مقالات

أحمد الفيتوري

ما بعد الربيع العربي... إلى الخلف درَ!

أرشيف الكاتب
2016/07/25 على الساعة 15:52

(1)
عشت النصف القرن الأخير في عالم الكلمة الرئيسة فيه: عاجل، جاءت أنظمة عسكرية وذهبت أخرى، انقسمت بلاد وتوحدت أخر، ولدت بلاد وماتت أخرى، سقطت امبراطوريات وتفتت دول ودويلات، ومنذ انهار الاتحاد السوفيتي -ما ظن أنه الجنة الأرضية والنظام البديع والنهائي الابدي-وحتى قيامة الربيع العربي فإن الزلزال على حجم الكرة وبسرعة البرق.
لكن عاجل ما بعد الربيع العربي غدت كما الأكسجين ما لا أحد ينتبه أنه يتعاطاه في اللحظة عشرات المرات، ويبدو أن هذا الربيع، ما حصل في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وفي قلب العالم، موجاته قصيرة ومتتابعة وعاجلة حتى للمتابع الفاضي - كما الصحفي المختص - ما لا شغل له إلا نشرات الأخبار، وكما عاجلة فإنها تحدث في اتجاه واحد ومطردة، وإنها ما بعد الربيع العربي موجة مرتدة وعنيفة وموصومة بالإرهاب بغض النظر أينما تحدث وكيفما حدثت، ولعل السمة العامة للعالم الما بعد الربيع العربي هي النهوض اليميني الانقلابي والعنفي العنصري، وبعد أحداث سبتمبر 2001م صرح رئيس الولايات المتحدة حينها جورج بوش الابن أن الحرب الصليبية قد بدأت، أو كما قال فإنه بعد عقد من تصريحه هذا يبدو العالم كما في حرب دينية.
(2)
المراقب يرقب مشهدا من العالم القديم، كما من سيناريو فلم تاريخي: البلدان تبني الحصون على حدودها، البشر في حالة هجرة يجتازون العقب البرية والمائية بسبل ووسائل عتيقة، الحروب الأهلية حروب دولية فالعالم كله يلعب بأصبعه في هذه النيران التي تتقد وفي قلب العالم القديم، وفي عصر المعلومات لا يخجل محرر الأخبار ووكالات الأخبار من تناقل أخبار مثل طائرات مجهولة، أما شاشات التلفزيون فتنقل عملية قتل وإرهاب بدائية كما لو كانت مشاهد سينمائية تصور في استوديو ما، والزعماء الجدد في الكثير من الدنيا يستعيدون مشاهد وايقونات ومفردات ومترادفات من جينكزخان ونيرون والحجاج: اني أرى رؤوسا قد أينعت وقد حان قطافها.
ورغم أن البحر المتوسط له مضيق ضيق: مضيق جبل طارق، ورغم أن الشرق الأوسط هو العالم القديم فإن موجاته تنتقل إلى المحيطات وتكبر وتغمر الدنيا، فالمشاهد في تلفزيونات العالم تبدو مشهدا واحدا وبحاجة للتوصيف أنها تقع في استراليا أو ولاية أمريكية ... وهلم جرا، وما يردده الزعماء الجدد بحاجة للقول: أن هذا المتحدث هو مرشح الأمريكي للانتخابات القادمة، وأن هذه زعيمة اليمين المتطرف في بلاد ثورة الآخاء والمساواة والحرية، وهذا من بلاد الهند وذاك من السندن فـ"داعش" فيروس ينتقل عبر الأثير ويجتاز الحصون بل أنها خير سبيل لنقله.
(3)
وينقلب السحر على الساحر، فما قبل الربيع العربي، وقبل عند خواتم الحرب الباردة اتخذ من الإرهاب وسيلة لحسمها، وقبل جربت الحرب النووية كمسك ختام للحرب الساخنة الثانية، ولم يعد بالإمكان اعادتها فالكثير من دول الحرب الساخنة صارت لها أسنان نووية، هذه الوسيلة غير النووية أي الإرهاب كانت الوسيلة المستعادة من العالم القديم لحسم الحرب دون تكاليف باهظة، لكن إعادة احياء فيروس الطاعون في عالم بات قرية، كان ذلكم كالمستعير بالنار من الرمضاء، فذا الطاعون ينتقل وتنتقل عدواه عبر تويتر والفيس بوك، وكما كانا وسيلة للربيع العربي أمسيا الوسيلة المثلى لما بعده... وهنا أيضا ضع هلم جرا.
(4)
ان نيس وإسطنبول وباريس وأزمير والولايات الأمريكية و.و.و.و... كما بغداد وبنغازي وتعز وسوريا بقضها وقضيضها، وان "ترامب" و"حركة حزب الشاي" الامريكية و "ماري لوبان" الفرنسية و"هوفر" النمساوي ووووو كما "البغدادي" يريدون انشاء دولتهم المتعصبة الاستئصالية، ومن بريطانيا تبزغ الروح الانفصالية الانقسامية.
لقد بات العالم ما بعد الربيع العربي في حال: إلى الخلف درَ... هذه الحقيقة تبين أن الموجة الاولي من هذا الربيع كانت الثورات، وأن الموجة الثانية كانت موجة الارتداد، فهل يصح هنا مبدأ الجدل الثلاثي المعروف المكون من الشيء ونقيضه ثم الثالث المرفوع الذي لم يبان له علامة حتى الساعة؟
أحمد الفيتوري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع