مقالات

عبد الرزاق مختار

إمعاناً في مضاعفة معاناة الليبيين: قوانين مكبلة وتغول للجهات الرقابية

أرشيف الكاتب
2017/07/16 على الساعة 14:23

إن أي تطور حقيقي ينشده بلد من البلدان لا يمكن له أن يتحقق هكذا بشكل سحري أو عبر خيالات وأوهام وتصورات أو شعارات جوفاء لا علاقة لها بالوقع  دونما أن يكون هذا الطموح و ذلك النشدان مرتكزين على محفزات ومنظومات واقعية متجاوبة مع محيطها و مستجيبة لمتطلباته العاجلة والآجلة. ولعله في مقدمة هذه المحفزات والمنظومات "منظومة القوانين" التي من خلالها تمارس مؤسسات الدولة أعمالها  وتحقق أهدافها. وحين نتابع مسيرة البلدان التي استطاعت أن تحقق نهضة حقيقية وطفرة اقتصادية نجدها تلك التي اتخذت إجراءات جذرية فيما يتعلق بمدونة القوانين لديها. فقامت بمراجعات جريئة لها فعززت ما من شأنه الدفع بعجلة التنمية والاقتصاد إلى الأمام وأزاحت تلك المتاريس القانونية المتكلسة التي رأت أنها ستعيق حركة تقدمها الطموحة وستجرها إلى الخلف وستعطل اندفاعها الإيجابي وستحبط مشاريعها الكبرى والصغرى على حد سواء. كما استصدرت قوانين جديدة فاعلة ومؤثرة ومحفزة على التطور وإحداث النقلة الحقيقية في مسيرة الوطن والمواطنين على حد سواء.

أريد أن أعبر من خلال هذه المقدمة إلى واقع  عديد القوانين والمؤسسات الرقابية في ليبيا. والتي لن نحتاج إلى بذل جهد أو وقت لنكتشف كم هي مكبلة (بكسر الباء) ومعرقلة لكل طموح يشرئب إليه ويتطلع المواطن في ليبيا بعد أن أحكم الإحباط قبضته عليه. وبدلاً من أن تصبح تلك القوانين والمؤسسات  الرقابية عوناً ودافعاً أصبحت حجر عثرة كأداء يصطدم بصلادتها وتحجرها كل طموح وتطلع إيجابي.

إن  بلدان العالم وهي تسابق الوقت والزمن حتى تكتمل نهضتها لا تتوقف عن مراجعة قوانينها وتشريعاتها ولا تتردد في متابعة أعمال مؤسساتها الرقابية لمعرفة هل هي حافز للإنجاز على أكمل وجه أن تحولات إلى قيود وأغلال؟! فلنا أن مثلاً بمشروع إقامة وحدات سكنية لا يتجاوز إنجازه السبعة أشهر مثلا نجد الإجراءات التي تحتمها القوانين والجهات الرقابية تصل إلى ضعف هذه المدة أو أكثر. ولعلنا نسمع في دول العالم لا نقول المتقدمة بل النامية عن ما يعرف بسياسة الشباك الواحد وهو الذي يختصر ويختزل جميع المعاملات أمام جهة واحدة تملك صلاحية الاعتماد و إعطاء التصاريح ومنح الأذونات بسرعة قياسية.

هنا في ليبيا تجتهد الجهات الرقابية "ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية" وتبذل جهوداً مضاعفة كي تعرقل وكي تكبل وكي تعسر وتستغرق الوقت الطويل أكبر من المدة المخصصة لتنفيذ مشروع  وتتدخل في تفاصيل عطاءات ومشاريع وفي ممارسة رقابية سابقة وئدت كثيرا من المشروعات قبل أن ترى النور وقبرت كثيرا ً من الطموحات قبل أن يجني ثمارها الناس. لسنا ضد هذه المؤسسات الرقابية فدورها حيوي وواجب للحفاظ على المال العام وتحقيق الشفافية ومواجهة الفساد ولكن لا يعني هذا أن تتغول هذه المؤسسات وتتحول إلى مقبرة كبرى تدفن فيها المشاريع التنموية بأنواعها كافة ومشاريع المؤسسات والوزارات والشركات و الأفراد. على المدى القصير والبعيد.

وكثير من المؤسسات تأثرت سلباً بسبب هذه القوانين المكبلة إضافةً إلى الإجراءات السابقة وليست اللاحقة لديوان المحاسبة والرقابة الإدارية منها مصرف ليبيا المركزي والمحافظ الاستثمارية والمصارف التجارية ومؤسسة النفط. ولدى هذه  المؤسسات والجهات - بحسب علمنا -  النية والقدرة على إقامة عديد المشروعات الطموحة التي من شأنها أن تخفف من معاناة الناس وأن  تخرجهم من دائرة الإحباط بعد أن يئسوا أن يروا بوارق أمل في الأفق. هذه المؤسسات والجهات التي أشرنا إليها  اصطدمت بجبل من القوانين المعرقلة العقيمة وبصخرة من الإجراءات السابقة عن التنفيذ للرقابة الإدارية وديوان المحاسبة فتعطلت المشاريع الطموحة التي كانت تعتزم إقامتها والتي ينتظر مثلها المواطن بفارغ الصبر.

إن استنزاف مزيد من الوقت والجهد من خلال هذه الأكداس القانونية المعرقلة والإجراءات الرقابية المكبلة لن يقود إلا إلى مزيد من اليأس والإحباط والمعاناة لدى الناس في ليبيا. وفي هذا السياق لا يمكن لنا أن نقفز على سيل القوانين التي استنها المؤتمر الوطني بعد انتهاء فترة ولايته المحددة إلا أنه لم يخضع لذلك بل قام بمنح صلاحيات لجهات جعلتها تتوغل وتتجاوز الغاية التي أسست من أجلها. ولكم أن تتخيلوا المفارقة المحزنة: مؤتمر منتهي الصلاحية يسرف في منح صلاحيات لمؤسسات مثل ديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية.

إننا إذا كنا نريد أن نخرج من هذا الواقع المتردي و إن كنا جادين في التخفيف من معاناة الناس وإحداث طفرة اقتصادية فعلينا أن نسارع بإعادة النظر في جميع القوانين  والتشريعات المعمول بها والتي سنت وصيغت وصدرت في عهد معمر القذافي. فمن المفارقات أن الليبيين ثاروا على معمر القذافي لكنهم أبقوا على جميع القوانين التي سنها ولم يفكروا في  إلغائها أو مراجعتها أو إعادة النظر فيها وهم يدركون أنها وليدة مرحلة تغولت فيها الدكتاتورية وطوعت القوانين والتشريعات لخدمة وتثبيت واستمرار ذلك النظام الدكتاتوري لكن للأسف ثار الليبيون على هذه الدكتاتورية ومات معمر القذافي موتاً بيولوجياً لكنه قانونيا ً وتشريعياً حياً وموجوداً وبقوة من خلال أكداس القوانين التي صاغها والتي لا تزل تحكم قبضتها على سائر مؤسسات الدولة وتشكل المرجعية وتعيق حركة المجتمع.

إن الجهات التشريعية في ليبيا التي خولها القانون ذلك  بموجب اتفاق الصخيرات مطالبة بأخذ زمام المبادرة وتشكيل لجنة وطنية لإعادة النظر في مدونة القوانين والتشريعات الليبية التي صدرت إبان حكم النظام السابق لاستصدار قوانين جديدة تستجيب لمتطلبات مرحلة مابعد الثورة وتتسق مع  استحقاقات الحقبة التاريخية التي يعيشها الليبيون والتي تستدعي قوانين متطورة محفزة ودافعة للتطور وللتقدم وليست معرقلة ومعيقة. ويتم مراجعة جميع القوانين المنظمة لعمل بعض المؤسسات خاصةً ديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية.

إلى جانب استحداث قوانين محفزة ودافعة للأمام. مع التعجيل بتطوير آليات عمل ديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية وإعادة النظر في القوانين المنظمة لعملهما بحيث يصبحان عاملي تحفيز ودفع لعجلة الاقتصاد دون الإخلال بمهامهما التي خولها لهما المشرع. وأن يكون عملهما لاحقا وليس سابقا  ومسهما في إحداث التنمية المنشودة وليس العكس.

إن الأوضاع التي يعاني منها الوطن ويكابدها المواطنون تستدعي منا جميعا دون تراخ أن نفعل ونعتمد كل ما من شأنه إحداث نقلة اقتصادية حقيقية وأن نطلق يد الجهات والمؤسسات التي لديها الرغبة في الإسهام بقوة في إقامة مشاريع كبرى ومهمة وفق تشريعات مرنة وليست مخلة ومحفزة وليست متهاونة ولكن بآليات عمل سريعة منجزة.

حفظ الله ليبيا وأهلها ورفع عنهما كل إحباط ويأس.

عبدالرزاق مختار

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع