيسبير تم التخلص منه ايضا فيما بعد من قبل اليعاقبة.
بعدما اشيعت الفوضى المصاحبة بالقتل والاغتصاب والنهب اصبح حلم الفرنسيين هو أن يتولى بعض الجنرالات الأكفاء مثل "ماسين" أو "مورو" او "بونابرت" زمام الامور في باريس ويطيح بالسياسيين ويمنح فرنسا الانضباط والأمان حتى لو كان هذا على حساب الحرية. لكون الفرنسيون قد وصلوا إلى نتيجة مؤداها أنه لا يقدرعلى إنهاء فوضى الثورة وفرض النظام في فرنسا وإحلال الأمن بها مما هو ضروري لحياة متحضرة سوى حكومة مركزية يقودها زعيم واحد قوي متمتع بالصلاحيات اللازمة. استغل العسكر ذلك الامر بقيادة نابليون الذي سيطر على زمام الامور بانقلاب عسكري وذلك تحت مسمى الرغبة في استباب الامن وفرض الاستقرار الا انه انقلب لاحقا على مبادئ الثورة وألغى مجلس الإداريين وعين نفسه “القنصل الأول” على فرنسا وكانت تلك بداية نهاية الثورة الفرنسية وبداية عصر نابليون الذي بدأ في السيطرة على اوروبا وكانت تلك بداية اول حكم عسكري والتي بدأت معها مرحلة جديده من الاستبداد والظلم وانتهى الامر بتصدير الأزمة من خلال الإستعمار بالتوسع المحموم لللأمبراطورية الفرنسية مبشراً بعهد جديد انطلقت فيه سلسلة حروب نابليون والتي كان الهدف منها السيطرة على العالم.
وبنجاح مخطط الثورة الفرنسية وانقلاب نابليون العسكري على مقاليد الحكم والسيطرة على فرنسا، او لنقل على اوروبا بأسرها، استفاد العالم الغربي من تلك الثورة الامر الذي ساعد على تبلور نظريات جديده متعلقة بسيكولوجية الشعوب أو نفسية الشعوب والأعراق البشرية لدى علماء النفس الغربيين مثل الفرنسي "غوستاف لوبون" وحان الوقت معها لاختبار فاعلية تلك الخبرات العملية بأختبارات تجريبية نفسية على ارض الواقع. فلا نكاد نجد منطقة في العالم الا واستخدمت فيها تلك الاستراتيجية لصالح الدول الاستعمارية بدئاً بأول واقصر انقلاب عسكري في العصر الحديث بقيادة حسني الزعيم وبرعاية امريكية (ومن الممكن اعتبار انقلاب حسني الزعيم اول محاولة انقلابية امريكة ناجحة بعد تسلمها زمام الامور من بريطانيا في المنطقة)، ومروراً بأنقلاب جمال عبد الناصر (بتوجية امريكي ايضاً) والذي تلاه انقلاب القذافي في ليبيا و بأنقلاب موريتانيا بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز عام 2008 والانقلاب العسكري في تايلاند عام 2014
وانتهائاً بأنقلابات العصر الحديث مثل انقلاب السيسي في مصر ومحاولة انقلاب حفتر في ليبيا، والتي لاتزال مستمرة في الى كتابة هذه الاسطر، والمحاولة الفاشلة في تركيا. ناهيك عن الانقلابات العسكرية في افريقيا والتي تحتاج الى صفحات لسردها.
انقلابات عسكرية الهدف منها اصبح واضح للعيان ومصدرها لم يعد يخفى على ذي بصيرة.
أكرم الجبالي

البهلول | 28/07/2016 على الساعة 05:41
كلام غير موزون
انك ياعزيزي كتب عن ماذا ليس ما ذكرته في هذا الكلام الغير موزون له علاقة بالثورة الفرنسية ، خرابيط في خرابيط هل تعتقد ان القراء لايفهمون او ليس لهم دراية بتاريخ الثورة الفرنسية وما علاقة مباىء الثورة الفرنسية واهدافها وقيمها الحضارية بتثورات الاخوان المفسدين يا اخي يبدو انك ما فائق احترامي قد خلطت بين نيكاراغوا والنيجر الله المستعان .
كاتب المقال | 27/07/2016 على الساعة 21:44
ردا على ممتعض
يبدوا لي انكلم تفهم/ي القصد من المقال او على الاقل لم يتم قرائة المقال بتمعن. المقصود هنا ان نفس الاستراتيجية التي قامت بهاالثورة الفرنسية هي مايتم استخدامة على مر العصور لوئد ثزرات الشعوب التائقة للتحرر. لم اقصد هنا ان المتئامرين او التنويريين هم من فجر الثورة الليبية او غيرها، بل قصدت هم وعملائهم لدينا هم يستخدم نفس التكتيك ولقد لمحت الى ذلك بكل وضوح.
ممتعض | 27/07/2016 على الساعة 21:19
القديسة ماري أنطوانيت
أو هذا تحديداً ما يبدو أن كاتب المقال يحاول اقناعنا به ، وعندما يخبرنا أن يهوداً .. دون أن ينسى وصفهم بالتنويريين .. هم من تسبب في قيام الثورة الفرنسية وذلك من خلال الدسائس والمؤامرات والمكر اليهودي ، فإنما ليوحي إلينا بفكرة المؤامرة اليهودية لنلصقها نحن من بعد بما حدث في بلداننا ، كما أن سلسلته للإنقلابات التي شهدتها بلداننا في تاريخها محاولة لإشعارنا بالذنب على المشاركة فيما عشناه وعلى مباركتنا إياه ، وكأنما نحن كنّا قبلها نعيش في الفردوس أو في مدن فاضلة وليس تحت نعال أسوأ الديكتاتوريات التي شهدها تاريخنا .
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع