مقالات

د. الصديق بشير نصر

هؤلاء حدثوني... (8) محمد سليمان القائد.. الشهيد المظلوم

أرشيف الكاتب
2017/07/24 على الساعة 16:18

محمد سليمان القائد (الشهيد المظلوم)

تمرّ بالإنسانِ أحداثٌ ووقائعُ، ولا يُلقي لها بالاً، ولا يحسبُ أنها لحظاتٌ تاريخيّةٌ إذا فات تدوينها فلا يمكن إدراكها، وإن أدركها فلا يدرك إلا بعضها لأنها تكون قد تلفت بتلف ذاكرته. تلك الذاكرة التي تصدأ كما يصدأ الحديد. ولو كان المرءُ يعلمُ أنّ واقعةً من الوقائع التي تمسّ حياتَه ستكون في يومٍ من الأيام حدثاً يستحقّ أن يذكرَ لما ضيّع كلّ ثانيةٍ ودقيقةٍ في تدوينها، ولكنه لا يعلم.

ولعله لحسن حظه أنه لا يعلم ذلك، إذ لو علِمه لشقي به وبعلمه إياه، ولربما استحالت حياته بسببه إلى شقاءٍ وشرٍّ مستطير. ولعله لسوء حظه أن يعلمَه، لأنه بذلك يشقى بسبب علمه وهو أعجزُ عن إظهاره وإفشائه في حينه، حتى إذا واتته الفرصةُ أن يُشْهِرَه يكون قد تلاشى، كلُّه أو بعضُه، من ذاكرته التي أصابها الوهنُ بفعل الزمن وبفعل ما مسّها من عللٍ عارضةٍ، ولا يسلَمُ له إلا قدْرٌ ضئيلٌ من ذلك الحدث الذي يرتسم على صفحة ذاكرته أشبه بالخيالات الواهنة. وإذا أحبّ أن يستدعي ذلك القدرَ الذي سلم من التلف قد يستعصي عليه، وإن انقاد له فليس أكثرَ من نثر البِذار في الأرض اليباب. وها أنذا أبذر اليوم بِذرةً بقيت في كيسي مما تساقط منه، وألقيها في أرضٍ أرجو ألا تكونَ بوراً.

أحكي اليومَ قصةَ كاتبٍ ومفكّرٍ شهيدٍ لا يعرفه إلا قليلٌ من الناس الذين صحِبوه، أكتبها والدمع يغالبني، والأسى يعتصرني لفداحة الظلم الذي أصابه ولهول الفاجعة التي مُنِينا بها لفقدانه. اختطفته أيدي الاستبداد من بيننا فلم نعرف له منذ ذلك اليوم الأسودَ أرضاً تُقِلّه ولا قبراً يؤويه. لم نشهد عزاءً له فيه، ولا شعراً يرثيه. تَعِظُ القبورُ زوّارَها، وأنت ليس لك قبرٌ يُزارُ. ومّن كان رمسُه في القلوبِ يحيا بحياةِ أصحابِها، فيستحيلُ إرْثاً يتوارثه الخلفُ عن السّلف. فعذراً، أيها الصديق العظيم غِبتَ عنّا في غير وداع، ولم يكن أحدٌ منا ليجرؤ أن يتكلّمَ عن سفرك البعيد، أو أن يسألَ متى تؤوبُ إلى أهلك ومحبيك. فبأيّ جنايةٍ أودعوك، غياباتِ السجن، يا صديقي؟.

وها أنذا أحكي قصةَ ليلةِ القبضِ على هذا الصديق وما كان بيني وبينه من حديث مما تبقى في تجاويف الذاكرة، لعلّ الله استأثرني به من بين أصحابه لأقصّه اليوم عليكم بعد نحو ربع قرن من الزمان. ويا ليتني سجّلت ما دار في تلك الليلة بيني وبين صاحبي، ولكن . تلك ليلةٌ حُفِرت في ذاكرتي، وإن أصابَها شيءٌ من الوهن.

في عشية تلك الليلة قصدت بيت الأستاذ محمد القايد اسأل عنه فقد غاب عني لبعض الأسابيع لم أره خلالها، فطرقت الباب، وخرج ابنه أحمد وكان يومها طفلاً صغيراً، ليخبرني أنّ أباه في القاهرة وسيعود هذا المساء. انصرفت، وقلتُ في خاطري: "الحمد لله. أراه فيما بعد". وفي منتصف الليل طرق بابي طارقٌ، فتوجّست منه خيفة، وكنا نعيش في زمنٍ يخشى فيه صاحبُ الفكر على نفسه من طوارق الليل، وكان المصطفى عليه السلام يتعوذ من شرّ فتنِ الليل والنهارِ ومن كلّ طارق، إلا طارقاً يطرق بخير. فإذا بالطارقِ صديقنا محمد القايد. فرحتُ بحضوره، ولكن ما الذي جاء به في مثل هذه الساعة المتأخرة وهو بعدُ لم  ينفض عن نفسه وعثاءَ السفر؟. قال لي عند الباب ولمّا يدخل بعد: "قيل لي أنك سألت عني اليوم"  قلتُ: "نعم، فتفضّل بالدخول". دخل الرجل وأحسستُ أنه يريد الحديث وكان يعتريه بعض الاضطراب. سألته عن رحلته إلى مصر وكيف كانت، ولماذا؟   قال لي إنه سافر إلى مصر لطباعة كتابٍ    له. قلتُ: هذا حسنٌ جداً. قال لي: لقد تم احتجازي في المطار وضُبِطَت معي تجاربُ (بروفات) الكتاب وهي مطبوعة على الزنكوغراف. والزنكوغراف لوحات معدنية رقيقة يُطبع عليها الكتاب على غرار الاستنسل غير أن الاستنسل ورقٌ حريريٌّ. قال لي: "احتجزوني بعض الوقت وأجروا معي تحقيقاً عن الكتاب، وموضوعه، وأين موافقة إدارة المطبوعات الليبية على نشره"، حيث كان نشرُ أيِّ كتابٍ بلا موافقة تلك الإدارة يُعدّ جنايةً يومئذٍ. قلتُ له: "وما موضوعُ الكتاب؟"  قال لي: "هو دراسةٌ نقديةُ للحركات الإسلامية المعاصرة وبيان ما وقعت فيه من انحرافٍ عن المنهج الصحيح في الدعوة، واتخاذها السياسة سبيلاً إلى إقامة الدولة الإسلامية"، وهذا الموضوع كثيراً ما تجادلنا فيه، نتفق في بعض جوانبه ونختلف في بعضها الاخر. قلتُ له: "هل تظن أنّ هذا الموضوع يسبب لك مشكلةً مع النظام القائم؟". أجاب: "لا أظنّ ذلك". قلتُ له: "ألا ترى أنّ جوهر موضوعك هذا قد يجد فيه النظامُ المستبدّ شرعيةً للتنكيل بخصومه من الحركات الإسلامية التي تتعاطى السياسة بحجة أنّ الاشتغال بالسياسة يتعارض مع جاءت به الرسالات النبوية وما بُعِثَت به الرسلُ وهو التبليغ بدعوة التوحيد، والتبليغ فحسب؟". قال لي رحمه الله ما معناه أو شيئاً من هذا القبيل: " أرجو ألا يكون ذلك. فأنا أتعامل مع الظاهرة من خلال منظورٍ فكريٍّ غيرِ منظورهم، وهم يتعاملون معها من أجل البقاء في الحكم والتخلّص من المنافسين والخصوم". لم أشأ الاستمرار في الجدل في هذا الموضوع الذي ناقشناه قبل ذلك مراراً وتكراراً، وكنتُ أقول له رحمه الله إنّ حصرَ مهمة الرسالة المحمدية في التبليغ هو الخطأ الجسيم، وهو ما يُروّجُ له المستشرقون وأذنابُهم، والاشتغال بالسياسة أمرٌ مطلوب، والمقصود بالسياسة الشرعية لا السياسة المذمومة التي نراها في عالم الناس. والسياسة هي مراعاة شؤون المسلمين في الداخل والخارج. والإعراض عن ذلك يجعل الإسلامَ ديناً كهنوتياً محصوراً في دائرة ضيقة. بل يجعل الدين بهذه الصورة تطبيقاً عملياً ساذجاً وسطحياً لمقولة السيد المسيح (دع لقيصر ما لقيصر، وما لله لله) التي وردت في إنجيل مرقص (الإصحاح 12: 12- 17) التي حُمِلَت على غير مُرادها. وسياقها في الآيات التي قبلها يفسرها كما بينّ شرّاحُ الأناجيل أنفسُهم. ووجد فيها العلمانيون تكأة يتكئون عليها. وأذكر أنني ذكرت له في تلك الليلة أو في غيرها على وجه التحديد تقسيم علماء الأصول لتصرفات النبي عليه السلام وأنها لا تنحصر في التبليغ، بل تتضمن تصرفاته بالقضاء، وتصرفاته بالإمامة. وهذه الأخيرة هي عينها السياسة. وربما أشرت عليه بقراءة الفرق السادس والثلاثين من كتاب (الفروق) للإمام القرافي المالكي فقد بسط فيه القول في المسألة، وكذلك (مقاصد الشريعة للشيخ الطاهر بن عاشور). امتد بنا الحديث حتى ساعةٍ متأخرة، وأطار من عيننا الكرى ما تناولناه من شاي في تلك الجلسة. قلتُ له: "يا أخي الحبيب إنني أعلم يقيناً أنك لا تريد بما تكتب نصرةَ البغي ولا ينصرف ذهني إلى ذلك أبداً، ولكن يبدو أنك تُسيء فهم نفسية المستبد وقراءة طبيعة النظام الاستبدادي الذي لا يعنيه مما تقول إلا ذلك القدر الذي يؤيد مذهبَه، وأنك ستظلّ في نظره عدواً ومخالفاً لأنك لستَ من زبانيته". قال: " ولكن الانشغال بالسياسة هو الذي يثير ثائرة المستبد، وينبغي تفويت الفرصة عليه فلا نمكنه من أنفسنا وأنفس شبابنا المسلم المتحرّق شوقاً للدعوة".

قلتُ له ليلتها قولاً ما زال يحزنني، وتمنيتُ أنني لم أقله: "هذا قولك ورأيك ومنهجك. وأرجو أن تكون على صوابٍ فيه وأنا على خطأ. فهؤلاء لا يَرْعَوْنَ في مسلمٍ إلا ولا ذمّةً. وأسأل الله أن يجنّبك أذاهم أيها الرجلُ المسالمُ، فأنت عدوٌّ في نظرهم لسببٍ لا أظنك تجهله، وهو أنّ المستبدين لا صديق لهم. وقد يتخذون من بعضهم حليفاً إلى حين ثم ينقلبون عليه. المستبد عدو لك لأنك تحمل فكراً، أيّ أنك تفكر وتمارس عملية التفكير التي يعتبرها إثماً وجريرة لأنه يدرك أن من يفكر وبشكل سليم لن ينقاد للظلم والاستبداد. فأنت يا صاحبي رجلُ مثقف، وصاحب تفكير. وهذا في حدِّ ذاته يشكل خطراً على المستبد. ولذلك لا تعجب أن يقولَ متهورٌ مستبدٌّ أحمقُ مثل غوبلز وزير الدعاية السياسة في العهد النازي الألماني، مع أنه يحمل درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة هايدلبرغ: "كلما سمعتُ كلمة ثقافة تحسّستُ مسدسي". ومن تشرّب الاستبدادَ وجرى في دمه وعروقه تسمّم به، فما عاد يُجدي معه الاقناعُ ولا الحجةُ ولا سلامةُ المنطق نفعاً، ولا حتى حسن النيّة وسلامة الطويّة. وإنني والله لأخشى أن يصيبَك منهم مكروه وأسأل الله أن يكذّب ظني". غادرني صاحبي وقد ازداد انقباظاً وظللتُ ألوم نفسي وأقول: "يا ليتني ما قلت له ذلك". في صباح اليوم التالي العشرين من أغسطس 1991 قُبِض على الأستاذ الشهيد محمد سليمان القائد في مكتبه بالجامعة المفتوحة، وعند الثالثة بعد الظهر جيء بها مخفوراً مقيداً يصحبه عددٌ من جلاوزة الأمن مُدَجَّجين بالسلاح إلى بيته فقاموا بترويع أهله وفيهم أطفالٌ دون الحُلم،  وشرعوا يقلّبون مكتبته ويفتشون في كتبه ووثائقه التي صودرت لعلهم يجدون فيها شيئاً يُدينه. ومنذ ذلك اليوم انقطعت عن أهله وعنّا أخبارُه، فما عدنا نعلم أيَّ أرضٍ تُقِلّه، ولا أيَّ سماءٍ تُظِلّه. بعد نحو ست أو سبع سنين من ذلك زرتُ الأستاذ إبراهيم الغويل المحامي في مكتبه، فأخبرني بأنّ محمداً سيُفرجُ عنه غداً، وكانت له به صحبة قديمة. كدتُ أطير من الفرح، وسألته: ما الذي جرى، وكيف؟. أخبرني أنه كان في ندوة أقيمت على هامش مؤتمر وزراء الداخلية العرب لمناقشة ظاهرة التطرف الديني، والحكومات العربية لا تجتمع على رأي إلا رأياً يتفقون فيه على محاربة أهلهم ودينهم. وفي الندوة، التي لم يتخَلّف عنها القذافي كما هو شأنه عادةً في مثل هذه المناسبات التي لا يفوّتها لإظهار نفسه مفكراً ومرشداً، نوقِشَت ظاهرةُ التطرف الديني، ونهض أحدُ الصحفيين المصريين وكان برفقة الوفد المصري، وانتقد الأسلوبَ الأمنيَّ في معالجة الظاهرة، وأنّ السبيلَ الوحيد للمعالجة هو الفكر، وأشاد بكتابٍ بعنوان (منهج الهداية)  لمفكرٍ ليبي اسمه محمد سليمان القائد، وونصح بالاسترشاد به، ويغلب على ظني أنه ذلك الكتاب الذي حدثني عنه في تلك الليلة  لأنه صدر في شهر أغسطس سنة 1990. فعلّق القذافي في استغباء ظاهر كعادته على ذلك الصحفي بقوله: "هو فيه مفكر ليبي يكتب في هذه الموضوعات؟ زين. ادعوه للحضور للانتفاع برأيه". وبعد انتهاء الجلسة، يقول السيد المحامي إبراهيم الغويل أنّ القذافي دعاه بحضور المدعو عبد الله السنوسي، وسأله: "هل تعرف محمد القائد هذا؟" فأجابه: "نعم". "وما رأيك فيه وفيما يحمل من فكر؟ ". فأجابه بما معناه أو نحوه: " إنسان مؤمن، وكاتب جيّد، وصاحب فكر مستنير". قال له القذافي: "هل تضمنه؟ " فأجابه بنعم. أشار القذافي إلى عبد الله السنوسي وأمره بأن يُفرِجَ عنه ويسلمه إلى الأستاذ إبراهيم في مكتبه ليتولى توصيله إلى أهله. كان خبراً مفرحاً بحق. أذكر أنني قلتُ للأستاذ: "آتي هنا غدا لأراه ". فمنعني الأستاذ خوفاً عليّ، وقال لي: "لا تفعل. فوّت بضعة أيام ثم قم بزيارته في بيته". لم أقوَ على الانتظار فهُرِعتُ من فوري إلي بيت صديقنا د. عبد السلام العايب، وكان مسجوناً في ذلك الوقت، لأبشر أباه الحاج ميلود بأن محمداً سيُطلقُ سراحُه غدا، والعاقبة للشيخ عبد السلام إن شاء الله قريباً. وطلبتُ منه أن يتحرّى لنا الخبرَ عن كَثَبٍ من صهر الأستاذ محمد القائد الذي كان يقيم بجوار جامع بن لامين، دون أن يشعره بذلك مخافة ألا يكون الخبرُ صحيحاً فنهيّج أحزانَ الناس. بعد يومين أو ثلاثة زرت الحاج ميلود للغرضِ نفسه فأخبرني أنّه لا شيء مما ذكرتُ قد حدث، وأنّ محمداً لم يُفرج عنه. سألت الأستاذ الغويل المحامي بعد ذلك عمّا جرى، فقال لي إنهم لم يحضروا محمداً إليه، فخشيَ أن يكونوا قد التفّوا على التعليماتِ التي صدرت إليهم بتسليمه إليه، فهاتًفَ المدعو عبد الله السنوسي الذي أخبره بأن محمد سليمان القائد قد قتِل مع مَن قُتِلوا في أحداث سجن أبي سليم، وأنهم أعلموا القذافي بذلك. وقال له ما معناه أن اصمُتْ فهذه صفحةٌ قد طُوِيَت. قُتِل محمد سليمان، وصحبه، بدمٍ بارد ولم تُعْرَف لهم حتى اليوم قبورٌ تُزارُ، إلا صوراً وأخيلة في أذهاننا نستدعيها عند الترحّمِ عليهم، أو عند ذكر مناقبهم.

والأعجبُ من ذلك أن تظلَّ تلك الصفحةُ مطويةً حتى اليوم مع تبدّل الأحوال ووقوع بعضِ الجناةٍ بين أيدي العدالة التي لم تُحرّك ساكناً وكأنّ الأمر لا يعنيها. أوَ ليسَ من حقِّنا وحقِّ ذوي الشهداء قتلى المجزرة أن يعرفوا أين قُبِروا، وكيف، ومتى، ولماذا، ومن؟ . إنّ الصمتَ عن ذلك والتغاضي عن ذلك جريرةٌ أخرى يتحملها القائمون على القانون في هذه البلاد. يقولون: "مَن أمِنَ العقوبةَ أساء الأدب"، فأزيد على ذلك وأقول: "إذا  أَمِن المجرمُ العقوبةَ فُتِحَت أبوابُ الجريمة على مصراعيها".

محمد سليمان القائد عرفته في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كان رجلاً خلوقاً سمحاً، هادئَ الطبع، لطيفَ المعشرِ، حسَنَ المنطق، لا يفترّ تغره عن الابتسام ، وقد زاد ابتساماته  حُسناً فَلَجٌ بين أسنانه، ولا تعرفُ الحدّةُ والانفعال إلى نفسه سبيلا، ولذلك ليس من السهل أن يُثارَ فيغضب، أو أن يُستفَزّ فيثور.

عرّفني به صديقنا العزيز الشيخ عبد السلام العايب، وكان جاراً له في منطقة جامع بن لامين، ويشاء القدرُ أن أسكن في الشارعِ نفسه، وبذا كنا نلتقي ثلاثتنا. ولم نفترق حتى بعد أن رحلتُ إلى مسكنٍ آخرَ في قلب المدينة في زاوية الماعزي بقرب قصر الملك، في الحي الذي يُعرف باسم كازا انجيس CASE  INCIS، ثم إلى حيّ الأندلس. وهكذا ظلّت علاقتنا متواصلةً حتى ابتُلِي د. عبد السلام بمحنة السجن الأولى  بعد الانتهاء من دراسته في العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، ثم ابتُلي مرّةً أخرى بعد عودته من رواندا، وهي المرة التي سُجِن فيها مع محمد القائد. وأذكر أنّ محمداً رحمه الله أخبرني أنه حُقّق معه عندما اعتقِل د. عبد السلام المرّة الأولى في قضية جامع القصر وسئل عن صلته به، ويشاء الله أنّ أحدَ المحققين من اللجان الثورية، بل رئيس لجان التحقيق يومئذٍ على ما أظنّ، وكان يعرفه عن طريق عمله بالصحافة، شفع له، وخلّى سبيله وبذا أُغلِق ملفُه. كان ذلك الشخص هو محمود الهتكي وكان هذا الرجل صحفياً يعمل بجريدة البلاغ في العهد الملكي، ثم ركب موجة انقلاب القذافي، وأصبح أداةً من أدواة القمع.

في بيتِ الأستاذ محمد سليمان القائد التقيتُ بشخصيات أدبيةٍ وفكريةٍ، ومنهم من كان يعمل بالصحافة. من هؤلاء أذكر صديقنا الصحفي المرحوم مصطفى نصر المسلاتي، الذي كانت تجمعني به علاقة فكرية وهي اهتمام كلينا بالاستشراق، وقد كتب رسالته لنيل درجة الماجستير عن (الاستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين)، ومن هؤلاء الذين التقيتُ بهم عنده الصحفي الأستاذ علي الجعيدي، وهو شخصية ظريفة مجادلة من الجنوب الليبي، وقد اجتمعتُ به أكثر من مرة في بيت عبد السلام العايب عندما كان في السجن، وكان هذا الرجل النبيل يأتي إلى بيت العايب وقد يقيم فيه أكثر من يوم ليواسي والده الحاج ميلود في محنته بحبس ولده، وإن كان الحاج ميلود رحمه الله من أفذاذ الرجال، فليس مثله مَن يُواسَى بل يواسي، فقد كان رحمه الله قويَّ الشكيمة رابطَ الجأش في مواجهة الخطوب. وفي بيت محمد القائد اجتمعنا بالمفكر الهندي الأستاذ وحيد الدين خان الذي عرفه الكثيرون من خلال كتابه الشهير (الإسلام يتحدى). وكان الأستاذ وحيد الدين عضواً بالمجلس التأسيسي لجمعية الدعوة الإسلامية الليبية، يشارك في الصباح في جلساته وفي المساء يغادر الفندق، حيث حُجِزت له غرفةٌ لإقامته، إلى منزل محمد القائد دون أن يفطنَ أحدٌ، مفضلاً نومه على فراش متواضع في (المربوعة) على الفراش الوثير في الفندق.

التقيت به مرتين، وكانت إحداها برفقة  صديقي أ. نور الدين النمر، رأينا يومها رجلاً نحيلاً، مُعْتمَّاً، يرتدي لباس الهنود، وله لِحية طويلة، وفي رجليه نعلٌ جلدي. رأينا رجلاً ترتسم على ملامحه أمَاراتُ التواضع حتى لَيَبدوَ لك وكأنه ناسكٌ من نُسّاك الهنود. أذكر أنني سألته عن  مترجم كتابه (الإسلام يتحدى) إلى العربية المدعو ظفر الإسلام خان فسألني: لماذا؟ وكان الحوار يجري بالإنجليزية لأنّ الأستاذ وحيد لم يكن يحسن العربية إلا بضع كلمات في لكنة أعجمية. قلتُ له: أظنه قادياني؟ فهم الرجل مغزى السؤال فوراً، فأجاب: "القادياني الذي تعنيه هو ظفر الحق خان، وهو أوّل وزير خارجية لدولة باكستان بعد تأسيسها، وقد مكّن للقاديانية من الانتشار. أمّا ظفر الإسلام خان هذا  فهو ابني، تعلم العربية  في الأزهر وهو طالبٌ في الدراسات العليا بها. فما رأيك في ترجمته؟". شكرته على الإيضاح، وأثنيتُ على لغة المترجم، ولكنني أذكر أنني عقّبتُ على ذلك بقولي: "هي لغة متقنة وسلسة، وكيف لا تكون كذلك وقد تمت مراجعتها وتهذيبها على يد الدكتور عبد الصبور شاهين". وقد تحدّث لنا الأستاذ وحيد يومها عن مفهومه للصلاة، وكان في ظني مفهوماً غريباً هو أقرب لمفاهيم الصلاة عند بعض المتصوفة، وقد جادلته في خطورة أن تُفَلْسَفَ العباداتُ كما تُفلسَفُ العقائد. ونحن لا نجادل في حالة الصفاء الروحي التي ينبغي أن يعيشها المصلي حالة توجهه إلى الله، ولكنّ الخشيةَ أن يتمادى أصحابُ هذا الراي فيتوسعون في ذلك توسُّعَ أهل الباطن، فيُتّهَمُ المسلمون في صلاتهم بأنها لا معنى لها، تلك الصلاة التي علّمهم صاحبُ الرسالةِ نفسُه كيف يؤدونها بقوله عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقوله: (خذوا عني مناسككم). وقد رأينا بأم أعيننا من يشرب القهوة ويعبث، ثم يقول لك في استخفافٍ بعقلك إنه يصلي الآن فلا تُزعج سكينته.

عرض كتاب منهج الهداية في إحدى الصحف المصرية

كان لفكر الشيخ وحيد الدين خان تأثير عظيم في بناء شخصية محمد القائد، فهو يتابعه في كلّ مذهبه حذو القدّة بالقذة. حتى أصبح من أهم مريديه والداعين لمنهجه بين العرب، وترى ذلك واضحاً جليّاً في مقدمة وفصول الكتاب الذي صنفه محمد القائد وهو بعنوان (منهج الهداية) المطبوع في مصر عام 1990، الذي اعتبره ملخصاً جيداً لأفكار وحيد الدين خان. وقد وجدنا بين المستندات المتبقية بعده التي أمدّني بها ابنه الأستاذ سليمان مستنداً بخط اليد هو عقدٌ لطباعة كتب ومؤلفات وحيد الدين خان وتوزيعها في شمال أفريقيا وأوروبا. وهو مبرم بين مكتبة (الجديد) بتونس ويمثلها صاحبُها السيد لطفي غربال، والمركز الإسلامي بدلهي الذي يرأسه الأستاذ وحيد الدين خان، ويمثله فيه الأستاذ محمد سليمان القائد. وكان كتاب (المنهج الرباني في الدعوة) هو أوّل نتائج هذا  العقْد. وقد أعطاني رحمه الله بحثاً للأستاذ وحيد الدين خان قد قام بترجمته عن الإنجليزية لا أذكر عنوانه ولا موضوعه، وما زلت احتفظ به في مكتبتي، وقد حال بُعْدي عنها دون الوصول إليه.

وقد نعته بعضهم بأنه عَلماني صرف، وأظنه قد أُبتلي رحمه الله بذلك بسببين: الأوّل علاقاته المتشعبة بجميع أصحاب الفكر على اختلاف مذاهبهم. فهو يجالس الإسلاميين والليبراليين والعلمانيين والماركسيين والصوفيين، معتدلين وغلاة. وهذا في نظري يُحسب له لا عليه، ولكنه يجني تبِعاته، فتراه يُصنّف تارةً من هؤلاء وتارةً من هؤلاء. والسبب الثاني: مقالات وحيد الدين خان التي جعلها ديدنه في الفهم والحكم على أفكار الآخرين من أصحاب التوجه الإسلامي. وهي مقالاتٌ قد يفهم من ظاهرها القول بفصل الدين عن السياسة. وقد تناقشنا في ذلك مراراً، وأذكر أننا تحدثنا مرة عن بعض رموز العلمانية والليبرالية في بلاد العرب، وهم: عبد الله العروي من المغرب، و طيب تيزيني من سوريا، وحسين مروّة من لبنان، وحسن حنفي من  مصر. وكان يومها على ما بدا لي أنه معجبٌ بهم  . وأنا لا أحمل إعجابه على أنه إقرارٌ بسلامة تفكيرهم. وأظنّ أنني قلتُ له يومها: "أنت ترى أن مذهب أبي الأعلى المودودي وسيد قطب في التفكير باطل وخطير لأنه تفسيرٌ مخطئٌ للدين ومفسِدٌ له. سلّمنا بذلك! فهل ما يذهب إليه هؤلاء في صريح أقوالهم في كتبهم بمعاداة الدين ضربٌ من التنوير تحتاجه الأمة أم هو باطلٌ أيضاً وخطير ويتهدد الدين". وجمعتُ له بعضاً من أقوال هؤلاء كقول حسن حنفي: "إنّ العَلمانية هي أساس الوحي، والوحيُ عَلمانيٌّ في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ تظهر في لحظات تخلّف المجتمعات وتوقفها عن التطوّر"، وسقتُ له أقوالاً للدكتور  طيب تيزيني والتي يكررها في أكثر كتبه، كقوله: "إنّ النظرية الإشتراكية العلمية (الماركسية) هي المنظار الذي يجب أن ننظر من خلاله إلى التراث. فما استقام لنا منه قبلناه، وأمّا ما لا يستجيب لذلك فإنه يُعزلُ تاريخياً " أو قوله بتحريف القرآن وغير ذلك من الأباطيل والأوهام. لا أدري بماذا أجابني على وجه التحديد، ولكن يغلب على ظني أنه قال قولاً يُفهَم منه أنه لا يوافق على أقوالهم. لأنه لو أجاب بغير ذلك لاستمرّ الجدلُ بيننا ولاحتفظت الذاكرةُ ببعض ذلك على الأقل. لأنّ الاختلاف لا يزول بيسرٍ من الذاكرة، بينما الاتفاق يتلاشى لأنه ليس مدعاةً لتنشيطها إذ لا يُحتاج المرءُ إلى استعراضه كلّ حين. وأنا في ظني الراجح أنّ صاحبَنا أبعدُ ما يكون عن تلك المدارس، فهو رجلٌ عرفناه صاحبَ دينٍ والتزامٍ، وإنما هو محبّ لقراءة كلّ فكرٍ بصرف النظر عن موافقته له أو مخالفته، وهذا شأن كلّ من له اشتغالٌ بالمعرفة، حتى إنني أذكر انه أخرج لي يوماً من مكتبته موسوعة الدين والأخلاق التي تقع في ثلاثة عشر مجلداً The Encyclopaedia  of  Religion and Ethics. وسألته عما يبحث فيها فأجابني رحمه الله إنه يبحث في كل ما يتعلّق بفلسفة الدين، وعلم الاجتماع الديني، وفلسفة الأخلاق، وعلم السياسة عند أعلام أمثال: ماكس فيبر، وجون ستيوارت مِل، وديفيد هيوم، وكانت، وبرادلي، وماركس، وهوبز. خاصةً وأن المكتبات في ليبيا لا تعرف في تلك الأيام هذه المصنفات ونظائرها، لا مترجمةً ولا في لغاتها الأصلية إلا قدراً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة مما لا يشبع نهماً ولا يروي غليلاً.

محمد القائد الأول من اليمين

التفّ حوله رهطٌ من الشباب من طلبة الثانوية كانوا يأتونه في بيته وربما تسببوا من حيث لا يشعرون في وضعهم تحت المراقبة، وأذكر أنني زرته مرة بعد صلاة العشاء مع صديقٍ لي، ولعله الأستاذ نور الدين النمر، فسمعنا أصواتَ الشباب تخرج من المربوعة محدثةً جلبَةً إذ كانت نافذتها تفتح على الشارع، وأمر كهذا يدعو إلى الشبهة في تلك الأيام فحجمنا عن الدخول وعدنا أدراجنا. وقد حدّثته عن ذلك فيما بعد. وقد اكتشفتُ بمحض المصادفة أنه كان يخطب الجمعةَ بجامع الميّت في مدخل قرجي حينما ضيّق عليّ الوقتُ وأدركتني صلاة الجمعة وأنا في الطريق. وكان المسجدُ مكتظاً بجمهور المصلين فجلستُ في صُحن المسجد وسمعت صوتَ الخطيب فبدا لي أني أعرفه، فانتظرت حتى خرج الناسُ من المسجد لأتحقق من أنّ الخطيبَ هو محمد سليمان القائد، فوجدته هو، فسلمتُ عليه وقلتُ له: "سأزورك في البيت". ابتسم وقال لي: "بسبب موضوع الخطبة بالتأكيد؟". قلت له: "نعم". في بيته قلتُ له: "لولا أني أعرف صوتك لقلتُ هذه الخطبة لشخصٍ آخرَ غيرِك. خطبة ستثير عليك حفيظة النظام وسوف تستفزّه ضدك، وهي تختلف تماماً عن منهجك في الدعوة الذي يقوم على الحِلْمِ والّلين والمسامحةِ والدعوة بالتي هي أحسن، ولا تنس أن المسجدَ يعجّ بعيون النظام وآذانه الذين يتنصتون على كلِّ قولٍ مسموعٍ أو مهموس". لم أجد عنده جواباً مقنعاً لذلك، ولكنني فسّرتُ صنيعَه هذا، وقد يكون ذلك ظنّاً مني، بأنه - رحمه الله - أراد أن يدفعَ عن نفسه ما بدأ يشيعه عنه مخالفوه ممن تربوا على ثقافة الكاسيتات الضحلة، من أنه مؤيِّدٌ للنظام. وهي إشاعةٌ باطلةٌ بلا ريب، ولكنّ الأسلوبَ نفسَه كان خطأً.

محمد القائد

محمد القائد الأول من اليسار

محمد سليمان القائد نموذج فريد للداعية الناجح، فقد أصاب حظاً كبيراً من التوفيق في الدعوة إلى الإسلام في رواندا عندما كان يعمل من سنة 1983 إلى سنة 1982  مديراً بالوكالة للمركز الثقافي الإسلامي بكيجالي، وهو المركز الذي تأسس عن الهيئة المشتركة للمراكز الثقافية بين ليبيا والإمارات، ومديراً للإدارة الثقافية بالمركز نفسه من سنة 1983 إلى سنة 1986. كما تولى رئاسة تحرير مجلة الرسالة التي تصدر باللغة العربية على غرار مجلة الرسالة التي يصدرها وحيد الدين خان بالأردية والإنجليزية، وقد أهداني رحمه الله أعداداً من النسخة الإنجليزية. كما قام بتدريس مواد التربية الإسلامية بالمدرسة التابعة للمركز.

وقد بلغني أنه اهتدى على يديه خلقٌ كثير من الناس في أفريقيا، وكان محبوباً من المسلمين في تلك البلاد. وقد اتصف بصفات الداعية الحق، ولم يكن ممن يرتزقون من الدعوة كبعض أولئك الذين ترسل بهم الحكومات الإسلامية والعربية إلى البلاد الأفريقية. كان حريصاً على متابعة أحوال المهتدين الجدد، وكان ينظم لهم رحلات تربوية تترجم القيم العملية والروحية للإسلام.

وُلِد الأستاذ محمد سليمان القائد في مدينة يفرن بالجبل الغربي في عام 1949، وتحصل على درجة الليسانس في الآداب من قسم اللغة العربية بجامعة بنغازي في عام 1973.  وفي عام 1979 تحصل على الدبلوم العالي في الدراسات الإسلامية من جامعة طرابلس (الفاتح سابقاً)، ومن جامعة الخرطوم تحصّل على درجة الماجستير في اللغة والأدب. شرع في كتابة رسالة الدكتوراه وأظنه سجلها في جامعة من جامعات الهند، قد حدثني رحمه الله  عن موضوعها بشكل عام وهي تتعلق بدلالة الألفاظ عند الإمام محمد بن جرير الطبري من خلال تفسيره. ولم يكتب له رحمه الله إتمامها. ولعلّ مخطوطَ الرسالة ما زال محفوظاً عند أهله ولم يقع تحت أيدي رجال الأمن يوم داهموا منزله. وأما ما ذهب إليه بعض من كتب عنه في شبكة التواصل الجتماعي أنه رسالته في الدكتوراه التي كان يعدّها هي بعنوان (الطاغوت) فذلك غير صحيح، لأنّ عنوان الأطروحات الأكاديمية لا يكون على هذا النحو. وربما كان له مسودة تأليف بهذا العنوان.

محمد القائد الأول من اليسار

كان رحمه الله طالباً متميزاً في تحصيله العلمي مما وطّد صلته بشيوخه وأساتذته في الجامعة، وكان معجباً أيما إعجاب باللغوي الكبير العلامة سعيد الأفغاني الذي تتلمذ عليه في جامعة بنغازي، وهو صاحب المؤلفات الشهيرة والتحقيقات اللغوية النافعة، أذكر من كتبه: (أصول النحو)، و(تاريخ النحو)، و(أسواق العرب في الجاهلية والإسلام)، و(والموجز في قواعد اللغة العربية)، و(من حاضر اللغة العربية)، و(عائشة والسياسة)، و(الإسلام والمرأة)، و(ابن حزم ورسالته في المفاضلة بين الصحابة). ومن تحقيقاته: (الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي)، و(الإغراب في جدل الإعراب للرمّاني)، و(لمع الأدلة للأنباري)، و(الإفصاح في شرح أبيات مشكلة الإعراب للفارقي)، و(الحجة في القراءات السبع لابن زنجلة) وهذا الأخير قام بتحقيقه إبّان تدريسه في جامعة بنغازي، وقد قامت جامعة بنغازي بإصدار طبعته الأولى. وقد بلغني أنّ محمد القائد كان من أنبه تلاميذ الأفغاني وأذكاهم ، كما كان معجباً أيضاً بأستاذه القدير مصطفى ناصف أستاذ النقد الأدبي وصاحب التصانيف الشهيرة، ومنها: (قراءة ثانية لشعرنا القديم)، و(محاورات مع النثر العربي)، و(الصورة الأدبية)، و(دراسة الأدب العربي) و(صوت الشاعر القديم) و(مشكلة المعنى في النقد الحديث). وكنت أسمع منه الثناء والإعجاب بهذا الأستاذ الفاضل. ومن الطريف أن ابنه الأستاذ سليمان القائد بينما كان يقلّب في أوراق أبيه عثر على تزكيةٍ من الدكتور مصطفى ناصف بخط يده كتبها لتلميذه محمد سليمان القائد، فأمدّني بها مع بعض الصور. وها هو ذا نصها: "عرفتُ الطالبَ السيد محمد سليمان القائد في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة بنغازي. وهو شاب دؤوب، محبٌّ للقراءة. ويتمتع برغبة قوية في النحو والاستزادة منه. وكانت أبحاثه التي قدّمها إليّ تنمّ عن عقلٍ حيٍّ واستعداد ملحوظ يتجاوز السطحية والسرد إلى التعمّق والرياضة الذهنية، وأعتقد أنه جديرٌ بالتوفيق في دراسته العليا إذا أحسن اختيارَ الطريق الملائم لعقله  وميوله  - د. مصطفى ناصف الأستاذ بكلية الآداب بجامعة عين شمس". وها هي ذي صورتها مرفقة بالمقالة.

 


 

وكانت للأستاذ محمد القائد علاقاتٌ وصِلاتٌ مع كثيرٍ من أهل الدعوة والفكر، وتشهد لذلك بعضُ مراسلاته التي يدعو فيها إلى منهجه، وقد رأيتُ واحدةً منها موجهة إلى محمد أمين الإسماعيلي العلوي المراكشي الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، ومدير ديوان وزير الأوقاف بالمغرب، ورئيس شعبة الدراسات الإسلامية بجامعة الحسن الثاني.، وقد جاء في مطلعها:

"تمرّ الدعوة الإسلامية بأزمة عميقة نتيجةَ ظروفٍ وملابساتٍ محلية ودولية، ولملابسات فكرية ساهمنا فيها نتيجة اجتهاد لم يستطع استيعابَ التحدياتِ المعاصرةِ ونوعية المتغيرات الجديدة التي يواجهها الإسلامُ في يومنا الحاضر. ولعلّ أخطرَ هذه الاجتهادات الاجتهادُ في تفسير الدين تفسيراً سياسياً، وكان هذا الاجتهاد في بدايته دفاعاً وقتياً عن الإسلام ثم تحوّل إلى تفسير مطلق للدين، مما أدّى إلى تقديم تصور منحرف عن حقيقة الدين، وحقيقة الدعوة، وحقيقة الرسالة... وكلّ ما نريد منكم في حالة اقتناعكم بجدوى هذه الرسالة السعي إلى تعميمها وتبليغها ونشرها بمختلف الوسائل المتاحة لكم، واعتمادها مصدراً في فهم التحدي الحقيقي للأمة الإسلامية".

رحم الله صديقَنا الأستاذ الداعية محمد سليمان القائد المتبسّم أبداً، الذي لا تفترّ شفتاه عن الابتسام حتى لكأنه خُلِق مُبتسماً.

(لقد حَسُنَت بك الأيامُ حتى * * *  كأنّك في فمِ الدنيا ابتسامُ)

قتلوك يا خيرَ النّاسِ، وبئس ما فعلوا. إنّ قتلَ العظيمِ إحياءُ.

يا ويحكم 

 غافر 28

يا ويح قاتليك، ما وجدوا فيك عيباً ولا وزراً يأخذونك بجريرته إلا إيمانَك بالله، وحسبك شرفاً أن تحشرَ مع من قال الله تعالى فيهم:

البروج 8

سقى الله تلك الأيام التي كنا نلتقي فيها في مكتبة مركز الجهاد للدراسات التاريخية، وفي محاضراته الموسمية ، وفي المكتبة المركزية بكلية العلوم بجامعة طرابلس، وفي مسجد القصر، وفي جامع بن لامين. سقى الله أرضاً مشيتَ عليها وقبراً ضمّ رفاتَك وابلاً صيّباً، وأظلّك أينما كنتَ بسحائبِ رحمته، وجعلك ممن كانت لهم جنّاتُ الفردوسِ نُزُلا.

غومة | 26/07/2017 على الساعة 01:18
الذكرى اكثر نفعاً عندما تذكر المحاسن والمساوي...!
ذكر الماضي وسرد تفصيلاته، خصوصا بين الأصدقاء، يفضي القلب ويمتع الخيال! اولءك الذين عاشوا تلك الحقبة وعرفوا شخصياتها يعيدون شريط دكريات أعمارهم وأحبائهم وفِي نفس الوقت يسلطون الضوء على بعض الجوانب التي لم تلقي الانتباه الكافي. الكاتب والمتذكر يتاءرجحان بين سيرة الراحل والسيرة الذاتية وبين الحنين والحقاءق؟ هنالك داءماً فرق بين القرّاء : اولءك الذين تعايشوا مع الأحداث واولءك الذين عاشوها! لاولءك الذين عاشوها متعة وتحسر، بينما لاولءك الذين تعايشوا معها فتبدو مجرد حقبة مضت وأفراد لعبوا ادواراً تثير كثيو من الاسءلة التي تحتج الى الإجابة ؟ هل كانت هذه الشخصيات واعية بالادوار التى لعبتها ومدى أهمية تلك الادوار للحقبة التي عاشوا بها وهل تركت اثر للاجيال القادمة للتعرف عليهم؟ ربما كان على الكاتب ان يقيم بعض الجوانب لتلك الحياة بإيجابيتها وسلبياتها حتى تقترب الصورة من إنسانية الراحل وتعطي للقاري الذي لم يتعرف على تلك الشخصية صورة اكثر قرباً للواقع من ما يطلق عليه باللغة الانجليزية (hagiography) السيرة التي تميل الى إظهار المحاسن -وإخفاء الماءسي- الى درجة التقديس! شكراً. غومة
طه الصويعي | 25/07/2017 على الساعة 23:03
تلك أمّةٌ قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم
أحسنت أستاذ الصديق على هذه الإضاءة وعلى ما أتحفتنا به من طيب القول وحسن اللغة والتعبير في أحد الرجالات الذين وهبوا أنفسهم لدعوة الحق وعاشوا بها ولها، نسِيَهم من أحبوهم إلا القليل وشمتت فيهم أيادي البغاة، ، ها أنت قد أزلت اللَّبس وأكرمت كريما وهو في قبره وذكرتنا بخيريّته إذ لم نحظ بعشْرتِه، رجل نسيه أبناء وطنه إذ غالبهم لا يعرف إلا ملء البطون والجيوب والتصفيق لمن يعتلي الكراسي وُيذِل البشر ،، حياك الله
عبد الحميد الهرامة | 25/07/2017 على الساعة 10:52
كلمات من القلب
احسست من هذه المقالة للدكتور الصديق انه يكتب من قلبه فهو قد ترك القلم على سجيته لا يأبه كثيرا باقتناص الأساليب المميزة والألفاظ المتخيرة. وان كان ذلك صار طبعا في أسلوبه. ولكنه لم يحجب عن القاري جمال لغة القلب ونبضاته نحو صديقه محمد سليمان القائد. التقيت بهما معا او متفرقين في مقر كلية الدعوة القديم بميدان الجزاير وتعرفت على فكر الرجلين. انه تماما كما أوضحه الدكتور الصديق في هذه المقالة الماتعة. واعجبني حواره مع الدكتور وحيد الدين خان والأستاذ القائد فهمًا كما وصف الدكتور الصديق مدرسة واحدة. كما شدني تفسيره للخطبة التي القاهاالداعية الكريم محمد القائد في جامع الميت فلا احسب انه اوتي الا منها. فما يقوله في دعوته سرا وجهرا لا يحمل النظام عليه. ومن طرائف ما قرأناه في هذه المقالة ما صرح به من شهادة الاستاذ الغويل حول الاستاذ محمد القائد. شكرا للاستاذ الصديق بشير. وشكرا للإضاءة الاخرى التي علق بها الاستاذ نور الدين النمر فقد كانت اضافة مهمة لتاريخ الرجل ولتاريخنا الثقافي المعاصر الذي يعد الرجلان نموذجا حيويا عنه.
نورالدين خليفة النمر | 24/07/2017 على الساعة 23:48
ـ محمد القايد شجن وفقد ـ 2
وأنا أتأمل في صور الصِبا الآنيق قادني القايد إلى حنين تذكار الخال فخال محمد القايد هو الأستاذ الأثري العالم سعيد الأسود الذي أضاء الكاتب على المصراتي وميضاً من سيرته في كتابه "نماذج في الظل" فالخال المتعدد المعارف واللغات هو من طبع إبن أخته الذي ربّاه على حب المعرفة والإتقان فيها .ومن مفارقات القدر أن يجمعهما قدر موت مشابه فقد قضى الخال في حادثة الطائرة الليبية المقصوفة من إسرائيل في صحراء سينا . اللفتة الثانية التي تنبئ عن شخصية المرحوم المنفتحة وهو الآمازيغي مصاهرته لعائلة السويحلي المصراتية من سكان ش.ميزران والتي كانت ثمرتها إبنته البرلمانية "هاجر القايد" وصلة المصاهرة زمالته للصحفي (العسكري) عمر السويحلي الذي كان من القائمين على جريدة الجندي وعدا ذلك هو كاتب مسرحي،تعرّفت عليه عام 1973 وقد حضر المرحوم وكنت طالباً بالصف الثاني ثانوي محاضرتي "الألتزام في الأدب العالمي" بمدرسة علي النجار الثانوية وقد كتب السويحلي لها مسرحية "يوسف باشا"بالمهرجان المسرحي .الوشائج الأنسانية التي إنتسجت بيننا نحن الثلاثة فقدألمح إليهاالكاتب في مقاله البليغ لايفتأ يشير بكرمهإلى شخصي العاجز فيحيّي الآيام.
نورالدين خليفة النمر | 24/07/2017 على الساعة 23:32
ـ محمد القايد شجن وفقد ـ 1 ، 2
تعرّفتُ على المُفكر الفقيد محمد سليمان القايد،عبر قراءته مذ بدأ يكتب في صحيفة الأسبوع الثقافي،التي عمل بها صحفياً عام 1973،وقد جمعني به من بعيد هوانا المشترك بفكر مالك بن نبي،الذي كان كتب فيه المقالات قبل تعرّفه على فكر وحيد الدين خان ..ثم جمعت بنا الأقدار أو رمتنا هو من روندا وأنا من اللامكان الليبي الجماهيرية في شقة إسمها شعبة الصحافة حيث لم تعد هناك صحافة كنت انا في غرفة الصادر والوارد وهو في غرفة مجلة بالأسم إسمها ثراث الشعب كانت رفّا للنسيان ضمت الصحفيين الكاتبين المرحوم مصطفى نصر المسلاتي ومحمد وريّث.ولضيق المكان كان محمد القايد سوّاح .في محمد المفكر وفي أطروحته الفكرية الإبلاغية كتبت مشيراً إليها في مقالي بموقع بوّابة الوسط: الـحـاكـمـيـة» الأحد 8 مايو 2016 ـ و"التفسيرالخاطيء " الأحد 15 مايو 2016 ـ ومقال الأستاذ الصدّيق نصر أفاض وأغنى فلم يعد مزيد لمُزيد .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع