مقالات

سليم نصر الرقعي

تصوري للدولة الديموقراطية المسلمة (1/2)

أرشيف الكاتب
2016/07/24 على الساعة 14:15

تصوري للدولة الديموقراطية المسلمة (1/2)
لا علمانية ولا اخوانية ولا سلفية!

الدول التي تمارس الديموقراطية اليوم في العالم أغلبها توصف بأنها دول علمانية !، فما هي طبيعة الدولة العلمانية !؟، وهل يمكن اقامة دولة علمانية حرة ومستقرة وديموقراطية في الدول التي الغالبية فيها مسلمون خصوصا في دولة كدولة ليبيا!؟.
الجواب:
علمانية الدولة تعني ان يكون مذهبها ومنهجها الاساسي هو العلمانية وهذا يعني ان الدولة كجهاز سياسي واداري وقانوني ومؤسسات حكم لا تتبنى اي دين من الأديان مع انها تتبنى الهوية القومية والوطنية للمجتمع فهي دولة علمانية فرنسية او تركية أو روسية ..الخ، اما الدين فلا تتبناه والا ما كانت دولة علمانية!، فالدولة العلمانية دولة لا دينية اي ليس لها دين، ومع ذلك فهي قد لا تحارب أديان او دين السكان، اذا لم تكن دولة علمانية شيوعية ملحدة تتبنى الالحاد ومحاربة الأديان كما حصل في حقبة المعسكر الشيوعي، بل تحصر الدولة العلمانية دور الدين في الحياة الشخصية او المعابد وقد تفسح له المجال في بعض التشريعات المتعلقة بالأحوال الشخصية والعائلية كالزواج والطلاق والمواريث الا اذا اعتقد سادة الدولة العلمانية (النخبة العلمانية الحاكمة والمسيطرة) أن هذه الأحكام الدينية مخالفة للعدالة الانسانية كأن تعتبر تعدد الزوجات مثلا ً أمر غير عادل وغير حضاري وأن الطلاق يجب أن لا يقع الا بحكم المحكمة وليس بكلمة من الزوج /الرجل بل باتفاق بين الشريكين أو بحكم القاضي، وكأن تعتقد أن عدم المساواة في الميراث بين الذكور والإناث إجحاف وعنصرية ضد المرأة !!، فعندئذ لن يسمح سادة الدولة العلمانيين بإمرار وإقرار هكذا أحكام دينية في قوانين دولتهم !، فهذه هي الدولة العلمانية فهي دولة تحتكم للفكرة العقلانية والخبرة الإنسانية المفصولة عن التعاليم الدينية !، أما إذا أقررت في دستور دولتك أن (الإسلام دين الدولة) فهذا يعني ان دولتك ومن حيث المبدأ ليست دولة علمانية فالدولة العلمانية كمؤسسات حكم لا دين لها !، أما اذا فصلت الدولة عن الدين وقررت أن تكون الدولة محايدة لا دين لها فهذه دولة علمانية، وهذا غير ممكن في مجتمع مسلم، فمادامت " الدولة" كما في المفهوم الديموقراطي السليم هي دولة الشعب وهي خادمة المجتمع حيث المجتمع هو السيد المخدوم، والدولة هي التابع الخادم، فالمجتمعات المسلمة، والحال هذه، ستصر ان تكون دولتها دولة مسلمة وان الاسلام هو دين دولتها، فلن يقبل المجتمع والشعب المسلم بأن تكون دولته دولة كافرة ملحدة ولا علمانية لا دينية محايدة، أي سيظل المجتمع المسلم يصر على ان يكون الاسلام هو دين الدولة، وهذا يعني بالعموم عدم مخالفة الدولة لما هو معلوم من الدين بالضرورة او ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة من الدين وليس بالضرورة ان تكون الدولة المسلمة دولة دينية بالمعنى الاصطلاحي المعروف والتي يحكمها رجال الدين أو تكون تحت ولاية الفقيه والمفتي المرشد !، بل هي دولة مدنية يحكمها ساسة مخضرمون يحترمون هوية مجتمعهم المسلم وثوابته الدينية كما هو حاصل في الغالب في اغلب الدول المسلمة اليوم ، ولهذا السبب الواقعي لا يمكن تطبيق العلمانية وفرضها كمنهج ونظام للدولة في مجتمعاتنا المسلمة وخصوصا في مجتمع كالمجتمع الليبي الا من خلال حكم جبري ديكتاتوري تسيطر من خلاله نخبة علمانية على مقاليد الحكم وتفرض العلمانية كمنهج للدولة !، وهي في سبيل ذلك ستمارس هذه الديكتاتورية والوصاية على الشعب بدعوى أنها مرحلة ثورية ضرورية لعلمنة الدولة ومحاصرة التدين ورجال الدين في المساجد والحياة الخاصة، وهي تجربة مجربة وفاشلة في عالمنا العربي ستنتهي بصعود الأصولية الاجتماعية عاجلاً أو آجلا ً أشد قوة وشراسة من ذي قبل كما نشاهد اليوم، فالتطرف العلماني يولد التطرف الإسلامي الديني وخصوصا ً السلفي!!، لهذا انا اعتقد ان النموذج الواقعي والعقلاني المتاح والممكن بل والمناسب لطبيعتنا وخصوصيات مجتمعاتنا المسلمة وخصوصا ً المجتمع الليبي المسلم هو اقامة (دولة وطنية ديمقراطية مسلمة) ليست علمانية ولا اخوانية (*) ولا سلفية بل تتمتع بقدر كبير من المرونة والانفتاح والتسامح والليبرالية والتمييز بين رجال الدين ورجال السياسة، وبين ما هو كلام الله ورسوله وما هو كلام البشر وهذا محور أساسي في التجديد الديني المنشود (**) !!، هذا الممكن الوحيد وهو التحدي الجاد والحقيقي امام النخب الليبية المثقفة والسياسية الوطنية الراشدة سواء كانت من معسكر الاسلاميين او معسكر العلمانيين او المعسكر الوطني العريض غير العلماني ولا الاسلامي !!، غير هكذا سواء كان مشروع العلمانيين (ليبراليين ويسارين واشتراكيين) او مشروع الاسلاميين (اخوان وسلفيين) هو حرث في البحر ومضيعة للجهد ولعمر وطاقات هذه المجتمعات!.
أما ما هي أهم معالم هذه (الدولة الوطنية الديموقراطية المسلمة) او (الدولة المسلمة الديموقراطية) وما هي أهم الخطوط العريضة في ملامحها العامة، فهو ما سأتطرق اليه ان شاء الله في الجزء الثاني من مقالتي.
سليم الرقعي
(*) قولي (لا إخوانية) لا يعني أنني أرفض مشاركة جماعة الإخوان في الحياة السياسية بل حتى لو اختارهم الشعب لتشكيل الحكومة والرئاسة لست ضد هذا من حيث المبدأ لكن المرفوض هو (أخونة الدولة) تماما ً كما أرفض (علمنة الدولة) أي من خلال التشريعات والمنهج والشخصيات القيادية فيها فالاخوان لديهم نزعة شمولية للهيمنة على الدول التي يحكمونها ويعتريني الشك حيالهم حول صدق وصحة وعمق موقفهم من الديمقراطية كحال بعض العلمانيين أيضا ممن تعتريني شكوكا في توجهاتهم الديمقراطية والليبرالية خصوصا من بقايا المعسكر الاشتراكي المنهار الذين انقلبوا لليبرالية فقط ليستعملونها كغطاء لهم في محاربة الإسلاميين!!.
(**) تجديد فهمنا للدين والدنيا أمر اساسي في تحقيق النهوض الحضاري الجديد ومن أسس هذا التجديد هو تجديد طريقة فهمنا وتعاملنا مع النصوص الدينية (القرآن والسنة)، واعادة تنقيح الروايات الدينية والتاريخية بغربال اشد صرامة من غربال النقاد الأوائل من أهل الحديث (البخاري ومسلم) كما أننا في حاجة ماسة الى غربلة التراث الديني بعامة والتفريق بين الأحكام والنصوص في درجات الحجية والإلزامية، منها أن بعض الاحكام التي صدرت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم تصدر عنه بوصفه (نبي مبلغ عن الله ومشرع للأحكام الدينية) بل صدرت عنه إما كحاكم وقائد سياسي وعسكري للجماعة والدولة المسلمة الأولى الناشئة فهي في حكم السياسة والقوانين والأحكام السلطانية  أو صدرت عنه كقاض يجتهد في تحقيق العدل كما يسمع من المتخاصمين والشهود أو صدرت عنه كفقيه ومفتي مجتهد في قضايا مرتبطة بظروف البيئة العربية في تلك الآونة، وبهذا التمييز والتفريق بين الاحكام والسنن الصادرة عن النبي بطريقة علمية منضبطة يمكننا ان نعرف ما هو ملزم للمسلمين بنصه في كل زمان ومكان من كلام النبي وما هو غير ملزم لأنه من باب الفتاوى والسياسة الشرعية والأحكام والسياسات السلطانية المتعلقة بظروف الفتوى واحوال الناس والدنيا في حينها !، وسأكتب في هذا الخصوص بحثا بضرب الامثلة من احكام النبي في كل هذه الأنواع والحالات ان شاء الله.

سليم الرقعي | 26/07/2016 على الساعة 10:51
الاخ صاحب التعليق الذي قال أن الدولة
الدولة ليست كائن مجرد غير شخصي !!؟ ، هذا مخالف للواقع ولعل هذا التعريف ناتج عن الاستغراق في الفلسفة المثالية كفلسفة هيغل في البحث عن حقيقة الدولة ، الفلسفة مفيدة من حيث تعطينا اطارات عامة للفهم ولكن وحدها لا تكفي بل لابد من العلم الذي يتعامل مع الواقع الم
مشارك | 26/07/2016 على الساعة 00:52
تعليق
لدي امل ان من لديهم فعلا غيرة على دينهم و اهلهم و شعبهم (غيرة عليهم خارج الغيرة على المصالح الذاتية اي: عاطفة ايثارية صافية) هؤلاء سيرون بالتدريج كيف ان ادخال الدين في الدولة يدمر دين الفرد لفقدان القدسية و خصوصية العلاقة و يدمر الدولة لان الدولة كائن مجرد غير شخصي و هو الوسط الذي تتم فيه تعاملات افراد المجتمع فلا أقل من ان يكون وسطا محايدا في كل شيء الا في ما يهدد كيان و سيادة الدولة و القانون.
Ghoma | 24/07/2016 على الساعة 22:53
The State Is Not Human
To be a good analyst and opinion-maker you've to understand the rudimentary rules of the game. For example the difference between what is from what should be! That's the difference between analysis and normative statements. In your piece there' s jumping from one to the other in non-sequitur manner. Religion is for people, humans! The state is made up of a bunch of institutions, as such can be without religion, ideology, or whatever. The population of secular states are still religious. States that are based on religion are always in crisis because of the nature of the Scripts and their fluid interpretations. You can't have a state with its rules up in the air according to how some bearded guys wake up in the morning. If you want stability, prosperity, etc, you've to set fair and clear rules. Thanks. Ghoma
amerina darhopy | 24/07/2016 على الساعة 18:18
Federal system
Mr Rogay, your mentioned before how federal system could serve Libya best, I think you're wright . Every region should look after its inhapitants whereby overall national state is respected by all to. Best of luck with your work
ممتعض | 24/07/2016 على الساعة 16:23
استكمال للتعليق
وانحطاط بسبب استشراء الأدواء الفكرية والإجتماعية والأخلاقية بسبب تضخم النزوعات الأنانية العنصرية والعصبية ( إثنية وجهوية وأيديولوجية ) الجاهلية التي تناقض الدين والعلمانية معاً بسبب مناقضتها للعقل والإيمان السويين ، ويحسن أن نتذكر الأساس الديني للعلمانية ، الذي جاء على لسان السيد المسيح عليه السلام ( إعط ما لقيصر لقيصر ، وما لله لله ) ولعل الفهم والتفسير القاصرين لهذا القول هو ما دفع دعاة العلمانية إلى تضييق حدود إلى حدود العلاقة الشخصية بين المخلوق وخالقه ، والى فصل الدين عن الدولة ، وذانك فهم وتفسير قاصران ، فَلَو عرف المفسرون مثلما كان ابن يعرف ويعني بقوة ( أن قيصر وماله لله ) لما فاتهم حاجة الإنسان فرداً وجماعة إلى عقد اجتماعي عقلاني لا تخفى الحاجة إلى الدين ( وفق رؤية الدين الأصلية ) النقية من الملوثات الأيديولوجية في تحقيقه .
Ghoma | 24/07/2016 على الساعة 16:10
The Stae Is Not Human...!
To be a good analyst and opinion-maker you've to understand the rudimentary rules of the game. For example the difference between what is from what should be! That's the difference between analysis and normative statements. In your piece there' s jumping from one to the other in non-sequitur manner. Religion is for people, humans! The state is made up of a bunch of institutions, as such can be without religion, ideology, or whatever. The population of secular states are still religious. States that are based on religion are always in crisis because of the nature of the Scripts and their fluid interpretations. You can't have a state with its rules up in the air according to how some bearded guys wake up in the morning. If you want stability, prosperity, etc, you've to set fair and clear rules. Thanks. Ghoma
ممتعض | 24/07/2016 على الساعة 16:07
الذات الفردية كمحور للمجتمع والدولة
للخروج من الموقف المرتبك والمربك الذي يضع الدين كمنظومة من الحقائق ( المبادئ والقيم ) المتجذرة في نفس الإنسان ، والقادرة على إضفاء المعنى على وجوده ، وبين العلمانية كاختيار عقلاني مترتب عن إجتهاد إنساني في سياق البحث عن مخرج مما يكتنف الوجود البشري من مآزم كيانية آتية أساساً عن الإنحيازات الأنانية ( لأنا فردية ) متخلفة ومنحطة يجسدها طاغية يدعو نفسه ويدعوه أتباعه ظل الله في الأرض ، أو أمير المؤمنين ، أو القائد الملهم ، أو متورمة إلى ( نحن ) لا تقل تخلفاً ولا انحطاطاً تجسدها إثنية أو جهة أو أيديولوجيا ، وهي أي العلمانية تلتقي بالدِّين عند هذا الهدف النبيل ، أي اتاحة سبيل عملي وواقعي قدر الإمكان لتحرر الإنسان من كل أشكال القهر الفردي والمتورم ، وذلك لا يجعل من الدين والعلمانية نقيضين ، بل فقط طريقتين مختلفتين في فهم وتفسير الوجود ومكوناته ، ولعل أهم الفوارق بينهما هو اصرار الدين .. واعني الإسلام تحديداً على أن يكون منهجاً للحياة في إطاريها الخاص والعام ، وذلك تأسيساً على عقد اجتماعي يتحدانا الاسلام نفسه إلى البحث عنه وإظهاره ، وتلك مهمة ليست بالهينة في ظل ما يكتنف الثقافة الاسلامية و
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع