مقالات

يوسف الشريف

"الصحافة"

أرشيف الكاتب
2017/07/26 على الساعة 16:21

خلال الأسبوع الأول من يناير سنة 1992 وقع في المشهد الصحفي الليبي حدثٌ غير عادي على اعتبار ما كان سائداً يوم ذاك، والمتمثل في حصر إصدار ونشر الصحف والمجلات على النقابات المهنية والروابط دون غيرها بحكم ما جاء في الكتاب الأخضر باستثناء اللجان الثورية التي كانت لها صحافتها وتأتي جريدة "الزحف الأخضر" على رأسها، ورغم أن الصحافيين كانت لهم نقابتهم إلا أنها لم تصدر جريدتها لأنها لم تكن إسماً على مسمى، وهنا نصل إلى الحدث الذي وقع في الأسبوع الأول من ذلك العام، فقد اتصل بي السيد "محمود البوسيفي" وكان نقيباً للصحفيين وقال إنه قرر أن يصدر جريدة يومية بأسرع ما يمكن، وقال إن أصدقاءً سيساعدونه وطلب مني المشاركة، وقال أيضاً أنه يريدها جريدة متميزة عن كل السائد الصحفي، وقال أيضاً أنه حاز على موافقة الجهات العليا، أي أن الموافقة جاءت من الأخ القائد، والموافقة كانت ضرورية لأن النظام وإن كان لا يؤمن إلاّ بالصحافة المهنية وقد كان منها العشرات، لكن أن تصدر نقابة الصحفيين جريدة فذلك أمر آخر، لذلك كنتُ أشكُ في ترحيب النظام بصدور هذه الجريدة والتي اختار لها "محمود" اسم "الصحافة" ومن جهة أخرى كنتُ أثق في خبرة "محمود البوسيفي" الصحفية وأنه قادر على إصدارها بحرفية مهنية متميزة، ولأني كنتُ أتوق إلى جريدة حقيقية في الشكل والمضمون فقد وافقتُ وسأكتب الصفحة الأخيرة من الجريدة، والمهم أن تطبع الجريدة "تحت حس مس"، وعلى أن تكون معروضة في الأكشاك بعد يوم وقبل أن ينتبه العدو.

قال إنه يريد المقال هذه الليلة، وقال إنه سيمر بعد ساعتين لاستلام المقال، لكن لم يكن المقال جاهزاً إلاّ بعد ساعات. كتبته "صحافة وصحفيون" يبشر بصحافة جديدة وتوقعتُ ردود الأفعال على الرسالة التي كان يوجهها. وفي صباح يوم 8/1/1992 توقفتُ عند الكشك الواقع في باب بن غشير وكنتُ في طريقي إلى بيت أبي في الهضبة، سألتُ الرجل هل وصلتك جريدة ليبية هذا الصباح..؟ أجاب: لا. لكن فيما كانت عيني تجول على الصحف والمجلات المعروضة لفت نظري جريدة خِلتُ أنها عربية لكن لم تكن عربية بل كانت ليبية، كانت جريدة "الصحافة" جريدتنا، كان صباحاً يشع سعادة وفرحاً. فردتُها، شممتُ رائحةَ الورق، ذهبتُ إلى الصفحة الأخيرة ووجدتُ مقالي. في تلك اللحظة تمنيتُ من كل قلبي لو أن كل الليبيين يقرأون الصحف، فكرتُ في ردود الأفعال، اشتريتُ مجموعة أعداد وواصلتُ طريقي إلى بيت أبي، كنتُ أنتظرُ "محمود" لأرى فيه الفرح الغامر، فهو صحفي حقيقي وبقلم متميز خاصة، وهو يكتب في "حدائق التراب".

في العشية جاء ولم يكن للفرح وجود على وجهه، كان مهموماً وحزيناً، قال: القيامة قامت ولم تهدأ حتى الآن، قالوا إن الأخ القائد لم يمنح موافقته، كانت الجريدة صدمة للجهات الرسمية ولم يكونوا يتوقعونها بأن تكون بهذه المهنية العالية ثم بهذه الكتابات، سمعنا أنهم يجمعونها من الأكشاك، أسرعتُ إلى الكشك لأنقذ بقية الأعداد لكني وجدتهم وقد سبقوني. جرى التحقيق مع "محمود" وقال إن مقال الصفحة الأخيرة أثار غضبهم، وفهموا الرسالة الموجهة إليهم خاصة وأنهم يعرفون حقيقة مشاعر الكاتب نحوهم، لم يحققوا معي لكن ترسخ عند الجميع أن مقالي هو الذي أوقف جريدة "الصحافة" وهذا ما أرفضه، لأنهم في الواقع لا يريدون صحافة خارج مقولات الكتاب الأخضر.

يوسف الشريف

(*) من كتاب الأديب والقاص الكبير الأستاذ يوسف الشريف (الخلاصة: أسئلة وكلمات)، مكتبة طرابلس العلمية العالمية، الصفحة 211-212.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع