مقالات

شكري السنكي

جيل أرتاح قليلاً فأعاده مُستبد إِلى سابق عناء

أرشيف الكاتب
2016/07/23 على الساعة 18:56

إِلى روح أبي الغالي رحمة الله عليه... جيل أرتاح قليلاً فأعاده مُستبد إِلى سابق عناء

أشعر بإحساس مؤلم يتملكني فِي ذكري وفاة والدي، لأن الاستبداد حرمني منه سنوات طويلة ثمّ وافاه الأجل المحتوم ولم أستطع حضور جنازته. كان خبر وفاته صادماَ بالنسبة ليّ.. حزنت وتألمت وانهارت دموعي دون توقف. كم هُو مؤلم أن تبعدك سلطة دكتاتوريّة غاشمة مستبدة، عَن مراتع الصبا وحضن الأم وسماء الوطن والعيش مع والديك لتكون فِي خدمتهما، والأشد إيلاماً حينما لا تستطيع حضور جنازة أَحدُهُما أو  كليهُما وتقبل العزاء فيهما.
لم أفعل شيئاً سوى إني اتخذت موقفاً رأيته واجباً أخلاقياً ووطنياً، مِن مُستبد طغى وتجبر وأراد تحويل الوطن إِلى صورة شخصيّة له أو مزرعة خاصّة به وعقار قابل للتوريث.   

محَمّد علي السنكي هُو والدي، والمولود فِي بّنْغازي بشارع الشّريف سنة 1920م، والّذِي كان ومَا زال قدوتي، واسمه يشرفني وأعتزّ به أيّما اعتزاز. مرت سنوات على وفاته، وذكرى وفاته كانت منذ أيّام، فقد أنتقل إِلى الرفيق الأعلى يوم الخميس الموافق 9 يوليو / تموز 1992م. رأيت مِن الواجب أن أكتب عنه مِن باب الحبّ والوفاء سائلاً المولى عز وجل أن يرزقني بره بعْد وفاته، كمَا سألته سابقاً أن يرزقني بره فِي حياته، ولتكون هذه الكلمات المهداة إِلى روحه الطاهرة - بإذن الله تعالى -  نوعاً مِن رد الجميل والاعتراف بالفضل بين الأبناء والآباء. ولأؤكد بأن الاغتراب قد يكون ضرورة فِي بعض الحالات، وقد يُصبح هدفاً لِمَنْ اضطرته الظروف القاسيّة أو جبروت الطغاة إِلى ذلك، فالغربة مؤلمة والعيشُ بعيداً عَن الوطن شاق ومرير حتَّى لو كانت الأوضاع الماليّة والمركز الوظيفي على خير مَا يرام. أيْضاً، لأعرض بعض محطّات حياة والدي وأقدمها للقرَّاء – وباختصار شديد – ليتعرفوا على جيل عصامي قام بأداء رسالته على أكمل وَجْه ثمّ تعرض لأذى سلطة تحكم فِي مفاصلها مُتَعَجْرِف مُتَغطْرِس كان لا يرى فِي الكون سوى نفسه ورغباته فِي الحيَاة. وليأخذوا العبرة والدّرس مِن تجربة هذا الجيل الّذِي صنع مجتمعاً منسجماً متعاوناً ومتصالحاَ مع نفسه ومحيطه، كذلك رسم أفضل الصور عَن المجتمع الِلّيبيّ فِي ذهن جميع النَّاس فِي كلِّ مكان.
قبل أربعة وعشرين عاماً بالتمام والكمال غادر والدي هذه الدنيا الفانية إِلى دار الآخرة الباقيّة، وَمِن ضيق الدنيا إِلى سعة الآخرة بعْد حيَاة حافلة بالعطاء والصبر والمواقف الّتي تحسب له، والّتي تدل على معدنه الأصيل وحكمته وبعد نظره. لم يطق والدي يوماً التلوِّن والأساليب الملتوية والتزلف الّذِي صار الآن سلوكاً اجتماعياً يمتهنه كثير مِن النَّاس، بالرَّغم مِن تحريم الإسْلام له. كان يسعى ويعمل بجدٍ وإخلاصٍ ويتحرى الحلال فِي كلِّ شيء، وحينما وسع الله عليه فِي الرزق، لم يفكر فِي شيء سوى كفالة طلاب العلم وخاصّة النابغين منهم.. وفضل المساجد، وبناءها، ورعايتها. ساهم والدي ومجموعة مِن الِلّيبيّين الخيرين فِي تمكين العديد مِن الطلبة الفلسطينيين الدّارسين فِي الخارج مِن إتمام دراستهم، ثمّ قام ببناء مسجد طمعاً فِي الثواب، وأن يكون له بيتٌ فِي الجنة، فعن عُمر بِن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ بنى مسجداً يُذكر فيه اسم الله، بنى الله له بيتاً فِي الجنة).
وَالشّاهِد، ساعد والدي الكثيرين ووقف إِلى جانب العديد مِن النَّاس، وأذكر أن أحد أصدقائه كان يمر بأزمة ماليّة بعْد فقدانه لوظيفته فِي القطاع الخاصّ، ففتح له محلاً وقال له: "أقف فِي هذا المحل فهُو محلك وأنت شريكُ بالمناصفة". وساعد أخر كان يعمل سائقاً بالأجر اليومي على سيارة نقل كبيرة، فاشترى له شاحنة أو سيارة نقل، وقال له: " لك فِي هذه السيارة مَا ليّ تماماً، فأنت شريكُ بالنصف لا سائقُ بالأجر اليومي". وهُناك حالات أخرى مشابهة ولكنني اكتفيت بالحالتين المذكورتين حتَّى لا أطيل أكثر ممّا يجب، ويُذكر أن أحد أصدقائه كان قد أبّنه بقصيدة شعبيّة، جاء فِي مطلعها: (محمد السنكي اعلام تعلى هني بال مَنْ حصل ذرا في ظله).
ومَا يمكن إضافته فِي هذا السّياق، كره والدي الشديد للبُخل، فقد سمعته ذات مرَّة يقول: "أجمل الرجال: مَنْ كان نصفه الأوَّل أدب ونصفه الثّاني كرم"، وهذا قول مِن أقوال الحكماء. كان والدي - رحمه الله - لا يكره شيئاً فِي الرجل أكثر مِن  البُـخل، وكان يقول دائماً كلِّ شيء سيئ أو سلوك غير سوي ممكن الإقلاع عنه إلاّ البُـخل فلا يمكن تغييره. وقد نصح شقيقه ذات مرَّة، فقال له: "لا ترافق البُـخل، لأنه  عديم المروءة  وبئس الرفيق، وهُو الأسوأ على الإطلاق، ولا تتوقع منه شيئاً أكثر مِن الخساسة والنذالة".
واستئنافاً لما ذُكر، فقد كان والدي يجيد اللغتين العربيّة والإيطاليّة تحدثاً وكتابةً وقراءةً، وإِلى جانبهما التحدث باللغة الإنجليزيّة. وكان مثقفاً ورجل أعمال ناجحاً، ويتابع أخبار العالم فِي وسائل الإعلام المتاحة فِي عصره وزمانه، وعلى الأكثر عبر جهاز الراديو، خصوصاً راديو (Radio BBC) بي بي سي العربيّة مِن لندن. وكان مِن الجيل الّذِي اعتمد على نفسه فِي كلِّ شيء، وتجد فِي بيته عدة التصليح كاملة، فوالدي كان يقوم بإصلاح الأعطال فِي المنزل والصيانة الدوريّة لسيارته.
وبِالإضافةِ إِلى ذلك، لم تكن معركة جيل والدي مع مجتمعهم، بل كانت معركتهم لأجل الوطن والبحث عَن سبل تؤدي إِلى رفعته، والإسهام فِي تقدمه ونهضته. ولم تكن قضيّة الإسْلام ومكانته فِي المجتمع الِلّيبي مطروحة عندهم لأنهم كانوا معتزين بإسلامهم ومحبين لدينهم ولا يقبلون بتاتاً أن يصبح الإسْلام محل مزايدة مِن أحد، فالِلّيبيّون مُسلمون، والإسْلام جاء رحمة للعالمين وهُو دين الحبّ والتسامح، والصفح، وحسن التعايش مع كافة البشر.
كان والدي واحداً مِن التّجار ورجال الأعمال فِي زمن المملكة، وقد ساهم هؤلاء الرجال مُساهمة فعالة ومؤثرة فِي إعمار البلاد وتحريك اقتصادها، ولم يكن هؤلاء يعرفون الغشّ والسمسرة وشراء الذمم وبيع أراضي الدولة وتقاسم العمولات مع رجال السّلطة، وكان جيلهم حريصاً كل الحرص، على استثمار أمواله داخل بلاده وإبقاء الأموال فِي المصارف المحليّة لا تحويلها إِلى المصارف الأجنبيّة خارج البلاد.
وكان مسلك هؤلاء فِي العمل الإخلاص والصدق والكسب المشروع.. وهمّهم بناء بلادهم وتقدّمها.. ودأبهم وديدنهم الحفاظ على منظومة المجتمع الأخلاقيّة. وبقدر مَا كان هؤلاء متابعين للشأن العامّ وداعمين لقضايا أمتهم العربيّة والإسْلاميّة كقضيّة فلسطين وقضيّة تحرير الجزائر وقتئذ, إلاّ أنهم وضعوا بينهم وبين السّياسة مسافة ظاهرة وبينية، فلم تكن صراعات السّياسيّين تستهويهم، ولا الوظائف الحكوميّة وكراسي البرلمان والمناصب الدّبلوماسيّة تجذبهم أو تغريهم.
كان والدي يعمل فِي مجال التجارة والمقاولات، واتذكر أنه قفل شركة مقاولاته بعْد انقلاب سبتمبر المشئوم وقد قفلها فِي وقت كان بإمكانه أن يصبح ثرياً وصاحب أموال طائلة لكنه فضل الابتعاد ورأى أن القادمين الجدد سوف يلوثون مجال الأعمال، وأن شعار (الاشتراكيّة) الّذِي رفعوه يحمل فِي طيّاته نيتهم المبيتة ضدَّ القطاع الخاصّ.
طرح الانقلابيّون فِي بداية السبعينيات، مشاريع لبناء معسكرات وبعض المساكن الخاصّة بالعسكريين، وكان عدد شركات المقاولات الِلّيبيّة وقتما طرحوا تلك المشاريع لا يتجاوز أصابع اليدين، ولذا طلب الملازم مُصْطفى الخروبي عضو مَا كان يُسمّى (مجلس قيادة الثورة) والمُكلف مِن قبل رفاقه بالإشراف على هذا الملف، مِن العقيد محَمّد علي الجهمي الّذِي ترأس هيئة الإمداد وكان مسؤولاً فِي البدايّة على مشاريع الانشاءات العسكريّة، أن يشجع الِلّيبيّين على اقتحام هذا المجال وينشئوا شركات للمقاولات، لأن الكثير مِن العقود ذهبت لغير الِلّيبيّين. طلب السّيِّد محَمّد الجهمي مِن والدي الّذِي تربطه صداقة قويّة به، أن يتقدم للمشاريع المعروضة بل إنّه مستعد لتكليفه ببعضها لأنه ناجح فِي عمله ويثق به ويعرف إنّه يخاف ربه، ولكن والدي اعتذر وشكره على ثقته الغاليّة وأخبره إنّه قادم على قفل الشركة وبيع أصولها وآلياتها. وبالفعل، باع والدي آلات شركته لأحد الشباب الّذِين دخلوا مجال المقاولات وأنشأوا شركات فِي هذا القطاع، وقد أصبح ذلك الشاب مِن الأغنياء فِي وقت قياسي.
ويُذكر أن نظام معمّر القذّافي اعتقل فِي فبراير/ شباط 1980م، أعداداً كبيرة مِن المقاولين ورجال الأعمال والبنوك، ثمّ قامت لّجانه الثّوريّة بمحاكمة هؤلاء فِي محاكمات علنيّة لم تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة، وعرضوها فِي التلفزيون الرَّسمي. قصد النَّظام مِن هذه المحاكمات الظالمة التشويه وربط النشاط التجاري والعمل الخاصّ بالسرقة والتزوير وانعدام الذّمة والضمير لتبرير إلغائه وتجريمه وصولاً إِلى التحكم فِي أرزاق النَّاس وبسط سيطرته الكاملة مِن خلال لقمة العيش. وقد تعرض هؤلاء إِلى الضرب والتعذيب والإهانة أثناء فترة اعتقالهم، وقد اتهم واحد مِن بين هؤلاء، مجموعة مِن كبّار قيادات اللّجان الثورية بإهانته وتعذيبه بكلِّ قسوة وتشفي حيث كان يعذب بالسحل على الأرض والضرب المبرح. اتهم المُهندس فتحي عزات صاحب شركة للمقاولات ورجل الأعمال المعروف – قبل وفاته بقليل – مجموعة مِن قيادات اللّجان الثّوريّة بأنهم قاموا بضربه وتعذيبه أثناء اعتقاله، وتمّ بث شهادته فِي شريط مرئي تناقلته بعض المواقع الالكترونيّة، وقد تُوفي السّيِّد فتحي عزات، فِي تونس، يوم الاثنين الموافق الثامن والعشرين مِن شهر يونيه / حزيران 2008م، ودُفن فِي مدينة بّنْغازي.
وَمِن جهة أخرى، كان جيل والدي جيلاً عصامياً ومثابراً ومكافحاً، وكان لبعضهم أيادي بيضاء وأعمال جليلة ومواقف طيبة ومشهودة مِن قبل الجميع، وقد قدّم هذا الجيل الكثير لوطنه وكلِّ مَا فِي وسعه لنصرة القضايا العربيّة والإسْلاميّة، ومنها ثورة الجزائر وقضيّة فلسطين. فقد كان والدي ضمن مجموعة الِلّيبيّين الّذِين انضموا إِلى المشروع الّذِي أسسه الرَّاحل صَالح مسعود بويصير بعْد انقطاع موارد الطلبة الفلسطينيين الدّارسين فِي الخارج عقب هزيمة 1967م واحتلال إسرائيل للضفة الغربيّة وغزه. استشهد صَالح بويصير فِي حادثة الطائرة الّتي اسقطتها إسرائيل، فِي رحلة الخطوط الجويّة الِلّيبيّة رقم (114) مِن بّنْغازي إِلى القاهرة وذلك صباح يوم 21 فبراير/ شبّاط 1973م، وكان بويصير قبل ذلك بسنوات، قد أسس فِي القاهرة، لّجنة لعون الطلبة الفلسطينيين، والّتي  تقوم على ربط المقتدر أو المانح الِلّيبيّ والعربي بالطالب الفلسطيني، بحيث يقوم المانح شهرياً بتحويل المبلغ الّذِي تحدده اللّجنة إِلى الطالب الفلسطيني فِي بلد دراسته. وأذكر أن والدي والسّيِّد مُصْطفى علي بوقرين تكفلا  بالمصاريف المعيشيّة والدّراسيّة لعدد مِن الطلبة الفلسطينيين الدّارسين فِي مِصْر، عقب لقاء جمعهما ومجموعة مِن المقتدرين مِن أهل بّنْغازي فِي بيت السّيِّد عبدالله عبْدالجليل القلاّل. وقد تكفل والدي بثلاث طلبة، أحدهم كان يدرس الطب، والاثنين الآخرين فِي كليّة الهندسة، وقد زار طالب الطب والدي فِي بّنْغازي بعْد تخرجه مباشرة.
ولا شكّ أن اللّجنة ساهمت فِي دعم الطالب الفلسطيني وأدَّت دورها على أكمل وجه، وقد ساهم عدد مِن الِلّيبيّين فِي نجاحها وتمكين العديد مِن الطلبة الفلسطينيين الدّارسين فِي الخارج مِن إتمام دراستهم. وقد ذكرت الأستاذة فدوى صَالح بويصير هذه المحطّة فِي سيرة حيَاة والدها فِي حوار لها مع (راديو صوت الأمل/ دار الإذاعة الِلّيبيّة فِي المهجر)، فِي فبراير/ شبّاط 2008م، بمناسبة ذكرى مرور (35) عاماً على استشهاد السّيِّد صَالح بويصير، فقالت:..".. بدأ أبي صَالح بويصير بماله الشخصي، ثمّ توجه إِلى الِلّيبيّين المقتدرين.. وقد ساهم فِي هذا الجهد كثير من الِلّيبيّين لا استطيع حصرهم فِي هذا المقام. ولابُدَّ أن أذكر أيْضاً مساهمات أصدقاء الوالد مِن العرب مِن أمثال: المَلِك فيصل والمَلِك حسين والسّيِّد عبْدالعزيز العلي المطاوع والشّيخ آل ثان وآخرين مِن أثرياء العرب، ولكن أغلبية العون كان مِن الِلّيبيّين.
وَمِن خلال جهد اللّجنة، تمكن أكثر مِن (36000) ستة وثلاثين ألف طالب فلسطيني مِن استكمال دراستهم فِي الدول العربيّة والأوربيّة. وقد احتل بعض الطلبة الّذِين ساعدتهم هذه اللّجنة، مواقع متقدمة فِي السّلطة الفلسطينيّة، فمثلاً سعادة السفير المُناضل بسام الاغا سفير فلسطين فِي ليبَيا كان يذكر دائما إنّه يعتز بأن المرحوم محَمّد بِن صويد الصحفي المعروف مِن بّنْغازي ساعده فِي مرحلة مَا على إتمام دراسته من خلال اللّجنة الّتي أسسها صَالح بويصير. لقد كانت هذه اللّجنة الّتي أسسها بويصير سنة 1968م على الرَّغم مِن وجوده لاجئاً خارج بلاده إحدى أهمّ علامات دور المجتمع المدني الِلّيبيّ فِي تلك الفترة لدعم القضيّة الفلسطينيّة..".
وَمُضَافا إِلَى ذَلِك، نحت والدي وجيله فِي الصخر مِن أجل لقمة العيش، ففي البدايّة كان الفقر والحرب والمستعمر الجاثم على صدر الوطن، وبعْد هزيمة الاستعمار واستقلال البلاد، كانت ليبَيا مصنفة دوليّاً كثاني أفقر دولة فِي العالم حيث احتلت اندونيسيا المركز الأوَّل. تحسنت ظروف هذا الجيل وأحوال النَّاس كافة بعْد اكتشاف النفط، الّذِي اكتشف لأوَّل مرَّة فِي ليبَيا العام 1958م، وبدأ الإنتاج العام 1961م، ودخلت البلاد فِي بدايّة الستينات فِي مشاريع تنمويّة ونهضويّة وحققت قفزات نوعيّة ونجاحات باهرة فِي كافة المجالات وقد أشاد العالم أجمع بما تحقق فِي زمن اعتبروه قياسياً. وبعْد فترة قصيرة مِن تصدير النفط، استولى القذّافي على السّلطة بانقلاب مشبوه، وقادت سياسات الانقلاب إِلى توقف التنميّة وإفساد الحيَاة وتدنى الإداء وتحكم الدولة فِي حيَاة النَّاس، فصادرت أموالهم وممتلكاتهم بـ(قوانين التأميم) الّتي بدأت فِي الصدور منذ منتصف السبعينات. فقد صدر قانون رقم (4) لسنة 1978م بتاريخ 6 مايو 1978م، وقد حرّم هذا القانون على أيَّ مواطن ملك أكثر مِن بيت أو سكن واحد، وأوجب أن يؤول مَا زاد على ذلك مسكناً كان أو أراضي فضاء، إِلى ملكيّة الدولة، ثمّ بقوانين إلغاء مُمارسة العمل التجاري بكافة أشكاله فِي العام 1979م ثمّ بقرار تغيير العملة فِي العام 1980م الّذِي تمّ بموجبه مصادرة المدخرات النقديّة للمواطنين، حيث وضع النَّظام يده على حسابات المواطنين البنكيّة بحجة إلغاء العملة واستبدالها بجديدة، ثمّ فرض على مَنْ يضعون أموالهم فِي بيوتهم لأنهم فقدوا الثقة فِي بنوك النَّظام، أن يأتوا بها إِلى البنك المركزي ليتم استلامها بموجب إيصال ويمنح صاحبها مبلغ مالي قدره (1000) ألف جنيه مهما كان حجم المبلغ المُستلم منه على أمل أن يتم منحه باقي المبلغ على فترات.
أدخل الانقلاب هذا الجيل والأجيال الّتي جاءت بعده فِي دوائر الاحتياج والتضييق والتهديد والقمع الّذِي وصل إِلى حد قتل معارضي سياسات النَّظام والمشتبه فِي معارضتهم له، فِي الشوارع وتعليق بعضهم على أعواد المشانق فِي الميادين العامّة ووسط ساحات المدارس والجامعات.
صادر النَّظام أموال والدي كمَا صادر أموال غيره، أمم مخازن بضائعه وعقاراته والأراضي الّتي اشتراها بغرض الاستثمار، وخصص له مرتباً شهرياً متواضعاً لا يكفي لكبير عائلة يُعد الملجأ والملاذ، والبيت المفتوح للعائلة ولكل زائر ومحتاج للعون والمساعدة. حزن فـ(الرزق قطعة مِن الكبد) كمَا يقول الِلّيبيّون، لكنه رغم ذلك صبر واحتسب، مؤمناً بأن الرزق بيد الله وحده، وأن رزقه حلالُ طيبُ، ولذا آمن بأن الله سبحانه تعالى معه ولن يتركه وسوف يستره حتَّي آخر العمر. وبالفعل ستره الله إِلى آخر يوم فِي حياته، ولم يرد سائلاً طيلة عمره حتَّى بعْد تأميم أملاكه.
ومَا يمكن أضافته أيْضاً، المؤتمر الصّحفي الّذِي عقدته أنا ومجموعة مِن رفاقي الدّارسين بجمهوريّة ألمانيا الاتحاديّة ضمن أفراد البعثة التعليميّة الموفدة من قِبل الهيئة العامّة للتصنيع الحربي. اتخذت موقفاً معارضاً ومعلناً ضدَّ نظام معمّر القذّافي، وعقدت أنا ورفاقي مؤتمراً صحفياً بمبنى الإذاعة والتلفزيون فِي الخرطوم، ظهر يوم الخميس الموافق 2 يونيه / حزيران 1983م، أعلنا فيه معارضتنا لنظام معمّر القذّافي، وانضمامنا إلى صفوف القوى الوطنيّة المعارضة له، وكشفنا سجل النظام القمعي الإجرامي وأعماله الإرهابيّة التخريبيّة الّتي طالت العديد مِن البلدان. وبث تلفزيون السّودان المؤتمر الصّحفي ليلاً، وفِي صباح اليوم التالي كان المؤتمر الصّحفي عنواناً رئيسياً لمعظم الصحف السّودانيّة، وخبراً ضمن اخبار العديد مِن الصحف العربيّة والأجنبيّة.
وَبَعد هذا الموقف، تعرضت عائلات مجموعة ألمانيا إِلى التحقيقات المستمرة والمضايقات الدّائمة، ثمّ المنع مِن السفر لمدة طويلة مِن الزمن. وقد تعامل والدي مع هذا المنع والمضايقات والتحقيقات المستمرة، برجولة وثبات، ورفض طلب السّلطات أن يسافر إِلى الخارج مِن أجل إرجاعي إِلى ليبَيا.
وحقيقة، قد كنت قلقاً طوال الوقت على والدي وأشقائي وأسرتي، وكنت أيْضاُ أخاف أن يكون والدي قد زعل مني أو غضب نظراً لأذى نظام القذّافي الّذِي طاله بعْد موقفي المُعلن منه. وقد اطمَأنَّ قلْبي  بعد أن علمت مِن ابن عمتي والكاتب المخضرم المعروف سَالم قنيبر أن والدي قد مرَّ بأيّام صعبة وعسيرة وأنه كان يخشى تصعيد النَّظام باتخاذه إجراءات أكثر  قسوة وأشد وطأة ممّا تمّ اتخذه ضدَّه وضدَّ أسرته، ولكنه كان فِي قرارة نفسه مبسوطاً وفخوراً بموقفك ولا يشغله شيء أكثر مِن سلامتك وكيف ستدبر شؤون إقامتك ومعيشتك.
وَأَخِيْراً، قيل فِي الأمثال العربيّة: (أن تفقد "أباك" معناه أنك تخسر الجدار الّذِي تستند إليه). لقد انجرح قلبي جرحاً عميقاً لن يتداوى بفراقك يـا أبي العزيز. وبالرَّغم مِن أنك بعيد عني ولكنك قريب مني، وقلبي لا يقدر ينساك أبداً، ولا يسعُنا إلاّ أن أقول: أمطري يا سماء وأسقي قبراً أوجعني فُراق صاحبه. أسأل الله أن يغفر لك يا أبــي الغالــي ويرحمك ويُنزلك منازل الشهداء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.. ورحم الله موتانا وموتى جميع المسلمين.
وفِي النهايّة، ستبقى كلِّ الكلمات عاجزة عَن وصـف ألم رحيلك وفقدناك يـا أبـي العزيــز... رحمك الله.
شُكْري السنكي

محمود الفيتوري | 25/07/2016 على الساعة 23:47
جيل أرتاح قليلاً فأعاده مُستبد إِلى سابق عناء
رحم الله والدك أخي شكري رحمة واسعة وجعل مثواه الفردوس الأعلى من الجنة . هكذا كان رجال العهد الملكي الصادقون مع أنفسهم ومع وطنهم، قمة في الكرم والأخلاق الحميدة والتفاني في خدمة الآخرين وخدمة الوطن وهكذا كانوا يحبون وطنهم ويضحون من أجله .. إنا لله وإنا إليه راجعون
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع