مقالات

د. إبراهيم ابراش

تصورات مغلوطة حول العلمانية والدولة المدنية

أرشيف الكاتب
2017/07/13 على الساعة 09:35

عبر العالم وأينما يممت النظر اليوم إلا وتشاهد أو تسمع عن أعمال عنف أغلبها تقع في الدول الإسلامية ومن طرف جماعات تسمى بالجماعات الإسلامية أو الأصولية .تختلف هذه الجماعات في مبررات ممارستها للعنف وفي حجم عنفها وفي الجهات المستهدَفة، ولكنها جميعا تشترك في شيئين: الأول أنها تتكئ على الدين الإسلامي لتبرير تصرفاتها حيث لا تعوزها الأسانيد والنصوص الدينية من قرآن وسنة أو من نهج الأولين من المسلمين لتدعم عنفها حتى في أكثر صوره بشاعة، والثاني أنها تطلب السلطة وتسعى للحكم.

والمثير للتساؤل لماذا المسلمون لوحدهم والعرب على وجه الخصوص من بين كل أصحاب الديانات الأخرى لديهم هذه القابلية لممارسة العنف والإرهاب حتى ضد انفسهم؟.دون إسقاط فرضية أن بعض الجماعات التي تمارس العنف باسم الدين موجَهَة من طرف قوى أجنبية معادية للإسلام والعرب وتريد نشر الفوضى في العالم العربي خدمة لمصالحها ومصلحة إسرائيل وتشويه الدين الإسلامي، ودون تجاهل أن عنف بعض الجماعات جاء كرد فعل على عنف أكبر تمارسه دول الغرب الاستعمارية والإمبريالية وعنف الإرهاب الصهيوني الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، بالرغم من ذلك فإن ما يجري من عنف باسم الدين لا يمكن تبريره بنظرية المؤامرة فقط، ولا بمنطق الفعل ورد الفعل، بل هي مسألة ذات صلة بمنظومة التدين من نمط تفكير وسلوك يبنى عليه، وعلاقتهما بفهم النص المقدس والمغزى العميق للدين وعلاقته بالدنيا وخصوصا بالسياسة.

بداية يجب التوضيح بأن أوروبا والعلم المسيحي مروا بأوضاع شبيهة بما تشهده الدول الإسلامية اليوم بل أكثر دموية وعنفا، وذلك خلال القرون الوسطى والحروب الدينية وخصوصا بين الكاثوليك والبروتستانت التي استمرت متقطعة حتى القرن السابع عشر وكان اشهرها حرب الثلاثين سنة (Thirty Years' War) 1618 - 1648. وهذه الحرب أدخلت أوروبا في دوامة حرب دامية قُتل خلالها ملايين البشر وفي بعض البلدان كألمانيا فقدت أكثر من ثلث سكانها، وانتشرت المجاعة والطاعون، وتم تدمير مدن وقرى بكاملها وأغلب المعالم الأثرية في أوروبا، ففي المانيا  دمر الجيش السويدي 2000 قلعة وثمانية عشر الف قرية وألف و خمسمائة مدينة، والحرب الأهلية في اسبانيا قتلت (6485) رجل دين، وحوالي ثلاثمائة وستون الف شخص، ويذكر وول ديورنت في موسوعته (قصة الحضارة) كيف أن هذه الحرب "هبطت بسكان ألمانيا من عشرين مليونا إلى ثلاثة عشر ونصف مليونا... وكان هناك وفرة في النساء وندرة في الرجال، وعالج الأمراء الظافرون هذه الأزمة البيولوجية بالعودة إلى تعدد الزوجات كما ورد في العهد القديم ".– قارنوا ما جرى آنذاك بما يجري اليوم في سوريا وليبيا والعراق واليمن-.

بعد هذا الصراع المرير اقتنع الجميع بأن الحل الأمثل لخير ولصالح الدين والدنيا معا هو العلمانية أو الدولة المدنية التي تفصل بين الدين والسياسة، والتعامل مع الدين كعلاقة بين الإنسان وربه، واختيار حر للإنسان، وعدم تدخل الدولة أو الأحزاب في الشأن الديني للمواطنين مقابل عدم تدخل الكنيسة ورجال الدين في الأمور السياسية.

مع العلمانية تم وضع حد للحروب الأهلية على أساس الدين، ومع العلمانية حافظت الديانة المسيحية على احترامها وقدسيتها دون تدخل الدولة في معتقدات الناس، بل عملت الدولة بقوانينها المدنية على حماية حرية الرأي والاعتقاد ليس فقط للمسيحيين بل لكل أصحاب الديانات الأخرى المقيمين على أراضيها، وفي نفس الوقت حافظت الدولة والفضاء السياسي على استقلاليتهما في إطار دول قومية ذات سيادة بعيدا عن تدخل الكنيسة ورجال الدين – معاهدة وستفاليا 1648 -.

أما في عالمنا العربي والإسلامي، وبالرغم من الخراب والدمار للدولة والمجتمع والإساءة للدين بسبب توظيفه من طرف كل من هب ودب من مدعيّ الإسلام والجماعات الإسلاموية، وبالرغم من التجربة التركية مع أردوغان وحديثه الواضح بأن حزبه ذي المرجعية الإسلامية يحكم في دولة علمانية، وبالرغم من واقع المجتمعات الغربية وهو واقع يؤكد أن العلمانية صانت الدين المسيحي من العبث ووفرت متطلبات ممارسة الشعائر الدينية بحرية، بالرغم من كل ذلك فإن البعض ما زال يكابر ويعاند ويرفض الاعتراف بأن شكلا من العلمانية أو الدولة المدنية التي تُحيد الدين عن الخلافات والصراعات السياسية هو الحل للخروج من حالة الفوضى والدمار التي تسببها حروب الجماعات الإسلاموية، وأن في العلمانية والدولة المدنية صالح الإسلام والمسلمين وصالح الدولة والاستقرار والسلم المجتمعي.

لأن العقل العربي يستسهل التعامل مع أقانيم جامدة ومورثة، ويفضل النقل على العقل، فهو غير مستعد لمناقشة هادئة وعقلانية للعلاقة بين الدين والسياسة وإعادة النظر في مفاهيم وتفسيرات الأولين الذين اجتهدوا في زمان غير زماننا، فما زال للعلمانية في العالم الإسلامي وخصوصا العربي سمعة سيئة، بل البعض يماهي عن جهل بينها وبين الكفر، وآخرون يزعمون بوجود فرق بين الديانة الإسلامية والديانة المسيحية حيث يزعمون عدم وجود كهنوتية في الإسلام وأن الإسلام دين ودنيا ولا يمكن الفصل فيه بين الدين والدولة، مما يُقصي التفكير بالعلمانية كما جرى عند المسيحيين الخ.

بالتأكيد فإن المشكلة لا تكمن في الإسلام بحد ذاته بل في المسلمين وتجار دين يوظفوا الإسلام ويفسروه لخدمة مصالحهم الدنيوية حتى وإن أضفوا عليها مسحة دينية، وفي ثقافة متوارَثة تتبنى تفسيرات مغلوطة عن الإسلام والسلطة والحكم وتطغى فيها ثقافة العصبية الصحراوية على ثقافة الإسلام المتسامحة والوسطية، أيضا في رجال دين وجماعات إسلاموية يرتزقون من وراء الدين وفرضه على الحياة السياسية، وفي أنظمة حكم توظف الدين لتبرير استبدادها وكسب الطاعة من منطلق أن "طاعة ولي الأمر من طاعة الله".

يمكن إرجاع الإرهاصات الأولى لاختلاط والتباس العلاقة ما بين الدين والسياسة في العالم الإسلامي بعد وفاة الرسول مباشرة في اجتماع السقيفه، وأصبح أكثر تجليا منذ مقتل عثمان بن عفان والفتنة الكبرى.فالخلاف بين على ومعاوية لم يكن لأسباب دينية  بل صراعا على السلطة والجاه، وهي المرحلة التي قال عنها العلامة ابن خلدون إن الخلافة منذ عهد معاوية تحولت لمُلك كمُلك العجم.

اليوم وبعد كل ما نشاهده ونعيشه من خراب ودمار سببه جماعات دينية متعصبة قتلت من المسلمين اضعاف ما قتلت من غير المسلمين، ودمرت الدولة الوطنية ونسيج المجتمع دون أي أفق لإمكانية قيام دولة الخلافة الموعودة، اليوم نحن بحاجة لثورة دينية، ليس ثورة على الدين الإسلامي بل على مدعيّ الدين والمتاجرين فيه، ثورة لإعادة موضعة الدين في الحياة السياسية على أسس جديدة تخدم الإسلام والدولة والمجتمع دون تعارض أو تضارب بينهم.

العلمانية أو الدولة المدنية ليست كفرا بل هي شكل من أشكال إدارة الدولة والمجتمع تقوم على أساس منع أحد من احتكار الدين وتفسيره وتبرير سلطته السياسية أو سعيه للسلطة السياسية على أساس المرجعية الدينية، أو بصيغة أخرى تحييد الدين عن الصراعات الحزبية والسياسية، ذلك أن رب العالمين لم يفوض سلطته لأحد أو يكلف أحدا بعينه لتطبيق شريعته سياسيا، لذا فالدين لا يمنح شرعية سياسية لأحد، كما أن حفظ الإسلام وتوقيره لا يتأتى عن طريق الجماعات الإسلاموية ولا عن طريق الدولة، بل بالتربية والتوعية والإرشاد دون قهر أو إكراه، وما حفَظَ الإسلام طوال ألف وأربعمائة عام ليس الجماعات الإسلاموية ولا أنظمة تزعم بأنها إسلامية، بل لأنه دين الفطرة وإيمان مزروع في قلوب المؤمنين به.

د. إبراهيم أبراش
Ibrahemibrach1@gmail.com

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
بدر | 18/07/2017 على الساعة 12:00
اتفق مع رؤية الكاتب
نحن اعلم بأمور دنيانا وهذه النصيحة الثمينة من نبينا تغافل عنها البعض ليلبس عباءة الدين لتمرير اجندته السياسية وقد عشنا وشاهدنا بأم اعيننا ما فعله الاسلام السياسي من قتل ودمار ودكتاتورية اكثر ظلماً وتجبراً في البلاد وإكثار الافساد من عهد الطاغية ؟ لقد كان القذافي ارحم واعقل من هؤلاء الذين لم يرقبوا فينا الاًّ ولا ذمة وبإسم الدين ، لكن المحصلة ان اللليبين جميعهم لا ولن يتسامحوا مع الاسلاماويين مرة اخري فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين !؟
سعيد المحمودي | 16/07/2017 على الساعة 21:24
لابد من ثورة
لقد جربنا الحكم الدكتاتوري وجربنا الحكم الديني فماذا كانت النتيجة انظرروا ماذا فعلت التيارات الدينية في العراق وفي افغانستان وفي ليبيا وسوريا وما خلفت من دمار في هذه البلدان وكيف غيرت نظرة العالم تجاه الاسلام والمسلمين إذن لن ينصلح حالنا إلا بثورة على السلطة الدينية مثل مافعلت اوربا وهذه الثور يجب ان يقوم بها التيار العلماني والليبرالي وترك مسألت الدين كعلاقة بين العبد وربه دون تدخل الدولة ان رجال الدين لايتركون فرصة أو مناسبة إلا ويكفرون العلمانية والليبرالية لأن العلماانية تعني زوال سلطتهم ووضعهم في مكانهم الصحيح دعونا نجرب العلمانية بعد ان جربنا الحكم الدكتاتوري والحكم الديني فربما يكون فيها خلاصنا وتطورنا مثل بقية دول العالم وليس دمارنا كما يقول رجال الدين
ابوعجيلة | 16/07/2017 على الساعة 20:06
الحوار المفقود
اشكر الكاتب والمعلقين. وارجو أن يستمر هذا الحوار الذي افتقدناه طويلاً.
مشارك | 15/07/2017 على الساعة 18:27
تعليق
مقال ممتاز و مفيد! هناك ناحية اخرى من وجهة نظري بالاضافة الى موضوع احتكار فئة للقداسة الخ و تلك الناحية هي ان مفهوم الدولة الحديثة المبنية على العقد الاجتماعي بين المواطن و الدولة و الفرد و المجتمع يحتاج تحديدا دقيقا لما هو ضمن الحريات الفردية و ما هو يمس الدولة و المجتمع. أي عقد يحتاج للوضوح لكي لا يكون مربكا و لكي يمنع الغش. ان الدين - على الأقل كما هو مفسر و متداول الآن - يتدخل مباشرة في هذا الموضوع من ناحية و لا يمنح حلولا اخرى معقولة، لذلك متى ما اقحم الدين في السياسة تبع ذلك الكوارث على مختلف المستويات. الدين يؤدي الى ضيق في الافق و "تقطيب" ان جازت الكلمة او تمييز الناس الى فرق متضادة دون حاجة لذلك. لو انتقدت الآن سلطة الميليشيات الاسلاموية الفوضوية ستظهر بمظهر المعادي للمتدينين، بينما الكثير من افاضل المتدينين و ابيضهم يدا تركوا السلاح مباشرة بعد انتهاء احداث فبراير زهدا في الدنيا. لم لم يسيطر مفهوم هؤلاء عن العلاقة بين الدين و السياسة بدل من مفهوم الميليشيات؟ ترى هل هؤلاء ضد فكرة فصل الدين عن الدولة لانهم متدينون خرجوا في جهاد ضد النظام السابق؟ العلمانية لا تمنع التدين.
غومة | 14/07/2017 على الساعة 21:57
العلمانية نشاءت كنتيجة التضارب بين المعرفة التجريبية والكونية والمعرفة الغيبية...؟
العلمانية جزء لا يتجزاء من الحداثة! الحداثة مبنية على الحرية ومبداء الانسان يسيطر على مصيره. الاله لا يساعد الانسان بل الانسان يساعد نفسه! الانسان يحقق حياته من خلال مهمته في هذه الحياة ومهنته. الانسان لا يتكل على الاله بل على نفسه! الانسان لا يعزي كل شيء الى الاله بل ينطلق من المبداء القاءل لكل سبب مسبب، ويبحث عن السبب او الأسباب التي أدت الى النتيجة! هذه الحقاءق البسيطة هي التي تدير الحياة وتحرك العالم الحديث. الدين يعتني بالغيبيات والعلمانية تعتني بما يدور امام الاعين وليس بما يختفي خلف الستار. علاقة الانسان الحديث بالإله علاقة وظفية حيث يشكر الاله اذا ما صادفته الحظوظ وتحصل على قدر من النجاح او منح صحة جيدة او ورث ثروة طاءلة. علاقة الانسان الحديث بالإله ليست مبنية على الخوف من الجحيم او حب في الجنة ولكن للوقوف لحظة والتفكير عميقاً في كل الأشياء المرءية والغير.مرءية، ان كان لها خلق، سوى التي نعرفها او التي لم نعرفها بعد والشكر الإله ان أتاح لهذا المخلوق بالتاءمل والتدبر فيها؟ شكراً. غومة
غومة | 14/07/2017 على الساعة 20:52
التضارب العميق بين المعرفة الأهوتية والمعرفة التجريبية...؟
الدين في تعامله التقليدي يحتكر المعرفة ويطلب من الناس جل أنتبابههم، في حين الحياة الحديثة مبنية على مبداء التقسيم والتوزيع (compartmentalization) وبالتالي يظهر التناقض والتضارب بين متطلبات الدين والحياة ويبداء التعارض بين هذا وذاك! تحييد الدين عن الامور السياسية، يتاءتى من الدور المتعاظم الذي لعبه الدين ورجالاته في المجتمع وثقافته على مدى العصور! نظراً لهيمنة الدين على كل أمور الحياة ونظراً ما لرجال الدين من نفوذ على الغالبية، وبمان الفقهاءيفقدون المعرفة الغير-دينية والتي أصبحت ضرورية للتعامل مع مقتضيات الحياة، فأصبح من الصعب على الفءات الاخرى، مثل السياسيين والاقتصاديين وغيرهم التعامل مع الدين ورجالاته وفِي نفس الوقت ممارسة ادوارهم بدون مباركة من قبل الدين وحراسه. الدين مبني على انه الحقيقة المطلقة في حين العالم الحديث مبني على انه لا توجد حقيقة مطلقة بل كل الحقاءق وقتية الى ان تزيحها حقاءق جديدة. اي ان الحياة أصبحت معقدة ومحتاجة لمعالجتها من المعرفة التجريبية وليس على تفسيرات هذا الشيخ او ذالك؟ هذه قليل من كثير مما تطلب فصل الامور الدينية المبنية على العقاءد من الامور التي تتطلب الم
سعيد رمضان | 13/07/2017 على الساعة 11:45
ألغاء جميع الأحزاب التى تقوم على أساس دينى
كلنا مسلمين ونؤمن بالله ورسوله ،فلايعقل أن تخرج علينا جماعة كالأخوان أو السلفية ويطالبون بحزب سياسى يدعو الى تطبيق الأسلام وكأنهم يعيشون فى دولة غير أسلامية ،وعليه يجب عدم الموافقة على أقامة أى حزب سياسى على أساس دينى وكفانا متاجرة بالأسلام ،ولسنا بحاجة الى أوصياء علينا .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع