مقالات

محمود أحمد أبو صوّة

المماطلة المستدامة!

أرشيف الكاتب
2017/07/24 على الساعة 16:13

بادئ ذي بدء أود التوجه بسؤال  للقائمين على أمر البلاد: لقد حاولتم إدارة البلاد كسابقيكم من فوق فأفسدتم كل شيء؛ وحين تبين لكم فشلكم كسابقيكم أصحاب مشروع/سؤال: (ماذا يريد الليبيون) لجأتم بدوركم للشعب ليس باعتباره شريكا في إدارة البلاد بل باعتباره "محللا"!!! وسؤالي هو ألم يحن الوقت بعد أن تدركوا ان المبادرات التي يتم الإعلان عنها هي مبادرات فوقية ومن ثم فإنه من الطبيعي أن تنتهي إلى الفشل؟

ولأن السؤال الذي لا يحظى بإجابة عادة ما يدفع السائل لتكراره أو أن يردفه بسؤال آخر، فإنني أفضل في هذا السياق  طرح سؤال إضافي لكنه متمم للسابق؛ أقول لقد تم تسيير البلاد ولعقود من فوق فما ضركم "لو عدلتم" خاصة  وأن السبل ضاقت بكم  وأن تفكروا، وببساطة، في حل يبدأ من تحت؟ وحتى تطمئن قلوبكم فإن الدعوة للبناء من تحت لا تعني  ولا يمكن ان تعني استبعادكم، ففضلا عن أن إعادة بناء البلاد برأس دون قاعدة غير ممكنة فإن الدعوة إلى هيمنة/تغول القاعدة على حساب الرأس/القيادة سيدفعنا نحو دائرية خياراتها كما نراها الآن غاية في البؤس والتخلف!

والمتمعن في التجربة الليبية ذات الوجهة الأحادية يكاد يخلص إلى أنها انتهت بنا ومنذ عقود إلى تعميق ثنائية  حكام  مقابل محكومين! من المؤكد اننا في معظمنا (الحكام والمحكومين) وبسبب هذا التراث نرفض تحمل مسؤولية أخطائنا؛ ففي الوقت الذي نختزل كل الشرور في الرأس التي بقطعها تطمئن النفوس، يرفض الحكام وبنفس القوة مسؤوليتهم عن تخلف القاعدة/ البلاد، وهو ما جعلهم يستمرؤون نفس النهج الذي ابتدعه الغرب في حكم البلاد المحتلة والقائم على فرضية بلاد من دون عباد؛ وفي حال وجود العباد فهم كالسائمة التي لا تحسن قيادة نفسها وتكون من ثم مجبرة على الانصياع  لأوامر الراعي /صاحب النعم! وبالمناسبة إن نغمة التعالي على الشعب الليبي التي ابتكرها الغرب منذ القرن التاسع عشر على الأقل هي سمة لا يمكن حصرها  في الحكام فقط بل ويمكن سحبها أيضا على عدد غير قليل من المتعلمين الليبيين! وسأكتفي في هذا السياق بالتنويه إلى مقال نشره الاقتصادي الليبي حافظ الغويل باللغة الإنجليزية في 25 مارس 2015، مقال توجه فيه بالنصح للسيد برنادينو ليون الممثل الخاص الأسبق ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عنوانه يختزل الظاهرة بامتياز: "More stick less carrot needed in Libya", in:  Al Jazeera English.

تأسيسا على ما تقدم فإن الإقدام على طرح المبادرات في الفترة الأخيرة، "السيد عقيلة/البرلمان في فترة أولى مارس 2017   والسيد السراج/الرئاسي  في فترة ثانية 15 يوليو 2017"، أراه غير قابل للتنفيذ ذلك أن هذه المبادرات لم تصمم عن بعد وحسب، وكما كان الشأن في حوار الصخيرات، بل وتجاهلت عن وعي الدور الممكن/الكامن للشعب! لقد كنت أتمنى، وهذه الأمنية هي التي هيات للقائي السابق بالسيد السراج، أن تحتضن حكومة الوفاق الوطني كل الليبيين وأن تستمع إليهم في مناطقهم لا أن تنكفئ على نفسها في طرابلس وأن تصم آذانها عن مطالبهم؛ من المؤكد أن مشاكل البلاد الأمنية وقفت وما تزال تقف حائلا أمام العديد من المبادرات/الحلول(كالانتخابات التشريعية والرئاسية المقترحة في 2018) لكن تفعيل وزارة الحوار الوطني في حكومة الوفاق كان من الممكن أن يهيأ البلاد لمرحلة اقتراح المبادرات! غير أن فكرة اللجوء للشعب وتحميله نصيبه من المسؤولية على ما يبدو ما تزال تزعج الحكام في بلداننا المتخلفة. ففي اللقاء الذي تم مع السيد السراج استغربت عدم حضور الوزير المكلف بوزارة المصالحة الوطنية؛ فأجاب السيد السراج: ليس لدينا وزيرا للمصالحة الوطنية! ما السبب وقد مر على تشكيل الحكومة اكثر من سنة؟ فأجاب: إن المحاصة تقتضي وجود وزير من المنطقة الشرقية! سألت:وما المشكلة؟ فأجاب: لم نجد من يقبل بهذا المنصب؟ فقلت: يمكنني اقتراح اسم الآن(الدكتور نجيب الحصادي) وأسماء أخرى بعد التشاور مع هذا الاخير الذي سيقترح في حال رفضه المنصب كفاءة وطنية قادرة على أداء  وظيفة المصالحة على أكمل وجه! واتفقنا على هذا الأمر.

وفي اليوم التالي اتصلت بالدكتور نجيب وأخبرته بما دار في اللقاء حول هذا الموضوع وبادرت باقتراح اسم الدكتورة أم العز الفارسي؛ فقال اختيار جيد؛ أقفلت التليفون واتصلت بالأستاذة أسماء الأسطى وزيرة المرأة والتنمية الاجتماعية فقالت بالنسبة للدكتورة أم العز إنها مرشحة لمنصب آخر؛ عدت للدكتور نجيب وكان قد فكر في الأثناء بمجموعة أسماء بالإضافة للدكتورة أم العز وأخبرته بما دار بيني وبين الأستاذة أسماء فاقترح الأسماء التالية: الأستاذ عطية الأوجلي والأستاذ عصام الماوي والأستاذ سعد مبارك. أرسلت هذه الأسماء للأستاذة أسماء التي ردت على رسالتي وطلبت مني أن أشكر الدكتور نجيب وأخبرتني بأنها أحالت الأسماء إلى السيد الرئيس! بعد عيد الفطر مباشرة، اي بعد شهرين تحديدا، التقيت بالاستاذة أسماء في فضاء أصدقاء الفقيه حسن وسألتها عن  مصير وزارة المصالحة فقالت: لقد حولت الاسماء  للسيد الرئيس ولا جديد! وللتذكير وفي عجالة بآفة المماطلة في عالمنا سأكتفي بالتذكير فقط بأن حكومة الوفاق دخلت طرابلس في مارس 2016؛ واللقاء الذي جمع بعض افراد المجتمع المدني بالسيد السراج والذي اكتشفت فيه عدم تكليف شخصية من المنطقة الشرقية لمنصب أهم وزارة في الحكومة كان في شهر أبريل 2017؛ ومنذ أبريل إلى تاريخ صدور المبادرة يوليو2017 لم يقرر المجلس الرئاسي بعد الالتفات لمطلب، أي تعيين وزير للمصالحة، أزعم أن تفعيله  كان من الممكن أن يمهد لمبادرة  أكثر تماسكا وأكثر قبولا.

آسف على الإطالة لكن الحاجة لتوضيح حرص المسؤول الليبي في السابق والآن على التغاضي والمماطلة وعلى معاملة  أفراد الشعب كرعايا اقتضت هذا الشرح المطول! ففي نظام القذافي كانت هناك فكرة المؤتمرات الشعبية /الديمقراطية المباشرة؛ وبصرف النظر عن تهافت العديد من أركانها غيرأنها كانت قادرة، لولا حرص النظام على إفشالها، على كسر ثنائية حاكم ومحكوم ! والأمر نفسه ينسحب الآن على أصحاب المبادرات؛ من المؤكد أن التفكير في الإصلاح من خلال طرح المبادرات الآن هو أمر إيجابي بكل المقاييس لكن يجب التنبيه إلى ان الاعتماد على التغيير من فوق فضلا عن الحرص على استبعاد الشعب سيتسببان في استمرار سير البلاد نحو مستقبل غير معلوم لكنه من المؤكد أعرج!

في فهمي البسيط إذا أراد السيد السراج  صاحب المبادرة الأخيرة ان تفضي مبادرته لاحقا إلى حلحلة الوضع الراهن فعليه أن يسارع في اتخاذ قرارات أكثر جرأة، خاصة وأنه أفاد في مبادرته بأنه على الجميع تقديم التنازلات المؤلمة، وأن يتذكر بأن في البلاد عبادا، وأن يسرع في تعيين وزير للمصالحة الوطنية حتى وإن تأخر الأمر كثيرا، وأن يبتعد عن موضوع المصالحة الوطنية في شقها الاجتماعي وأن يركز أكثر على الجانب السياسي والاقتصادي وخاصة الأمني الذي يعصف بأركان الوطن الأربعة!!مجددا إن الإسراع في تكليف وزير للمصالحة الوطنية أراها خطوة إيجابية بكل المقاييس وقد تشكّل نقطة انطلاق لمصالحة حقيقية هدفها رأب الصدع بين فئات المجتمع الليبي من ناحية وبين السلطة والشعب من ناحية أخرى، وحتى تترجم أعمال وزارة المصالحة الوطنية إلى برنامج يقبله الجميع يجب على البحاث وأفراد المجتمعيْن الأهلي والمدني أن يقوموا بدعمها والمشاركة في إدارتها؛ فمشكلة بحجم التنافر بين فئات المجتمع الليبي من ناحية وبينهم وبين ولاة الأمر من ناحية اخرى هي مشكلة أعمق بكثير مما يتصوّر معظمنا، وتبعا لذلك فإنه من غير المنطقي تركها لفئة الناطقين باسم "الحكومة/البرلمان" أو باسم "الفئات المتضررة" أو "مناقشتها عن بعد وخارج الأراضي الليبية"؛ فهذه مسألة تمسّ أمن ليبيا الوطني ومن ثَمّ فإنه لا يجب ترك أمر البتّ فيها و/أو إيجاد الحلول لها لبعض أفراد المجتمع السياسي أو للمجتمع الدولي ومؤسساته المختلفة أو لبعض الناطقين باسم المكونات الثقافية والمناطقية الذين اختزل جميعهم مصالح البلاد والعباد في استحقاقات سياسية همّها حصد المزايا والمغانم عن بعد وعن قرب!

محمود أحمد أبوصوة

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع