مقالات

إبراهيم محمد الهنقاري

ثورة ٢٣ يوليو... مالها وما عليها.!؟

أرشيف الكاتب
2017/07/26 على الساعة 15:33


 

قرأت باهتمام الحوار الذي أجرته الصحيفة الالكترونية "رأي اليوم" الغراء مع الشاعر الكبير احمد عبد المعطي حجازي بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لحركة الجيش المباركة التي تغير اسمها الى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.

الشاعر الكبير عبر عن الاحباط الذي يشعر به والذي يشاركه فيه الملايين من العرب الذين كانوا يتوقعون من ثورة ٢٣ يوليو تحقيق كل الشعارات والمبادئ التي رفعتها ولكنهم اصيبوا بالصدمة حينما عاشوا وشاهدوا حصادها المر كما أسميته في احدى خواطري في بعض وسائل الاعلام.

اعلم انه لا يمكن تقييم تاريخ كبير كتاريخ ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢بما له وما عليه وهو تاريخ بالغ التعقيد اختلط فيه الفرح بالبكاء والسعادة بالشقاء والهزيمة بالانتصار والامل بخيبة الأمل، اعلم انه لايمكن تقييم مثل هذا التاريخ  او اختزاله في مقال صحفي واحد.

ان التاريخ البشري كله وليس ثورة ٢٣ يوليو فقط عبارة عن حلقات متواصلة من هذا المزيج الغريب من المتناقضات والمواقف المثيرة للجدل والتي شهدت امثالها ثورات عالمية كبرى ودول وامبراطوريات كبيرة في الشرق والغرب وفِي الشمال وفِي الجنوب عبر التاريخ الإنساني كله.

لاشك ان ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ كانت حدثا مدويا في تاريخ مصر الحديث والملييء هو الاخر بالمتناقضات .  فقد كانت هناك ملكية دستورية شبيهة الى حد ما بالملكيات الأوروبية وكانت هناك احزاب سياسية وكانت هناك حرية صحافة وكانت هناك نهضة ثقافية وفكرية واقتصادية لم تشهد مصر مثيلا لها من قبل. ولكن بالمقابل كان هناك إقطاع وكان هناك استغلال للنفوذ وكانت هناك قواعد عسكرية بريطانية وكان هناك تدخل بريطاني في الشؤون الداخلية المصرية وكان هناك قصر وباشوات كانت لهم اليد العليا في إدارة الشان المصري والتحكم فيه. وكان هناك فساد نسبي في الادارة المصرية وفِي سلوك بعض المسؤولين المصريين ايضا.

رفعت الثورة في البداية شعارات ودعت لتحقيق أهداف لقيت ترحيبا كبيرا من الجماهير المصرية اولا ثم من الجماهير العربية من بينها القضاء على الإقطاع وقانون الإصلاح الزراعي وبناء جيش قوي. ثم طورت الثورة أهدافها برفع شعارات الوحدة العربية والقومية العرببة وتحرير فلسطين والاشتراكية اوالتوزيع العادل للثروة ومجانية التعليم. ثم تأميم قناة السويس وبناء السد العالي. ثم اعلان الوحدة بين مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة. ثم دعم حركات التحرر في افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية. ثم اعلان حركة عدم الانحياز والإمعان في معاداة الغرب والولايات المتحدة وزيادة الاقتراب من المعسكر السوفييتي.

ثم بدأت النكسات يوم ١٤ نوفمبر١٩٥٤باقالة واعتقال اللواء محمد نجيب الذي اقترن اسمه وسمعته بالثورة والذي لولاه لم تكن لتقوم حركة الجيش التي تحولت فيما بعد الى الثورة وإلقائه في السجن تحت ظروف لا تليق حتى بالحيوانات كما قال هو في مذكراته. وكانت تلك هي البداية لكل الانحرافات والأخطاء والخطايا والرزايا التي تعرضت لها تلك الثورة. فتأميم قناة السويس أدى الى العدوان الثلاثي و تدمير الجيش المصري وتعطيل القناة. وبناء السد العالي أدى الى استفحال ديون مصر الخارجية وارتمايها تقريبا تحت السيطرة الكاملة للاتحاد السوفييتي. وانفصال سوريا عن مصر كان ضربة قاسية لحلم الوحدة العربية والقومية العربية. والدعاية الكاذبة والمفرطة عن "اكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط " وعن الصواريخ التي أسموها " القاهر" و"الظافر" القادرين على تدمير اسرائيل والاقدام دون حساب للعواقب على إغلاق مضايق تيران ومنع مرور السفن الإسرائيلية من قناة السويس أدى الى كارثة او نكبة حزيران التي انتهت بهزيمة منكرة لجيوش ثلاث دول عربية واحتلال القدس الشريف والضفة الغربية لنهر الاْردن واحتلال هضبة الجولان السورية واحتلال كامل صحراء سيناء وقطاع غزة ووصول الجيش الاسرائيلي الى الضفة الشرقية لقناة السويس ووقف تلك القناة عن العمل وحرمان مصر من مصدرها الرئيسي من العملة الصعبة. واستمر الحال على ذلك المنوال حتى حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ وما تبعها من الاتفاقيات والتسويات بين مصر وإسرائيل تم بموجبها اعادة فتح قناة السويس وانسحاب اسرائيل من سيناء وعزل مصر عن بقية العالم العربي.

قال المرحوم اللواء محمد نجيب في كتابه "كلمتي للتاريخ": "لقد قمنا بثورة فحولوها الى عورة"!! وقال أيضا في كتابه "كنت رئيساً لمصر" انه كان هناك "فاروق" واحد قبل الثورة فأصبح لدينا بعدها ١٢ "فاروقا" هم أعضاء مجلس قيادة الثورة.!! اختفت "الثورة" وحلت محلها "دولة المخابرات.". والذي قال: "ارفع رأسك يا اخي.. فقد مضى عهد الطغيان"! هو نفسه الذي قال "عاوز أدوس على زر فيقف الشعب.. وادوس على زر فينام الشعب!!." حينما غادر اخر ملوك مصر وهو الملك فاروق الاول ملك مصر والسودان رحمه الله ميناء الاسكندرية على اليخت الملكي " المحروسة " الى منفاه يوم ٢٦ يوليو ١٩٥٢ كانت ديون مصر الخارجية صفرا من الدولارات.!! وحينما غادر الزعيم جمال عبد الناصر الدنيا يوم ١٩٧٠/٩/٢٨ كانت ديون مصر الخارجية قد بلغت مليار وسبعمائة مليون دولار. وبعد حكم ستة من العسكريين المصريين ومدني واحد كان من جماعة الاخوان المسلمين فان المعروف ان ديون مصر قد تجاوزت في سبتمبر ٢٠١١ حسب تقرير البنك المركزي المصري ترليون ومائتين وستين مليار دولار وذلك بعد التخفيضات وإعادة الجدولة لتلك الديون من قبل البنك والصندوق الدوليين ومن قبل نادي باريس ومن قبل الولايات المتحدة بسبب اتفاقية كامب ديفيد او اتفاقية السلام مع اسرائيل وبسبب مشاركة مصر في حرب تدمير العراق التي سُميت بحرب تحرير الكويت.! اما حجم هذه الديون الْيَوْمَ فربما اصبح من الكلام غير المباح فسكتت عنه شهرزاد مصر المحروسة.!!  لكنه يفوق بالتأكيد حجم تلك الديون قبل ست سنوات. وكان الله في عون مصر اليوم وغدا ان شاء الله.

ان جيلي الذي اسس بنيانه السياسي على شعارات ومبادئ ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ لم يكن يخطر بباله قط حينها انه إنما كان يؤسس ذلك الوعي على جرف هار فانهار به في نار الاكاذيب والهزيمة والدكتاتورية العسكرية ودولة المخابرات حتى آفاق بعد فوات الاوان على كلمات توفيق الحكيم في كتابه "عودة الوعي". غير ان تلك العودة كانت متاخرة قليلا او كثيرا.

لا احد يشك في وطنية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ولا في إخلاصه لمصر وللعروبة ولا في نزاهته ونظافة يده ولكن ما انتهت اليه ثورته من الفشل والهزائم والاحباط لابد انه كان اكثر الناس إحساسا بمرارته وتأثرا بما خلفه من اثار سيئة ليس في مصر وحدها او في الوطن العربي وحده بل في كل مكان في العالم كان سكانه يحلمون بالحرية والكرامة والقضاء على العبودية والاستعمار والاستغلال.

رحم الله اللواء أركان حرب محمد نجيب قايد وأول ضحايا ٢٣ يوليو. ونحمد الله انهم قد تذكروه الان وأقاموا قاعدة عسكرية تحمل اسمه على حدود مصر الغربية… رحم الله البكباشي جمال عبدالناصر حسين ورفاقه الذين انتقلوا الى رحاب الله وستبقى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ مدرسة للوطنية رغم اخطائها وخطاياها. وحساب الجميع بعد ذلك عند الله سبحانه وتعالى.

ابراهيم محمد الهنقاري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع