مقالات

أحمد معيوف

الاحساس بالمسؤولية: حاكموا التني (2/2)

أرشيف الكاتب
2017/07/15 على الساعة 10:25

رسالة مفتوحة الى الاعلام والحكومات والبرلمانات الليبية

{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا
وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}
[المائدة اية: 78و 79]

سيطرة السلفيون لم تقتصر على بعض مديريات امن المنطقة الشرقية، بل امتدت الى اعلى مستويات السلطة فيها، فها هو اللوء عبد الرزاق الناظوري، الحاكم العسكري لكل المنطقة الشرقية الممتدة من درنة إلى بن جواد يصدر قراره بمنع النساء الليبيات من السفر بدون محرم، والادهى والامر في قراره هذا المبرر الذي اورده بشأنه عندما تعرض هذا القرار للانتقادات. اذ يعود السبب حسب تصريحة في مداخلة متلفزة أن "القرار اتخذ من أجل أمن ليبيا فقط ولا دخل لنا بسياسة أو دين"، مضيفا أن تفصيلات وافية ودقيقة ستصدر لاحقا بهذا الشأن، الا ان الشعب الليبي لم يرى هذه التفصيلات. هذا التبرير لا اعتقد انه ينطلي على احد، ولا يشك الكثيرون ان وراء هذا القرار التيار السلفي الذي لا يخفى وجوده وتأثيره في مجرى الاحداث.

هذه الاحداث تبين دون ادنى شك حجم التوغل السلفي في الاجسام السياسية في ليبيا وخطورته، وفي حين نجد ان الحكومات السابقة التي كانت تعمل تحت مضلة المؤتمر لم تكن على علاقات حميمة مع التيارات الاسلامية المتطرفة والمعتدلة، فإن الحكومة المؤقتة والجيش الليبي (وربما البرلمان ايضا) لا يسلم من املاءات السلفيين، ولا يكفي تفسير التغاضي عن اعمالهم بسبب ولائهم لهذه السلطات القائمة او بسبب قاعدتهم في عدم الخروج عن ولاة الامر، بل في اعتقادي ان الموضوع اكبر من ذلك، ولا اقول سرا اذ ربطت هذا التماهي والاريحية في علاقة السلفيين بحكومة الثني وجيش حفتر بسبب العلاقات المميزة بالمملكة السعودية الراعية للتيار السلفي.

ربما من اخطر ما صدر عن هذا التيار، ومن مواقع المسؤولية، فتواهم الاخيرة بخصوص حرمة الصلاة وراء من يحسبون على الاباضية وتكفير اتباع هذا المذهب. واريد ان انوه هنا الى بعض الامور التي قد لا يعرفها عامة الناس، فبصفتي امازيغي فانا محسوب على هذا الطائفة، الا اني ربما ببعض الاسف لا علم لي بادبيات هذه الطائفة وفقهها، فكل ما اعلمه اني تعلمت الصلاة خلف ابي، ولان ابي لم يكن يرفع يديه في تكبيرة الاحرام، فككل الاطفال تعلمت ان اقلد والدي ولا ارفع يدايا في تكبيرة الاحرام. واجزم ان جل الليبين المحسوبون على هذه الطائفة لا يختلفون على ما انا عليه، خاصة وان زمن عصر "الجماهيرية الذهبي" كان يمنع تداول مؤلفات وكتب الاباضية ودراسته. واضيف امر اخر، وهو ان الامازيغ، عندما يستجد عنهم امر يتطلب رأي ديني لا يبحثون عن شيخ اباضي يفتي لهم، بل يتوجهون الى من يضنون انه عالم بامور الدين ويستفتونه دون التفكير في ان هذا الشيخ او هذا العالم هو من طائفة غير طائفتهم، يكفي انه مسلم ليسأل. ربما من يفهم معنى التكفير، سيدرك من ان اصحاب هذا السلوك يستحيل ان يوصفوا بالتكفيريين او بالخوارج.

المسائل الفقيه التي اثيرت على صفحات التواصل بعد صدور هذه الفتوة تناولت قضايا فكرية، هي اقرب الى الفلسفة منها الى العقيدة، واعترف عن نفسي اني سمحت ببعض هذه القضايا في عمر متأخر، قضية خلق القرآن مثلا سمعت عنها للمرة الاولي في عقدي الثالث من العمر، حيث كنت اتسامر مع بعض الاصدقاء صادف ان كانوا من دول عربية مختلفة، ومن مذاهب مختلف ادركتها في تلك الجلسة فقط رغم طول معرفتي بهم. احدهم كان حنفي المذهب من بلاد الشام، والثاني شافعي من لبنان، والثالث عراقي وكان انسان جدا خلوق الا انه حنبلي لانه عاش جزء من حياته في السعودية وله ميول وهابية، وكان يتعاطف مع طالبان. وحين تحدثت عن بلادي، قلت ان ليبيا مذهبها الرسمي والشائع هو المالكية، الا ان هناك طائفة اباضية في بعض مناطق ليبيا التي انتمي عرقيا لها، فصاح بي العراقي انهم كفار يؤمنون بخلق القرآن. لقد هزني اتهامه لاني لا ارى الكفر في اهلي، بل اغلب الامازيغ على درجة لا باس بها من التدين، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى لم افهم معنى خلق القرآن وبالتالي لم افهم لماذا يكفر من يقول بخلقه، لم استوعب القضية لكني ايضا لم امنحها بال.

في الحقيقة، هذه الفتوى الصادرة عن حكومة الثني دفعت بالكثير لاعادة التفكير في هذه القضايا، فهي من ناحية قدمت خدمة كبيرة لهذا المذهب ولانصاره، كما انها ستعمل على اعادة التفكير في هذه القضايا الفلسفية، وربما ستتبعها ثورة تصحيحة في هذا الميدان اتمنى ان تخدم الدين، وتدفع عنه غلو التكفير. الا انها من ناحية اخرى، وبسبب تفشي التيار الوهابي، والدعم الرسمي الذي يحتضنه قد يدفع الى شق الصف الوطني، والى مآسي وحماقات يرتكبها هذا التيار المتشدد، وانا هنا لا اتجنى على احد، فما اكتبه هو من صميم مذهبهم وتفكيرهم، ويضهر صراحة في ادراجاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي. فمثلا بمناسبة انتصارات الجيش في بنغازي، تقول احد ادراجات الدعوة السلفية في الامة الليبية بتاريخ 6 يوليو "ابارك لكل السلفيين في بنغازي خاصة وفي عموم ليبيا قطع قرن الخوارج المارقين في بنغازي والآن خوارج مصراته وطرابلس والاباضية الضلال والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين"، وفي ادراج اخر من نفس الموقع بتاريخ 24 يونيو يقول "ثم قطع قرن الخوارج في بنغازي والان سيكون الانتقال لمعقل الخوارج في مصراته ومن ثم خوارج الجبل الغربي هانت بحول الله تعالى". وينقلوا في نفس موقعهم وجوب البيعة للسعودية بناء على فتوى افتي بها ابن باز يقول فيها "من لا يرى وجوب البيعة لولاة الامر في السعودية فهو مرتكب منكر من المنكرات العظيمة، ويقول عن هذا المنكر انه دين الخوارج".

لقد استشعرا العالم الاسلامي خطر هذه الجماعة، وعقد في شهر سبتمر من العام الماضي مؤتمر بالعاصمة الشيشانية غروزني دعي اليه علماء من كل العالم الاسلامي، الا انهم استثنواء علماء السعودية وجماعة الاخوان المسلمين، او بتعبير ادق استثنواء من دعوة رموز الوهابية والاسلام السياسي، وقد كان من اهذاف المؤتمر كما وضح من بيانهم هو:

اولا: تحديد من هم اهل السنة والجماعة، حيث ورد في بيان المؤتمر الذي تلاه الدكتور أحمد الطيب "أھل السنة والجماعة ھم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد (يشكلون 97% من الامة الاسلامية)، وأھل المذاھب الأربعة في الفقه، وأھل الحديث والتصوف الصافي علما واخلاقا وتزكية على طريقة الامام الجنيد".

والامر الثاني: ادانة الفكر المضطرب والمنحرف، الذي يدعي الانتساب إلى الوحي، ويتمرد على المنهج العلمي، ويزعزع أمن الناس واستقرارهم، المثمتل في الخوارج قديمًا، والسلفية التكفيرية في العصر الحديث".

واذا علمنا ان الاشاعرة يخرجون الفرقة الكرمية التي يسير ابن تيمية على نهجها من اهل الحديث، يكون المعنى واضح ان السلفية الحديثة أو الوهابية لا تدخل ضمن "اهل السنة والجماعة".

كما اشرنا أثارت الفتوى التي أصدرتها "الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية"، التابعة للحكومة المؤقتة بالبيضاء (الشرق)، والتي تنص على "تكفير" الطائفة الإباضية بليبيا، موجة استنكار واسعة. الا اني لم ارى للاسف شجب لهذه الفتوة من قبل المثقفين والكتاب على غرار بيانهم الذي صدر عند مصادرة الكتب في المرج، وهذا امر يحسب على المثقف الذي يجب ان لا يغيب عن هموم الوطن ومشاكله، والا فإن لا معنى لثقافته. على ان العتاب الاكبر والذي يجب ان يصل لحد الادانة هو ما يتعلق بالبرلمان وحكومة التني، فدار الافثاء التي صدرت عنها هذه الفتوة تتبع لوزارة اوقاف حكومة الثني التي تعمل تحث قبة البرلمان وحماية الجيش، وسكوت هذه الاجسام هو مشاركة في "اثم" الفتوة وتبعياتها، وهي رسالة قد تترجم الى موافقتهم الضمنية على تكفير جزء عريق من المجتمع الليبي، وتعريضه لخطر ما تعنيه الفتوة من استحلال دم المخالف.

وفي هذا السياق، اثمنى على مثقفينا وكتابنا ان يقوموا بما يتوجب عليهم من مسؤولية في مقارعة هذه الفتوة، ومن مطالبة الحكومة بتجريم مصادرها واعادة تشكيل لجنة الافتاء بالوزارة لتتضمن فقهاء وعلماء من المذهب الاباضي حتى لا تقع دار الافتاء في قبضة تيار معين.

والله من وراء القصد.

احمد معيوف (اميس انتمورا)
لندن 13/07/2017

* راجع (الجزء الأول)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
بكاء الوطن الحبيب | 17/07/2017 على الساعة 15:40
ردا على مقالة د احمد معيوف
اشكرك د كتور احمد على مقالك والذي للاسف قراته متاخره ولهذا السبب جاء ردى متاخر٠ هذا المقال الذي احترمت فيه عقل القاري بالدرجه الاولى وذلك بايضاحك فيه الكتير من الحقايق عن امازيغ ليبيا على الاقل من الناحيه الدينيه وللذين لا يكلفون انفسهم حتى معرفة من هم شركاء الوطن وماهو تاريخهم وهذا للاسف تلمسه حتى فى فئة المتعلمين٠اقول لهم للاسف عدم قراتنا للتاريخ تخدنا الى متاهات لاتحمد عقباها وهذه المتهات بدات تلوح فى الافق اتمنى ان يقراء مقالك هذا الكاتب سليم الرقعي والذى يعتقد ان بعظ المتطرفين القومين الامازيغ تخدمهم عودة اليهود الليبين للوقوف معهم ضد العرب (الشئ المضحك )حسب ماجاء به فى مقاله الاخير ولو تمعن الكتير من القراء جيدا فى الامور لوجدت الكتير من الردود وتحديدا من الذين وجهت لهم اللوم فى مقالك ولكن متل هذه المعلومات لاتهم الكتير منهم لان الافكار اخدت مسبقا عن الامازيغ عموما ارجو منك نشر المزيد من الحقايق بالخصوص والمستنبطه من كتب اهل العلم لعلها توضح من هم الامايغ وارجو من حضرتك الاستفاذه من مولفات الشيخ العلامه على يحى معمر وتحديدا فى موضوع الخوارج واخيرا اعتقد ان الكتير ليس لديهم اذن
د. أحمد ابراهيم الفقيه | 15/07/2017 على الساعة 18:31
لا يصح الا الصحيح
شكرا للصديق الاديب احمد معيوف اثارته هذه القضية ومن حقه باعتباره مثقفا ينتمي الى امازيغ ليبيا ان يغضب لمثل هذا الاجتراء وهذا التدليس، واقول له انه ليس تخاذلا من المثقفين عدم ادانة فتوى الكلام الحقير الصادر عن اوقاف الحكومة المؤقتة وانهم صمتوا عن الرد احتقارا واهمالا وازدراء لمثل هذا الكلام لاننا في ليبيا اطلاقا لم نكن نسمع ولا نرى ولا نناقش مثل هذه المسلمات فيقال عن بلدة قنطرارة التي انحدر منها انها كانت اباضية وصارت مالكية وتعلمنا انه لا فرق الا بعض الشكليات الصغيرة فكنا جميعا نشترك في الصلاة ويؤم بنا الصلاة اباضي او مالكي لافرق اما قضايا سفسطائية مثل خلق القرآن فهي قضايا بالية بائدة فمن يستطيع في الكون ان يقول بغير انه كلام الله الذي انزله على نبيه وهذا يكفي فلا حاجة الى تزيد ولم نكن في بلادنا نحتاج الى تزيد ولا الى غلو غير الايمان الصافي النقي الوسطي، وكل هذه الدعاوى الفاسدة النابعة من ادخال الدين في السياسة لا ينهيها باذن الله الا العودة الى الدولة المدنية ونظام الحكم الديمقراطي الذي يعتمد صندوق الاقتراع حكما بين الناس والله ولي التوفيق
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع