مقالات

د. عبدالقادر الفيتوري

عندما تطوعت بالقوة المتحركة

أرشيف الكاتب
2017/07/22 على الساعة 13:41

من الزيغن.. ضنك وعوز.. طفل لم يتجاور الخامسة عشر.. بحثا عن لقمة العيش.. كان ذلك عام 1963م.. سيارة داف.. نجد لنا مكان في صندوق الشاحنة.. الى بنغازي.. عملت بداية مع شركة ابيكو لاستيراد وتصنيع الالات الثقيلة.. اعمال الميكنة.. ومن مساعد سائق شاحنة.. اصبحت قائد شاحنة ممتدة تحمل على ظهرها 3 انابيب ضخمة بطول 9 متر.. مواسير ضخ البترول من حقل الحريقه الى ميناء الحريقة بطبرق.. اول خط ومعرفة لليبيا بالنفط.. مسافة 1000 كم متر.. كل قافلة من عشرون شاحنة ترافقها سيارة لاندرفر (سكاندا سيريا).. مجهزة بالاتصالات والبلاغ عن اية شاحنة تتعطل اثناء الترحال.. ومع الانتهاء من اعمال التنفيذ.. وبداية ضخ البترول.. وقد شاهدته عيانا.. قدمت استقالتي.. وعدت الى فزان.. لا يزال الجيل يعيرونني بها.. (وجه الفقر يستحي من الغنى.. بعد شاف البترول والخير استقال وروح لفزان).. بيني وبينك.. حق عفسه.

اعدت التجربة مع شركة " ساسكو ".. لصاحبها: عبدالله عابد السنوسي... والتي انجزت طريق بوقرين - فزان.. ومنها انتقلت الى شركة الاويسس الانجليزية.. وفي الاويسس، صارت مهمتنا تزويد الفرق العاملة على آلات الحفر.. نقلت الة (رق 10) من جالوا الى الجغبوب.. اربع صهاريج اسبوعيا.. اثنان نافثة.. واثنان بنزين.. كنا ننقل الوقود ونعبر اولا ارض بطحاء.. بيضاء تعانق الافق استواء.. وما ان تنتهي امامنا 100 كم.. السير فقط عبر المسار المحدد سلفا.. خشية الالغام المطمورة منذ الحرب العالمية الثانية.. وقد سالت دماء المحور والحلفاء بغزارة هنا.. وفي بير حكيم.

ذات مرة.. حدث ان تعطلت الشاحنة في براح ما بعد المسار الملزم.. قريبا من خرمة الجبل.. مضيق وارض رحبة بين مرتفعات شاهقة.. ذهب السائق الى بنغازي لإحضار القطعة العاطلة.. وبقيت وحدي.. حارس "عساس" للشاحنة.. مدة شهر كامل.. نضب الزاد والماء سوى ما جاد به عابر سبيل من زملائنا صادف مروره.. متوحدا في صحراء مقفرة موحشة.. وما زاد في وحشتها.. انني عند طلوع النهار اتمشى في المحيط.. ويبدو ان المكان شهد معارك الحرب العالمية الثانية.. وذات يوم صعدت الجبل.. وبانت لي غابة اشجار الطلح.. متراصة ومخضرة في منظر بديع.. مسافة كيلو متر واحد.. قصدتها.. اطلال 12 عربة محترقة.. خوذ الجنود.. رفاتهم.. ملابسهم.. جماجمهم.. ايادي مقطوعة ومبعرة وقد صات عظامها بيضاء ناصعة.. كنت حديث سن.. وسط مشاهد لا تحكي سوى قصص الموت.. ومن ترك رفاتهم بالصحراء.. اوجست خيفة.. وزادني فيما بعد.. تعرفي على اثر حيوان مخلب.. يجول حول منامي.. اخترت النوم ليلا داخل (دومان) السيارة.. وفي احايين عده.. اسهر الليل.. وأنام النهار.

عبرت تلك التجربة.. قررت ترك العمل بالصحراء.. في بنغازي.. اخبرني احدهم ان "القوة المتحركة".. ستعلن قريبا عن قبول مجندين.. كان امر القوة السنوسي الفزاني.. انتظرت رفقة " شكابلية عرب الزيغن في حي البركة ".. اهل واحتي.. زمرة رفاق الصبا والنشأة.. وعندما اعلن عن التجنيد.. ذهبت الى معسكر " بنينه ".. كنا المتقدمين 500 مجند.. قبل منهم 250 فرد.. كنت احد المقبولين.. حضر السنوسي الفزاني بنفسه.. يرافقه طبيب.. وصار يعبر من امامنا ونحن في حالة اصطفاف.. ومن يشير اليه بعصا التشريفات.. ينتحي جانبا.. كان هو الذي اختار.. واوعز للطبيب اجراء الكشوفات الطبية لنا.. ومن هناك الى معسكر قريناده.. قرب مدينة البيضاء.. استلمنا مهماتنا كاملة.. الالبسة والاربطة.. المدربين انجليز.. ووزعنا على الشعب الثلاث.. النجدة.. خفر السفارات.. خفر النفط.. وكنت ضمن فرق النجدة.. وبعد تدريب عنيف استمر طوال عام 1967 م.. والامتثال التام للأوامر.. وكيفية اداء مهمتنا الاساسية.. مكافحة الشغب.. لنا لباسنا الخاص.. كما لكل شعبة زيها الخاص.. التشريفات لخفر السفارات.. الكاكي البني، والحبل الاحمر حول الابط.. لخفر النفط.. كنا دائما على اهبة الاستعداد.. بندقيتك البلجيكي برفقتك دائما.. مع عشرون ظرف رصاص حي.. وعندما تأتي الاوامر.. كما في المظاهرة التي جابت من البركة الى ميدان الشجرة.. نرافق المحتجين مسيرتهم.. على اطراف الحشد.. دون تدخل.. واي شخص يحاول الاعتداء او تهشيم واجهات.. نتقدم لصفعه.. لدينا طرقنا المتعددة.. لسعة بالعصا الكهربائية.. واذا كانوا شلة.. او خرج الجمهور عن طوره.. نستخدم غاز مسيل الدموع.. في جعبة كل واحد منا.. عشرون طلقة غاز.. اذا اقترب زحفه اكثر.. اطلاق النار في الهواء.. اذا لم يتراجعوا.. وهرج المكان.. اطلاق الرصاص الحي.. اسفل الركبة.. أي اصابة اعلى الركبة تعاقب عليها.. كنا مهرة في التصويب.

يحظر الخروج بدون اذن من المعسكر.. وداخل المعسكر انت في وضع الجاهزية دائما.. طلبت اذن خروج.. مبررا زيارة اقارب لي قدموا من فزان.. ومن معسكر بنينه بعد نهاية دوام الظهيرة.. سمح لي بالخروج.. الى حي البركة.. "حوش شكابلية عرب الزيغن".. رفاق الدرب.. وفي المساء.. عودة قبل الساعة التاسعة.. عند "مفوز البركه".. بداية طريق بنينه.. 7 كم.. اقف استجدي باشارة يدي سيارة عابرة تختصر لي المسافة.. السيارات قليلة.. توقفت سيارة مرسيدس فارهة.. طننت انه غريب تاه الطريق.. يسألني الطريق الى اين.. فتح باب السيارة.. قال لي: اركب.. ركبت بهدوء وخجل.. اضاءة السيارة الداخلية.. مع فتح الباب.. تعرفت على شخصه.. كان الآمر العام للقوى المتحركة.. الزعيم السنوسي الفزاني.. يضع مسدسه بجوار عتلة حركة التروس.. وبندقية اليه على سطح الكرسي الخلفي.. كان من طبيعته لا يهنأ ليلا.. يطوف بين المعسكرات.. وقيل.. انه عندما تعرض لحادث سير قرب المرج.. اصيب برأسه.. بقي سنتان للعلاج في بريطانيا.. وعندما عاد.. ظل هكذا.. الطبيب اوصاه بعدم النوم لأكثر من ساعتين كلما امكن ذلك.. وقد اعتاده هو الاخر.. تراه اواخر الليل.. يحوم.

ساد الصمت لمسافة.. قلت في نفسي: الفرصة حانت.. وجاءت الى حيث اقدامك.. فلا تلفظها.. انتهزها.. اعرف انه ينتمي لقبيلتي.. ولم يسبق لي اللقاء به في غير معسكرات القوى المتحركة.. وهناك لا مجال لغير لغة العسكر.. قلت له: انا من الجنوب.. فزان.. واعرف انك ابن عم لي.. ومن قبيلتي.. واتشرف بهده الصدفة التي جمعتنا.. وبالتعرف اليك.. رد باقتضاب: "خليك في شغلك".. تلعثم لساني.. وعاد الصمت يحبس الانفاس.. عاد لي صوابي.. وتذكرت هوة المسافة الفاصلة بين مجند وزعيم.. اقتربنا من بوابة المعسكر.. وكالعادة نداءات الحارس الثلاث.. قف.. تقدم.. قف.. تقدم.. وفي الثالثة.. عندما تعرف على شخصه.. ادى التحية.. عبرنا البوابة.. توقف ونادي ضابط خفر.. قال له: ضعه في السجن.. قضيت ليلتي.. وفي ظهيرة اليوم التالي.. نودي عليّ.. كان لا يزال بالمعسكر.. افرج عني وطلب الي الاستعداد لمقابلته.. عملت كل ما يلزم لإظهار قيافتي على اتم وجه.. ولجت باب مكتبه.. القيت التحية.. وانتصبت في وضع الاستعداد بعد المسافة المسموح بها.. تطلع اليّ مرات ومرات دونما ينبس بكلمة.. ويبدو ان قيافتي.. وحدب كي البدلة بالنشاء.. والنطاق والازرار بالسيدروا.. اعجبه.. قال لي: لقد شفعت لك هذه البذلة والقيافة.. لكن انتبه: "لا تأتي على لسانك بلفظ قبيلة مرة اخرى".. انصرف.. غادرت.. ورحلت الغمامة عن وجه الزعيم.

دائما في حل وترحال.. الاقامة بالمعسكر عينه ثلاثة شهور فقط.. تتبادل افواج المعسكرات.. الانتقال يشمل جميع الجنود والضباط.. يستثني طقم الادرايين بالمعسكر.. قرنادة بدل بنينه.. وبنينه بدل البريقه.. وهكذا.

مهمتنا لا تقف عند حدود كبح الشغب.. بل وتغطية أي عجز امني.. في أي موقع ترعاه القوى المتحركة.. قد اندب الى شعبة اخرى.. ارتدي لباسهم.. وانتقل للسكن بجوارهم.. في ذات مقرهم.. ليلة 1.9.1969م.. كنا اربعة اشخاص نذرع باحة المطار.. حراسة الطائرات.. سمعنا لحن مارشات عسكرية عبر الاذاعة المسموعة.. توقعنا ان الملك مات.. كان حينها في رحلة علاجية لتركيا.. لم نكترث.. وعند الفجر.. حظر ملازم من القوة المتحركة.. طلب منا تسليم العتاد.. والإبقاء على بنادقنا وعدم تسليمها لأحد كان.. بقينا على ذلك الحال ايام.. كانت حينها كل المعسكرات لا تزيد قوتها عن 50 فرد.. اما البقية.. فقد صدرت تعليمات بإحلال البديل للقوة المتمركزة لحماية حقول النفط.. كانوا لا يزالوا في الطريق لإجراء البدل.. وقبل عودة القوى.. اقتحمت المقرات جملة.. بمساعدة ضباط من داخل القوى المتحركة نفسها.. فوجئنا عندما اجتمع بنا احد الضباط المعروفين بيننا.. والقى خطبة.. عن ضياع الوطن.. وتفشي الرشوة والمحسوبية والوساطة.. وأضاف: انه سوف يتم احالة ملفاتنا لوزارة الداخلية.. وانه بإمكاننا من الان مغادرة المعسكر، والالتحاق بالوزارة لإعادة توزيعنا.

عند مبنى وزارة الداخلية.. التقيت بزملاء لي.. كنا اربعة اشخاص ثم تنسيبنا الى ادارة الشرطة بالبيضاء.. رفضنا.. ماذا سنعمل هناك؟.. وفيما نحاور الضابط المسئول برتبة رائد شرطة.. دخل ضابط جيش برتبة ملازم.. نهض الرائد من مكتبه، وقدم له التحية.. نالنا العجب..!!.. ما الذي يجري؟ وكيف لرائد ان يقدم التحية مسبقا لملازم ثان اقل رتبة منه.. لكن الرائد اصر على عدم النظر في طلبنا.. واوعز لنا بتنفيذ القرار.. كان عند الباب يقف رئيس عرفاء.. همس لنا اثناء خروجنا قائلا: "هذا ما يقدر ايديرلكم شي.. وحتى جبان.. لكن انتظروا عند سارية العلم في الساحة.. عندما تأتي سيارة لاندروفر سكاندا سيريا مسيجة بشباك حديدي على الزجاج.. اقتربوا منها.. واعرضوا قضيتكم".

ظللنا ننتظر.. ولم يتأخر كثيرا.. تقدمنا نحوه.. ضابط برتبة كبيرة.. يقود السيارة به سائق.. كان المقدم موسى احمد.. وزير الداخلية.. بادرنا بالسؤال.. اجبناه اننا نريد النقل الى اجدابيا.. وعندما وجه لي السؤال.. من لديكم من اقارب هناك.. قلت ابناء عمومتي.. نادى على رئيس العرفاء.. قال له: قل للرائد يصدر قرارات بنقلهم الى حيث يريدون.

في اجدابيا عملت حارسا.. مبنى المصرف التجاري.. وذات يوم سألني زميل.. لما لا تزور ابناء عمومتك باجدابيا.. قلت له: لا اعرف اماكن بيوتهم.. وفي اليوم التالي.. حضر الحاج زيدان بن كيلاني.. الى حيث انا اؤدي واجبي.. سألني عن اهلي وأعمامي.. وطلب مني المغادرة معه.. اعتذرت.. ارسل لمدير المركز يطلبه.. حضر الضابط.. وعانقه.. عمي زيدان اطلب.. وعندما طلب منه ان يخلى سبيلي.. في الحال.. حضر بديل الحراسة.. وذهبت الى حي ابناء عمومتي.. وصار لي مستقرا في اجدابيا.

مضت 6 اشهر.. تقدمت بطلب نقل الى البريقه.. تمت الموافقة على الفور.. وهناك بقيت اتلذذ الطعام الشهي على حساب الشركة النفطية.. ولا خدمة لا قدمه.. مدة 4 شهور.. وفي الاثناء تعرفت على شخص قدم للتو.. طويل القامة.. من تبو القطرون.. تعارفنا.. وجمعنا حنين فزان.. سكن بالغرفة المجاورة لي.. ومكثنا سويا.. كنا طوال الوقت متلازمين.. قدم من طبرق بعدما كان مناوبا في حراسة الملك.. حراس الملك التبو.. ومن بين ما يسلي به نفسه في العادة.. "خط الرمل".. التنبؤ بالمستقبل.. قلت له ذات يوم.. تقدمت بطلب نقل الى فزان منذ فترة.. هل لك ان تكشف لي مصيره.. قال: لم يبقى لك سوى يومين بهذا المكان وهذه البلاد.. وفي اليوم الثاني كنت قد غادرت.. وصلت برقية تفيد الموافقة على نقلي لفزان.. عودة اخرى لأرض الجذور.. عند مدرية امن سبها.. نسبت للعمل بفرق الدفاع المدني.. حضيت بدورات في ايطاليا لمدة عام.. وفي النمسا ثلاث شهور.. وفي تونس ثلاث شهور.. اتقن اعمال اطفاء الحرائق.. وسبل محاصرة النيران.. اقود الشاحنة احيانا بنفسي.. وفي احيان تجدني اقبض على فوهة انبوب الرش.. عندما كنت مجرد منتسب.. وعندما اصبحت مديرا.. وضرب الدهر ضرباته.. واشتعل الرأس شيبا.. ركنت الى التقاعد.. اواسي نفسي بلقاء متقاعدين مثلي.. وتستمر الحياة.

عبدالقادر الفيتوري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
بدر | 22/07/2017 على الساعة 16:51
احسنت
سلاسة في العرض وجمال في رسم الخطوط ،احييك من كل قلبي متمنياً ان تتحفنا بما تكتب ،أشدُّ علي يدك !!! تحياتي
نورالدين خليفة النمر | 22/07/2017 على الساعة 15:35
ـ أدب وفلسفة وتاريخ ـ
زميلي الفلسفي د.ع.الفيتوري ،أهنئك على هذا النص الباهر، الذي آعادني شخصياً إلى ذاكرة ليبيا الستينية ،سائق شاحنة إلى حقول النفط هو أبي ،الذي بدأ حياته في البوليس ،إلى القوّة المتحركة التي ضمت رجالاً جبليين من أبناء عمومتي،صورة قيافة وتحديد على الخط وشجاعة ليبية لم تكن تعرف هوان المستحيل ..أتمنى عليك ان تستمر في هذه السيرّ الوضاءة ،لتمنح هذه الأجيال الليبية اليوم ثقة في ليبيا الزعيم السنوسي الفزاني لا قبيلة بل وطن مفتوح لكل الليبيين هذا حصانك وهاذي السدرة .هناك بعض الملحوظات النافلة سأبعثها لك عبر بريدك الخاص على الفيس بوك
عطية صالح الأوجلي | 22/07/2017 على الساعة 14:47
رائع ... !!
سرد جميل وممتع ينبض بالحياة وبعبق التاريخ.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع