مقالات

نورالدين خليفة النمر

ديمقراطية ليبية بلا ديمقراطية

أرشيف الكاتب
2017/07/24 على الساعة 16:17

ديمقراطية الواجهة، هي العملية السياسية، الحريصة على تنظيم وتكرار انتخابات ، ديمقراطية سطحية لا تنفذ إلى عمق المجتمع ولا تؤثر فيه على النحو المرغوب، فتُحصر عملية التحوّل السياسي في تسيير انتخابات شكلية يلبي متطلّباتها، وآلياتها مهندسو ديمقراطية الواجهة بديلاً عن الديمقراطية الحقيقية، التي تقوم عناصرها على: تهيئة الأحزاب وإنبنائها مجتمعياً في مضامين تعكس مصالح طبقات المجتمع أوفئاته، وتكريس حكم القانون وتثبيت آلية واضحة لضمان الشفافية السياسية، ودعم حرية الصحافة والإعلام، وتعزيز المجتمع المدني الواعي بحدود حقوقه المدافع عنها.

يتّم القفز على ذلك وينصبّ اهتمام القوى الخارجية الفاعلة في إدارة النزاع المحلّي، والمتخفيّة مصالحها وراء المؤسسات الدولية،على تنظيم انتخابات يسهل تزويرها، أو كما حدث في التجربة الليبية، يُتغاضى عن تزييف مضمونها ـ كالسماح للأحزاب بالمشاركة في الانتخابات، قبل صدور قانون ينظمّها، بل تطفح كمكوّنات بدون أهداف سياسية واضحة، أو بأهداف آيديولوجية غير وطنية مرسومة من أحزابها الأمّ خارج الحدود، ولاتقيّدها في عمومها برامج، وتنشأ بالصدفة مفصّلة على شخص مؤسسها ملبية رغائبه عاكسة مزاجه، أو تقديم الناخب نفسه كمستقل، ثم إعلانه بعد فوزه انتماءه المُسبق لأحد الأحزاب المشاركةـ بل التغاضي عن كل هذه الخروقات وغيرها بهدف إقناع النفس بوجود ديمقراطية لا تتجاوز في الحقيقة الواجهة الأمامية التي تسعى إلى تلميع صورة وضعية، الأمر الواقع القائمة وهي سيطرة المجموعات المسلّحة المتنافرة على مقاليد الأمور.

يتوّخى من انتخابات ديمقراطية الواجهة ثلاث غايات برجماطية تتحوّل إلى ثلاث مخادعات سياسية:ـ تحوير مفهوم الانتخابات من مبدأ تداول للسلطة ومسألة روتين للتناوب على إدارة دفة البلاد إلى مبدأ تمكين، بل قضية حياة أو موت بالنسبة للأحزاب الدينية المؤدلجة، وتقاسم حصص في كعكة السلطة بالنسبة للأحزاب السياسية غير الدينية، وبالنسبة للمترشحين الأفراد شغل وظيفة للترّبح مُرتباً وامتيازات. ولم يعد المنتصر هو الحزب الذي يفوز بأغلبية الأصوات بناءً على أهدافه وبرنامجه، بل الذي يتمكّن فيما بعد بالتلاعب بالتكتلات والجهويات، وبدلا من أن يسعى إلى خدمة الصالح العام في المدة الانتخابية المحدّدة يتفانى في إدامة سلطته وإطالتها ما أمكن من الزمن بإقصاء معارضيه، أو اختلاق الأعذار للتمديد في المدد الانتخابية، أو بالتمديد لمشروعيته بدون الرجوع إلى القاعدة الانتخابية، وهذا ماخبرناه في ظاهرتي المؤتمر الوطني العام ومجلس النوّاب في الحالة الليبية.

ـ المشاركة الكثيفة للناخبين عادة ماتُعدّ إنجازاً لديمقراطية الواجهة وآداتها الانتخابات، ولكن في واقعها هي ليست أكثر من تعبير رمزي عن حرية مكبوتة في الحقبة الدكتاتورية السالفة، أو نجاح السياسات المستندة إلى الهويات الانقسامية وتكتيلها على المحاصصة بدلاً عن السياسات الوطنية الموحدة والمعممة. وفي كل الأحوال لن تكون المحصلة لهذه الانتخابات إفراز حكومة فاعلة، أو ظهور كفاءات وطنية قادرة على إدارة الشأن العام، وهذا ماشهدناه في الحكومات الليبية الثلاث التي تداولت السلطات التنفيذية.

ـ الركون إلى أن الموارد الاقتصادية المتوفرّة كالريع النفطي، أو الأموال المُجنّبة لمصالح الدكتاتور وأغراضه والموضوع عليها اليّد في حسابات خارجية، تساعد أحياناً في دعم ديمقراطية الواجهة، ولكن في حالة الدولة التي تمزقها الاختلافات، والتجاذبات تصبح تلك الموارد عاملا مؤججاً للصراع وعنصراً مشجعاً على الاستئثار بالسلطة، بغرض الحصول على حصة في هذه الأموال، وبناء مؤسسة فساد جديدة أسوأ من منظومة فساد الحقبة الدكتاتورية السابقة.

تقود الديمقراطية المنشغلة بالمظاهر على حساب الجوهر والمهتمة بعملية انتخابية ناقصة في الأغلب إلى مفاقمة العنف السياسي الذي ينتج من الحالة المجتمعية الاستثنائية المعبر عنها بالتمرّد أو الانتفاضة، أو الثورة، وبدل تقليص العنف والحد منه، نراه يتمادى كما في الحالة الليبية في سلوكات حرابية وإجرامية بأسباب تفكّك المؤسسة العسكرية والأمنية التي لم تكُن مؤسسة في السابق على مبدأ وطني، والعجز شبه الكامل من الحكومات الناتجة عن هذه البيئة السياسية المختلّة، حيث ضعفها والنقص في مصداقيتها يساهم في استمرارية العنف الاستثنائي بمعاذيره ومبرّارته المألوفة كالمحافظة على الثورة، واستمراريتها وسحق الثورة المضادة، وفي الحالة الليبية شهدنا تنصّل المنتخب من موقعه السياسي وشغله لموقع احترابي كونه طرفاً وقائداً لفصيل عسكري محارب لفصائل منافسة حلّت كميليشيات بديلة عن الجيش والشرطة. فعكس ما يُنتظر من الديمقراطية التي يفترض فيها تكريس وحفظ الاستقرار وتدبير الاختلاف بين أطراف المجتمع المختلفة، يتّم اللجؤ إلى هذا الشكل المصطنع من السياسة التي تكون عاملا مؤججاً لزعزعة الاستقرار في البلدان الهشة التي مرّت بحقبة دكتاتورية طويلة لم يسمح فيها بتطور مؤسسات مجتمعية قوية قادرة على احتضان الفكر الديمقراطي وترجمته عمليّاً إلى ازدهار اقتصادي واستقرار سياسي عبر قواعد واضحة، وتقاليد سياسية راسخة، وفي ظل إنفاذ تام لنظام المراقبة وتوازن السلطات وتوزيع عادل للموارد وسيادة حكم القانون والمساءلة القضائية.

نخرج من هذه التجربة السياسية التي أسميناها بديمقراطية الواجهة بثلاث خُلاصات: ـ أنه من التبسيط بل والخطورة بمكان افتراض أن الانتخابات التي تلي مرحلة الصراع تمثل مخرجا من مخاطر الحرب. قد تطفو على الجو السياسي العام قشرة خارجية مضللة تجنح مؤقتاً للسلم وتركن لقوانين اللعبة الانتخابية، لكن بمجرد توالي ظهور نتائج الانتخابات يختفى ذلك الشعور بوجوب التوجه نحو الديمقراطية، فيكون البديل التمكين بأدوات العنف.

ـ تبدو في ديمقراطية الواجهة أن أكثر الاستراتيجيات الانتخابية مخالفة للقواعد هي ألأكثر فاعلية وأن احتمالات الخسارة ستكون للمرشحين الذين يحاولون ممارسة قوانين التحاكم إلى المبادئ الديمقراطية في حدّها الأدنى.

ـ أن الأفراد ذوي الميول الإجرامية هم الأكثر احتمالا لولوج عالم السياسة والنجاح فيه!!. وهذا لايكون فقط في البلدان التي تفتقد إلى الاستقرار بسبب الفقر في الموارد، بل المفاجأة الليبية أثبتت حصول ذلك في البلدان الغنية بالموارد الطبيعية.

هل من بديل لهذا المسار السيزيفي؟!. نعم إنه سياسي، ولكن من ينفّذه على الأرض ؟هذا هو السؤال! وحتى الإجابة عليه ليس أمامنا إلا تكرار الانتخابات ذاتها.

نورالدين خليفة النمر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
اومة | 26/07/2017 على الساعة 03:54
الديمقراطية كأي مشروع ينمو ويتطور ملي بالاخطاء التي لابد من تجاوزها لجني ثمار تطبيقها...؟
ربما اكبر كارثة تاريخية، وفِي نفس الوقت فرصة لا تعوض، وجود العالم المتقدم، كهدف بعيد المنال وكقدوة يحتذى بها ، امام المجتمعات المتخلفة! الديقراطيية تبقى، كأي اختراع اساسي، ثقافة قبل ان تكون اداة! صحيح الاداة اسهل للاستعمال من الفكرة ولكن تبقى الفكرة المنظمة للمجتمع وعقليته مجردة اذا لم تجد موءسسات لزرع بذورها وروي جذورها والاعتناء بصحتها. تداول السلطة عن طريق صندوق الاقتراع ربما اسهل وابسط خصاءص الديموقراطية ولكن هذا في حد ذاته لا يمثل كل حوانب التجربة. الديموقراطية محتاجة الى تكملتها حقوق الفرد والثقافة المتحررة او التحررية. الديموقراطية بكل جوانبها تكون في مجموعها مشروع مستمر او مفتوح (a project in privress). لا يمكن لأي من يتبناه بان يجيد تطبيقه بحذافيره مهما حاول ذلك. حتى تلك المجتمعات التي تبنت اليموقراطية منذ مءات السنين لا زالت تعتبر تجربتها لم تصل الى الكمال. ليبيا وبقية العرب-ستان الاخرى محتاجة الى عشرات ان لم تكن مءات السنين، بالرغم من وجود اولءك الذين سبقونا كمنارة للاستدلال بها، أولاً لتبني فكرة الديموقراطية وثانياً للبدء في تطبيقها وادارتها. التجربة صعبة ومريرة ولكنها مح
م . بن زكري | 25/07/2017 على الساعة 19:48
ديمقراطية الغرب ترف ممتنع عن الاستيعاب في مجتمع اللوياجيرغا
في واقع مجتمع متخلف ، تلوذ نخبه المتعلمة - من حملة المؤهلات الجامعية و العليا - بحضن شيخ القبيلة ، و تسوّق عبر وسائل الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي على النت (سياسيا) لثقافة القبلية و سلطة الوجهاء و الأعيان (هم غالبا مُلاك قطعان الأغنام) ؛ يصبح أي حديث عن الديمقراطية ضربا من اللامعقول ، و أجزم أن أية عملية انتخابية قادمة ، ستفرز نفس التشكيلة الاجتماعية (القبلية الجهوية اسلاموية الطابع) و ربما نفس الوجوه التي سقطت عنها كل الاقنعة . فما يصلح للسويد أو لألمانيا .. لا يصلح لبرميل الرمل و الزفت الذي اسمه ليبيا . و أخذا في الاعتبار أن الأحزاب هي - في المضمون - تعبير سياسي عن واقع العلاقات الاجتماعية / الاقتصادية السائدة ، و من حيث أن المجتمع الليبي منقسم حاليا بحدة الى اغلبية ساحقة من المفقرين و اقلية من المترفين ، فهل درجة الوعي تؤهل الليبيين للقبول بوجود حزب يساري (و لو على غرار الاشتراكي الفرنسي) فضلا عن أن ينتظموا في صفوفه للدفاع عن حقوقهم و لقمة عيش اطفالهم ؟! لا أظن . خلاصة القول : الديمقراطية ثقافة قبل ان تكون صندوق اقتراع . و التربة الليبية أفقر من أن تنمو فيها نبتة الديمقراطية .
م.ب | 24/07/2017 على الساعة 23:09
الديمقراطية ذاك الحلم الرائع !!!
شكراً للكاتب ، يبدو لي ان العرب ابعد الامم عن الديموقراطية ربما مرد ذلك لثقافتهم وتراثهم الذي أسس للجور والطغيان واستغوال الحاكم علي الرعية منذ عهد بنو أمية الي يومنا هذا ،والغريب حتي الدول الافريقية بدأت تخطو نحو الديمقراطية في الاتجاه الصحيح ومازلنا ننتظر الغودو بعد ان كلّ سيزيف ومل ولعن سلسفيل الحجر !؟
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع