مقالات

أسماء الهادي

ليبيا... فرص البناء والنهوض ومعوقات الإنجاز

أرشيف الكاتب
2016/07/22 على الساعة 08:00

ليبيا دولة تقع في وسط شمال أفريقيا, تطل على البحر المتوسط وتحدها ست دول, تبلغ مسحتها 1,8 مليون كيلو متر مربع، ولذلك تعد رابع أكبر دولة عربية مساحةً، والسادسة عشر دوليا. تمتلك أطول إطلالة على الساحل, وتحتل المرتبة التاسعة بين عشر دول؛ كأكبر دولة لديها احتياطي نفط عالميا. وتتميز بمناخ معتدل؛ شمالا، وصحراوي وشبه صحراوي؛ جنوبا.
ومن هنا قد يعتقد القارئ أن ليبيا دولة مشاريع تنموية؛ ثقافية، استثمارية وإنشائية كبرى، وأن لديها بنية تحتية تواكب التطوّر العصري, لكن الحقيقة ليست كذلك, بالرغم من توفر البلاد على موارد طبيعية هائلة، كالغاز الطبيعي والنفط، وفيما لا توجد بيانات دقيقة عن المورد الأول، يبلغ احتياطي الأخير 41,5 مليار برميل، ويشكل ما نسبته 94% من عائدات ليبيا، بما يساعد أي حكومة في عملية الإعمار والبناء بشكل مستمر، خصوصا ولديها مصانع: الحديد والصلب، الإسمنت، ومحاجر الطوب، ومواد البناء الأخرى. لدى ليبيا أيضا المورد المائي الكافي ومساحة لا بأس بها من أراضٍ خصبة، لإنجاز مشاريع زراعية ورعوية، ومساحات أخرى في انتظار استصلاحها والاستفادة منها. من هنا ندرك قدرتنا على توفير السلع الغذائية الضرورية من محصول الشعير والقمح والفواكه واللحوم وغيرها من الصناعات والمنتجات. الأمر الذي يجعلنا في حلٍ من استيراد غذاءنا، باستثناء القليل من المواد التي من شأنها أن تحقق لنا اكتفاءاً في احتياجاتنا الاساسية.
كل تلك الميزات تحسب لليبيا، وتعود بالفائدة على الوطن دولة وشعب؛ متى حبا الله البلاد بحكومة قوية، أمينة، مخلصة، وقادرة، تعمل على معالجة كافة الاشكالات التي تعاني منها البلاد اليوم، ومن تم تهيئ المناخ الملائم للانطلاق في عملية سياسية رشيدة، نحو عمليات إصلاحية شاملة على الصعيد التربوي، التعليمي، الاجتماعي والاقتصادي. ومن الخطوات المهمة أن تحسن الحكومة الاستفادة من قوانين الاستثمار التي وضعت من قبل الشركات الأجنبية، هذه الخطوة سوف تعود على ليبيا بالفائدة. القوانين سارية منذ عام 2004، وتنص على أن تكون القيمة الأدنى لرأس مال المشاريع الاستثمارية (50,000000) خمسون مليون دولار أو ما يعادله بالدينار الليبي، ذلك يجعل المشاريع ذات أهداف تخدم ليبيا والمواطن الليبي بشكل ممتاز. إلا أن بعضا من الشركات الأجنبية، هربت جرّاء الحرب الدائرة بعد أحداث فبراير، وأيضا تمت سرقة المواد والمعدات من مواقع المشاريع، بالإضافة لسقوط القذائف على هذه المواقع. ولعدم استقرار البلاد وعدم توفر الأمن لا ترغب أي من هذه الشركات في العودة في ظل الوضع الراهن. وأيضا نتيجة للخلل الحكومي، فلازلنا لا نمتلك حكومة واحدة، بل لدينا عدة حكومات، وبالتالي نعاني من معضلة مع من ستتعاقد هذه الشركات؟.
ليبيا وجهة سياحية...
كانت ليبيا منذ عقود غير مدرجة على قائمة البلدان السياحية، وكان ذلك نتيجة للحصار الذي فرض عليها، والذي بدوره أدى إلى حياة ضنكة ومريرة لليبيين. وكانت ليبيا تسوق للسياحة بشكل خجول، لاعتمادها على النفط بشكل كلي, ولكن بعد رفع الحظر تم البدأ في إنجاز بعض المشاريع العمرانية البسيطة، كبناء الفنادق والطرق وبعض المنتجعات والأسواق التجارية، وتحديث شبكات الطرق ومطار طرابلس العالمي الذي يستقبل حوالي 20,000000 عشرين مليون مسافر سنويا. وتمتلك ليبيا ثمانية مطارات جوية، بالإضافة للمطارات الداخلية، ونظيرتها من الموانئ البحرية بالإضافة للموانئ النفطية. لذا من الممكن الاستفادة من الطفرة النفطية في دعم البنية التحتية الأساسية للسياحة.
ولأن الكثير من الليبيين لا يعرفون ما تحتويه بلادهم من أماكن سياحية، لعدم التسويق لها تلفزيونيا بالشكل المطلوب، سأقوم هنا بسرد بعض منها بشكل مقتضب:
تمتلك ليبيا أكبر مدن أثرية رومانية على طول الساحل.. وأكبر صحراء في جنوبها، والتي تستهوي المُولعين برحلات السفاري. يوجد في صحراءها واحات يمكن استثمارها في السياحة الاستشفائية كـ‘‘بحيرة قبر عون’’ ذائعة الصيت. وتمتلك ليبيا محمية طبيعية كبيرة في الجبل الأخضر. كما تمتلك تاريخ إغريقي كبير جدا ومدن إغريقية أكبر. وغيرها من نقاط الجذب السياحي.
بعد كل هذه المقدمة عن ليبيا، أين هي الحكومات من المشاريع الكبرى والنهضة العمرانية؟.
والإجابة هنا مختصرة.. لقد حاولت الدولة الليبية قبل الحرب أن تنهج منهج الدول الأخرى من حيث الاستثمار والعمران، وقد تعاقدت مع شركات أجنبية كبيرة، وفعلا بعض منها باشر فعليا في البناء, حيث بدأت في وضع قدمها على أول عتبة للحاق بالعالم المتقدم, وعندما قامت ‘‘ثورة 17 فبراير’’ ونتيجة لتحولها لحرب، أكلت كل ما مر في طريقها، وكانت هذه المشاريع من ضمنها. فمنها من سقطت بعض القذائف عليها فدمرت أجزاء منها. ومنها من نهبت وسرقت معداتها وفر جميع العاملين والموظفين والمهندسين لبلدانهم. ومع تزايد وتيرة الفوضى ألغيت بعض العقود نتيجة للشروط المنصوص عليها.
استقرار البلاد وعودة العسكريين لثكناتهم، واستتباب الأمن، سيُرغّب الشركات للعودة وإكمال ما توقف, وسيؤدي للتنافس على تقديم أفضل العروض وأدق تنفيذ. ولا ننكر جهود الدولة الحالية برغم الظروف في استكمال بعض المشاريع التي كانت على وشك الانتهاء, منها ‘‘برج الداو’’ الذي كلفته الحرب خسائر بين (7/9) مليون دينار. وكذلك استكمال ‘‘فندق جي دبليو ماريوت طرابلس’’ التابع لشركة الداو أيضا, و‘‘مركَب الغيران السياحي’’.
والسؤال الواجب طرحه ويجب الإجابة عليه بعيدا عن الصراعات السياسة: هل التكالب على السلطة هدفه السلطة والنهوض بالبلاد.. أم تدمير البلاد للوصول للسلطة؟
نجد الإجابة مضللة في حرب المطار, حيث كان التصارع على الامتلاك والوصول لكراسي الحكم بحرق أكبر مطار في ليبيا (مطار طرابلس العالمي) والذي سبب حرقه في وقف مورد للمال عن طريق السفر والتنقل من خلاله وكذلك إقفال عدة بيوت كانت تسترزق من عمل ذويها به، ولم يكتفوا بذلك بل حرق أيضا أكبر مجمع أسواق في ليبيا (سوق الثلاث/ الثلاثاء) وكان العذر ماس كهربائي، فهناك شهود عيان أكدوا سماع صوت قواذف أر بي جي! وغيرها من أعمال التخريب نتيجة صراعات محمومة على السلطة والحكم.
وقد خصصت الدولة بعد أحداث فبراير، ميزانيات كبيرة كان يمكن توظيف جزء مهم منها لإعادة الاعمار ولإنجاز المشاريع الاقتصادية الصغرى والمتوسطة والكبرى. فمن المفترض عند اختيار التحول من حكم إلى حكم آخر، أننا نختار النمو والتطور والنهوض بالبلاد، لا الرجوع بها للوراء.
ها نحن في ظل ست سنوات من هذه الثورة ولم نرى جديدا يذكر على أي مستوى من مستويات النمو. حيث أن هذه المشاريع ستوفر أكثر من (8000) فرصة عمل للشباب إن لم يكن أكثر. وبالبحث نجد أن هناك مشاريع توقفت بسبب ظروف البلاد، وأخرى للانقطاع المتكرر للكهرباء، وأخيرة بسبب استيلاء المليشيات على مقار هذه المشاريع.
وبحديثنا عن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، نجد أننا نتجاهل أكبر مصدر لتوليد الكهرباء، ألا وهو الطاقة الشمسية, فهناك مشروع مقترح أطلق عليه (ليبيا ومشروع التقنية الصحراوية)، حيث يوفر أكثر من مائة مولد بآلآف المرايا الضخمة، يعني بلايين من وحدات القدرة الكهربية (الوات)، بما يكفي لتوفير ستة أضعاف حاجة أوروبا للكهرباء، وهذا يساهم في انخفاض مستوى انبعاث الكربون, وفي الوقت نفسه تستخدم كمحطات تحليه للمياه في الصحراء مما يوفر لها المياه العذبة، بهذا تكون البديل الحقيقي الذي سيشكل أحد الدعامات لبناء ليبيا, حيث نضمن عدم انقطاع الكهرباء، وبالتالي لن يتوقف أي مشروع بسبب فصل التيار، ونوفر المياه إذا ضمنا إعمار تام للصحراء الليبية.
فهل السنوات القادمة تحمل لنا ما كنا نتمناه منذ عقدين وأكثر؟.. وهل الثورة في حالة مخاض لتلد ليبيا التي نتمناها فعلا، في ظل دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان؟.. وهل رجوع المسلحين لثكناتهم، وتحت لواء الدولة فقط، وتنظيف البلاد من العصابات سيمهد الطريق لإتمام ما توقف؟.
نتمنى ذلك...
أسماء الهادي
كاتبة ليبية
asma.alhadi2014@gmail.com

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع