مقالات

عائدة سالم الكبتي

لارينا جاردينا

أرشيف الكاتب
2017/07/12 على الساعة 00:05

هذه صورة لأجمل سينما رأيتها في حياتي تقع بين شارعي الاستقلال و24 ديسمبر بطرابلس، سينما صيفية مفتوحة يستطيع السكان الذين يسكنون أمامها مشاهدة الافلام المعروضة  مجانا، ومع ذلك فهي دائما ممتلئة بالمتفرجين، سينما "لارينا جاردينا"  (أحالها القذافي الى محطة لوقوف السيارات!).

 


 

كنت وأنا صغيرة اعتقد ان الممثلين يختفون خلف الشاشة الفضية الكبيرة فنقوم بالبحث عنهم صباحا ، أمام تلك السينما وبداية زنقة "حسونه باشا" التي كنت أسكنها وعائلتي يقف بائع بطيخ (دلاع) وكان من النوع الكبير حجما، يغلب على داخلهُ شدة الاحمرار  دلالة النضج وحلاوة الطعم، وبذوره شديدة السواد، عادة ما يتم بيعهُ بالكيلو، أو مقطعا حسب طلب المشترين (يسمى شعبيا: ابراجا)، أتذكر أن امي - رحمها الله - تقوم بغسل البذور، ووضع القليل من الملح عليها وتجفيفها وتحميصها، ثم حفظها في (فازوات) اي برطمانات حيث يقع وضعها في صحن أثناء تسامرنا العائلي لنتسلى بها قضما  في سهرات ليالي الشتاء الباردة، كذلك فعلت مع بذور الشمام (القلعاوي).

بيت عربي أقامت عائلتي وسكنت، وهوعبارة عن دورين وصالة (وسط حوش) من الطراز التقليدي حيث لا سقف (مفتوح من اعلي للتهوئة)، حجرات النوم في الدور الثاني، وحجرات الاستقبال في الدور الاول، ولا اتذكر عدد الحجرات لصغر سني وقتها فقط، لكني اتذكر الجيران الذين كانوا خليطا من العرب واليهود والطليان، قُبالتنا  سكنت عائلة الفساطوي الذين لم أعرف انهم من الجبل (جبالية أمازيغ) الا الان بعد خروج هذه النزعة الجديدة، انت من وين؟

ولانهم لم يتحدثوا امامنا بلهجتهم أبدا حرصا منهم علي اللحمة الوطنية، ايضا عائلة الحاج العكرمي الزمرلي الذي لم يكن لديه ابناء، و عائلة بريون بمحاذاة بيتنا، وكانت ابنتهم أسيا في مقاربة لسني تقريبا، وفي نهاية الشارع عائلتي المنتصر والبدري، وفي زنقتنا وأمام منزلنا أيضا منزل من دورين الدور الاول يسكنه "النونو والنونا" أي الجد والجدة كما كان يناديهم احفادهم، وكنا نناديهم كذلك، الا انني كرهتُ "النونو" الذي كان يُحضر الدجاج ويضعه علي حجره، ويقوم بلوي رقبة الدجاجة حتي تختنق! كم استشعرت وتخيلت أن تلك الدجاجة المسكينة تتألم وتصرخ بين يديه القاسيتين، ومن طرائقه أيضا  أن يضع الدجاجة في الدرج ويقفل الدرج علي رقبتها، وما اكثر ما كان مُحبا لأكل  الدجاج حتي جعلني اكره تناوله  لانني اتذكر تلك الصورة الاليمة، كانت هذه العائلة التي كنا ملزمين بالمرور فهم بالدور الأول وإلزاما كنا سنمر بهم ونرصد تلك المشاهد!، وفي الدور الثاني كانت تسكن عائلة السنيور ديدو وزوجته السنيورة روزا، واختهُ فيتوريا وابنهم راولينو وهم من اليهود، اما السنيور ديدويعتبر من احسن التارزيات في طرابلس ومحله بالقرب من سكنه وهو يقوم بخياطة البدل لوالدي - رحمه الله- وتبعث له والدتي بأحد "تايراتها" او بدلها ليفصل لها واحدا مثله بدون بروفة او اخذ مقاس كانوا جيراننا ولهم طقوسهم ومناسباتهم منها "يوم الشبات" اي السبت لايقربون الكهرباء ولا النار بل يطلبون منا ذلك، وكم كنا نتدلل حتي نذهب ونُشعل لهم الضوء، وعندما يعطونني المكافأة وكانت الحلوى، أعاجل  بتركها لهم علي السّلم، فقد شاعت مفاهيم بين السكان ووصلت الى أسماعنا أطفالا، أنهم يؤذون الكتابيين وأننا يجب أن لا نمنحهم كامل الثقة !، وكم كانت السيدة روزا تبكي وتشتكي لوالدتي صدى تلك التعليقات، وأنها تعتبرنا كأولادها، ما جعل والدتي تبادر بنصحي مراعاة لمشاعرهم ان ارمي مكافأتهم لي بعيدا عن أعيونهم.

فرحتي الكبرى كانت بعيد يسمي "عيد الجريد"، يقومون فيه بجلب جريد النخل ليصنعوا منه خيمة او (براكة)، ما جعله لعبتنا التي ندور حولها أونختبيء عندها. ايضا فرحنا بالنتالي أو راس السنه كان احد الجيران وزوجته من كبار السن، ولم يكن عندهم اولاد، ويملكون مكتبة، وبهذه المناسبة يُحضرون لنا أقلام الالوان، والمجلات، والقصص التي عندما نتصفحها تبزغ  لنا مُجسمة بارزة نتحسسها بأصابعنا، وكنا نعتبرها (وقتها) قمة التطور بما يضاهي عمل التكنولوجيا في يومنا هذا.

كانت فرحتنا كأطفال وذات الخصوصية عندما تاتي "حني حليمة العالم" جدتي (ام والدي) وهي المرأة  الصماء (لا تسمع) ولم تدخل المدارس، ولكنها ذات مخيلة ثرية آسرة، تحكي لنا اجمل الحكايا، كما لو أنها حكايات ألف ليلة وليلة إذ تستمر حكاياها اسابيعا متلاحقة، ولا ادري هل هي واسعة الخيال الي هذا الحد أم أنها تحفظ كل تلك الحكايا عن ظهر قلب…، ما أحلي تلك الليالي، هكذا ونحن نفترش الارض في مُستراح الدور الثاني، بعد عشاءٍ خفيف مكون من  خبز ودلاع او خبز وعنب، ومنتهي الرفاهية والبذخ ان تضاف بعض قطع الجبن لذلك.. بعدها نسترخي ونلتحف السماء التي تزينها النجوم ونتخيل السحب شخوصا ومناظر،   بل ونحيل كل شخوص حكاياتها الى كائنات من لحم ودم، توجه كلامها إلينا، تفرح، وتحزن، تضحك وتغضب ووو…

كم كانت حياتنا جميلة وبسيطة وسهلة، لم يكن الشتاء قارصا ولا الصيف شديد الحرارة زمن جميل بكل مافيه من براءة ورضى بالقليل، والعطاء، والتالف، كنا كالاسرة الواحدة بيوتنا متراصة بجانب بعضها، عدا الايطاليين الذين يتعاملون معنا بصفة المستعمر، كما ما شاهدته من اطفالهم  كانوا يتعالون علينا، وكم كان يغضبني ما يصل أذني، عندما يسبون العرب ويقولون: "اراباتشي ماليديتو" فأتحول وأنا الطفلة الهادئة الطيبة الي نمرة شرسة، ارفع يدي لاضرب من يقول ذلك، والطريف انهم يسرعون بالشكوى لأهلهم فيستبعدون أن ذلك التصرف بدر مني!!

تحياتي لكم والى لقاء اخر في خربشات من الماضي.

عائدة سالم الكبتي

* عائدة الكبتي... رائدة إعلامبة ليبية (أول مذيعة أخبار تلفزيونية في ليبيا).
إقرأ ايضا:  سالم الكبتي: عائدة الكبتي, أول مذيعة ليبية في تلفزيون الاستقلال

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
خيرية فتحي عبد الجليل | 18/07/2017 على الساعة 19:51
أستاذة عايدة
استمتعت كثيراً وأنا أقوم بفراءة النص ، الله يخليك ويحفظك يارب
بسم | 16/07/2017 على الساعة 17:38
تاريخ الاعلام الليبي
شكرا للاستاذة عايدة سالم الكبتي على اتحافنا بتعليقات عن السنوات الحلوة ونتمنى ان تستمر في سرد حياتها فهي من رواد تاريخ الاعلام الليبي ونشاطها الاعلامي في الستينات وشكرا
محبوبة خليفة | 14/07/2017 على الساعة 22:50
جميل ياعايدة
جميل ياعايدة... أستشفُّ براءة ظاهرة في هذا السرد الغير مُتكلِّف ، عايدة إنسانة جميلة عاصرت مرحلة طيية من تاريخنا القريب وكانت إحدى نجماته بل ورائدة لمرحلة تدشين البث التلفزيوني في بلادنا، لدى عايدة الكثير مما تقول ..أتركي لقلمك العنان ياصديقتي فمثلك يجب أن يُسمِع ويُسمَعْ..
مشارك | 14/07/2017 على الساعة 12:45
تعليق
من اجمل ما قرات على الاطلاق على ليبيا المستقبل تحياتي للكاتبة و تمنياتي بطول العمر و العافية
سعدون السويح | 12/07/2017 على الساعة 18:51
كل التقدير سيدتي
كان زمنا جميلا حقا كما ذكرت وكما علق الأستاذ نور الدين النمر. كانك سيدتي تتحدثين عن طفولتي وافراحنا الصغيرة برغم الموجعات التى لايخلو منها زمن الارينا جاردينو ورسم عروس البحر في مدخلها. على مسرحها غنى فريد الأطرش. ما بقي من مسارح طرابلس صار اطلالا. والدمار الذي احدثه العهد السابق زاده الجهلة دمارا حياك الله وحفظك صوتا من الزمن الجميل
Naila Tantoush | 12/07/2017 على الساعة 18:19
رُقي وتحضر لسلف راائع وجميل
سرد جميل لزمن رااائع يسوده التسامح والحب والمودة الخالصة لأبناء هذا البلد المنهك الآن ! كم تمنيت أن يعيشه أبنائي وهذا الجيل الذي ظُلم بفعل سياسيين يتصارعون على السلطة فدمروا البلد وسرقوا طموحات الشباب .. شكرا لأنك أخذتينا وعودتي بنا لأجمل الذكريات حيث هدوء الحياة وروعتها رغم بساطة العيش .. سلم قلمك وراائع ما تكتبين ..
أسماء الاسطى | 12/07/2017 على الساعة 16:34
جميل...جميل
ذاكرة ثرية..وقدرة فائقة على التصوير الفني الجميل
نورالدين خليفة النمر | 12/07/2017 على الساعة 13:09
ـ صيف ومباهج وسينمات ـ
هذا المقال الثري الرائع الذي تظلمه كاتبته إذاعيتنا المرموقة عايدةالكبتي إذ تصفه بالخربشات بل هو بصمات على جدارالزمن الجميل زمن التحضّر والتسامح الليبي أُضيف إليه خربشة من منشور لي على جداري بالفيس بوك في سينما الأرينا جوردينو الصيفية المفتوحة بشارع حسونة باشا بين شارع الاستقلال وشارع 24 ديسمبر وحالياً،موقف للسيارات وكان مالكها اليهودي الليبي يوسف باردا وكان يؤجرها للشركتين الموّردتين للأفلام ترانزلوكس لمساهمين كعائلة أيفر حجّاج اليهودية،وليبيين كالثري الطربلسي المعروف علي بن عثمان وبعدها فاربن سينما للمكتبي الشهير محمّد الفرجاني وشريكه يوسف بن صريتي ،حسب ماذكر لي معلمي المدرسي سعيد ملحس الذي عمل بالشركة إن روّادها من الطليان والليبين وإيرادها كان جيّداً،وأفلامها أغلبها أول عرض أوثاني عرض بعد الهمبرا (الحمراء)ويوجد بالأرينا جردينو مشرب يقدم المشروبات الغازية الباردة للزبائن بمقابل كالكولات البيبسي والكوكا والكيتي والبرتقال ميرندا والليمونادةالفيري قود والبينقو وغيرها موسم سينما الصيف من يونيو إلى نهاية أغسطس وبعده سبتمبر الذي من عامه 1969المشئوم لم يعُدهناك صيف ولاسينمات ولامباهج.
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع