مقالات

د. محمود أحمد زاقوب

أيها الليبيون أعيدوا حساباتكم

أرشيف الكاتب
2017/07/23 على الساعة 17:10

الحاج عمر من تاجوراء، ربما يكون أحد أسلافه ذاك الذي يردد نحوه الليبيون "يا تاجوراء ما ريتيش عمر"، كناية عن انتشار وشيوع الاسم في تاجوراء وهو بالتأكيد ليس "التاجر عمر" ذاك الجشع الذي صُدعت به رؤوسنا في الثمانينات من القرن الماضي حيث الحاج عمر ذاك الرمز للتاجر الاستغلالي المقيت بل صور لنا أحياناً بأنه ذاك المُرابي وأحياناً أخرى وكأنه التاجر "شايلوك" اليهودي عند شكسبير والذي لا سقف يُحد لجشعه ونهمه، بالتأكيد قطعاً ليس هو، الحاج عمر هو فلاح تاجوري بسيط، يواظب كل عام على جني محصوله من الزيتون تمتد يداه المجعدتان والمعرورقتان لتلتقط ثمرات الزيتون، لكنه أبداً لا ينسى أن يقذف كل حبات الزيتون الفاسدة وتلك التي لا جدوى منها خارج حساباته في الجمع، أنه يطرحها بعيداً.

الريس سيفاو، منذ عشرات السنين يتجه صوب مرفأ زوارة بعد صلاة فجر كل يوم، فيما عدا أيام الجمعة والعطلات غير الرسمية وإنما ذات الشأن العائلي والخاص، يستقل سيفاو زورقه "تاماريس" تيمناً بجدته التي يدل أسمها على المرأة التي تتقن عملها، يستقله متجهاً شمالاً صوب المياه العميقة في هذا اليم الأزرق الذي لم ولن يعرف لما سُمىّ البحر الأبيض، اعتاد الريس سيفاو أن يلقي شباكه قبيل الغروب ليعود لها بعد الفجر، لم تخذله يوماً لكنها لم تكن منصفة دائماً، تمتد يد سيفاو ساحبةً الشِباك إلى الزورق لكنه أعتاد أن يُلقي ويقذف في البحر كل الأسماك التي تعرضت للنهش وتلك الصغيرة الحجم لانه منذ البداية يطرحها من حساباته.

العم ميكائيل الخضّار، هو لا يذكر بأنه امتهن حرفة يوماً عدا بيع الخضار منذ السبعينات، حتى انه لم يتوقف في ثمانينات القرن الماضي عندما أجُبر الجميع على التوقف عن ممارسة البيع وتقنين الشراء من مراكز محددة، كان يضع على تلك السدة أمام منزله في سوسة الليبية ربطة واحدة، تكون أحياناً نعناع أو كرافس وغالباً ربطة سلك "سلق"، فيقرع الباب كل من يود الشراء.

كان ميكائيل من أوائل الليبيين الذين استغنوا عن حجراتهم المطلة على الشوارع، مشرعين أبوابا لها على الطريق لتمسي دكاكين في طول البلاد وعرضها، العم ميكائيل لم يضع ربطة الخضار تلك على سدة الحوش منذ العام 88، بل وجدت لها مكاناً على أرفف المحل الجديد، لكنه في نهاية كل يوم لا ينسى أن يمر على صناديق وسِلال الخضار والفاكهة، ملتقطاً كل الثمرات الفاسدة وكل حزمة ذاوية "الرباطي الرامضة" رامياً وملقياً بها خارج حساباته.

عادةً ما تأتي حفيدات الجدة رحمة لزيارتها للتعلم والتمرن منها والاستزادة من خبراتها المنقطعة النظير، لكنها تصر وتواظب على تدريبهن على صوغ والتفنن في صناعة الأطباق والسلال "القفاف" والمراوح التقليدية، يجئنها في حيّها بالقرب من ساحة الحرية بمرزق، هي لا تنسى بأن تصبغ بعض من سعف النخل لتحلية المشغولات، ملتزمةً بتعاليم المرحومة والدتها، لكن الحاجّة رحمة لا تنسى في نهاية كل جوٍلة تدريبية بأن تُعيد وتلغي وتحذف كل تلك الأعمال والمشغولات التي نفذتها الحفيدات ولم تكن وفق المطلوب، هي صارمة في تعليماتها ولا تدخل في حساباتها ما لم يكن منضبطاً.

تقول الحكمة الانجليزية "Don't start what you con not finish" لا تبدأ في شيء لا تستطيع إنهائه، نحن بدأنا مرحلة يجب ألا نتوقف قبل إكمالها  لابد أن ننهي ما بدأنا به منذ ست سنوات، لقد استقطبت المرحلة التي تلت فبراير 2011، سواءًا عن طريق الانتخاب أو التكليف أو "التشعبيط" الكثير من الشخوص، من كل حدب وصوب ومن كل مشارب والوان وطرائق قددا، يقول ماركيز "من لم تكن له ذاكرة فليصنع له ذاكرة من ورق" لتكن لنا ذاكرة فقاّعة ولنبتعد عن ذاكرة السمكة التي تهواها كثيراً من شعوب العالم الثالث وأن نتبع ونقتدي ونقتفي أسلوب ونهج الحاج عمر التاجوري والريس سيفاو الزواري والعم ميكائيل من سوسة والحاجة رحمة من مرزق بأن نراجع ونتصفح ونطالع وندقق قوائم ومجاميع المتصدرين بالمشهد السياسي الليبي وأن نلتقط "الرؤوس والكروش" الفاسدة والتي لا جدوى منها ونلقي بها خارج حساباتنا وخارج المشهد السياسي الليبي  كفانا  من مهووسي الكراسي و عاشقي السجادة الحمراء.

حفظ الله ليبيا.

د. محمود أحمد زاقوب
2017-07-19

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع