مقالات

سالم قنيبر

قصة كاتب من بنغازي… النيهوم (5)

أرشيف الكاتب
2017/06/29 على الساعة 09:25

التجربة المصرية...

وعاد الصادق إلى بنغازي، عاد ليستأنف رحلة جديدة، معطياتها مختلفة، وتوجهاتها أيضا مختلفة، ولم يكن تعامله معها قد بعث في نفسه الدوافع لمتابعة متطلباتها. وتلك قصة يروي أحداثها في رسائل مثيرة، مشوقة باتساع. ويخاطب الفاخري وهو...."يلج باب بوابتهم القديمة".. عائدا من أوربا: "... أنا عدت إليك من رحلة هائلة.. رحلة بلغت حدا لا يتصوره معظم البشر. مزقت كل أشيائي.. ولكني عدت منها كاملا.. بشعري الكث كله. وأسناني كلها.. عدت صادق وحق الله.. وقد أرحل من جديد.. وقد أغامر بذلك مرة أخرى.. ولكنني سأعود أيضا.. لقد اكتشفت فجأة أنني غير قابل للتحطم ما دام خليفة صديقي وكل ما أحتاجه أن أكتب إليك..".[1]

القاهرة 1964. مصر التي يقودها جمال عبد الناصر. امتزج الفكر السياسي القومي العربي الذي تبنته ثورتها واتخذته شعارا تدعو إليه، وتعمل على تحقيق وحدة عربية مجزأة أو شاملة من خلاله، امتزج بتاريخها السياسي الذي جعل من الوطنية منهجا له..، وطنية مصرية محلية[2]، تختص بالمصريين الذين يعيشون في الوطن المصري، تعالج شئونهم الحياتية وتعبر عن موقفهم من السلطة الحاكمة، والاحتلال البريطاني. وكان للإعلام المصري النشط وأجهزته المتمثلة في الإذاعة والصحافة والأفلام السينمائية، وما يتبعها من الكتاب والفنيين الممثلين والمطربين والمذيعين. الدور الأساسي في الوصول إلى الإنسان العربي في مختلف بقاع البلاد العربية، وربطه بهذا التوجه الذي اعتمد البساطة في التناول، والتيسير في المأخذ، والإفراط في الادعاء بتملك أسباب المنعة والتقدم.

وذهب النيهوم إلى مصر مبتهجا، مصر التي تلقى منها علومه وتعرف عليها بأكثر مما يعرفه معظم المصريين.. مينا الملك، وخوفو، وحتشبسوت، وذلك القصاص سنوحي، والمصلح المهتم بشئون الدين اخناتون... النيل وفرعاه، ومكتشف منابعه والبحيرات ليفينجستون... البارودي، ثم  شوقي، وحافظ.. المنفلوطي، ذلك بمعالم خاصية جيل... العقاد، الرافعي،.. التابعي.. هيكل الأول، المازني، توفيق الحكيم، أحمد أمين، وطه حسين… أولئك  جيل آخر للثقافة من المعاصرين... وآخرون محدثون، الأخوان مصطفى وغلي  أمين، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، إحسان، والسباعي، مصطفى محمود، وهيكل.. الأهرام.. الأخبار.. الجمهورية ومساء السادات، المصور، الهلال، آخر ساعة، روز اليوسف، والاثنين... معرفة بمصر تلقاها من كتاب مصر وأجهزة إعلامها، ومن أساتذته في الثانوية والآداب، وكانوا كلهم مصريون.

لكن النيهوم  فوجئ في مصر بما لم يستطع تقبله من مظهر التعالي الذي ووجه به في تعامله المباشر مع المصريين. ونعود إليه ليخبرنا عن مشاهد له في هذا الأمر، وردت في رسالة مطولة ذات شأن كتب بها إلى الفاخري.. نجده فجأة يقطع ما كان مسترسلا في تناوله من المواضيع ليتحدث عن ليبيا وعنا نحن الليبيين: "نحن المساكين الموغلين في البدائية والعناد…". ويقارن هذا الذي نحن عليه وبين ما هم عليه الآخرين العرب عامة و(المصريين) المعنيين بهذا القول: "... فالآخرون أيضا يعيشون في حقبة مساوية، ويمارسون نفس النوع من الحياة المرتبكة.. وهم لا يتفوقون علينا بأي حال، ولكنهم يشعرون بطريقة غامضة أنهم بشر أحسن منا بكثير، وهذا ما يحيرني إلى حد الشعور بالشلل.". ويقدم حوارا جرى له مع زميل له طالب مصري حول هذا الأمر فيقول:

- قلت لأحدهم: هل تعتقد فعلا أنك أحسن مني مثلا؟

- فقال بهدوء: لنقل أنك لا تمثل الليبيين تمام التمثيل، لأن عدة فرص قد أتيحت لك.. ولكنني أعرف أنني أحسن من كثير من الآخرين.

- وقلت له: أنت طالب بالجامعة، ومن المفروض أن تجيب على معظم الأسئلة.. ما الذي يجعلك تعتقد أنك تفضل الكثير منا.

- فقال ببرود.. كل شيء أيها الأخ... كل شيء.

ويشتد الحوار بينهم ويضطرب وتزداد حدته، ويتحول إلى سباب أشبه بالعراك: "وفجأة قلت له: أنا لست أخاك، ولا أحب أن تدعوني بذلك.. ولا أريد أن أناقش معك موضوع الشعور بالتعالي، لأن ذلك عقدتكم جميعا.. ولكن دعني أقل لك أيها الحشاش المليء بالعقد والفول إنك لا تفضل أحدا ولا يفضلك أحد في بلادنا..."

وكان من نتائج هذه المشادة أن تلقى إنذارا بالفصل من الجامعة… يقول الصادق: "ولم أشأ أن أتركهم ينتظرون خطأ آخر، فقدمت لهم ورقة صغيرة في الحال، وقلت لهم أنتم أحسن الشعوب.. وأنا لا أريد أن أقيم عندكم فأرجو أن تقوموا بتسليم أوراقي للسفارة ولكم أطيب الأماني". ويعلق على هذا الحدث بالقول: "وهكذا انتهت أعجب منحة دراسية في العالم".

ذلك مظهر من مظاهر السبب، ولكنه لم يكن كل السبب الذي من أجله أنهى الصادق، أو بعبارة أكثر دقة - كان مقررا لها مسبقا - ألاّ تستمر في مصر بعثته التعليمية. ولم تكن الجامعة المصرية بتقاليدها المتجذرة، لتستقبل النيهوم القبول الحسن، بمظهره العام، وعناده، وأنفته، وتمثله لقدراته المتفوقة، وأسلوبه المستفز في التعامل لمن لا يرتاح للتعامل معهم. وعاد إلى بنغازي مؤملا أن يتمكن من تغيير بعثته إلى مكان آخر.. وقبل أن يتحقق هذا الإجراء كان قد غادرها إلى فنلندا.

"ومن ناحية أخرى أنا لا أرغب في العمل في ليبيا بأي حال.. وليس في نيتي  أن أقيم هناك أكثر مما تحتاجه إجراءات سفري إلى بلد آخر... أنا يا سيدي وبمنتهى التواضع أكبر كثيرا مما تنمي عليه ملابسي البسيطة.. وأساتذتي أصغر كثيرا من ملابسهم ومظاهرهم... أنا أريد أن أتحرك أن أقوم بذلك في جميع الأوقات، ولا أريد أن أذهب إلى الجامعة.. وأشتغل في صناعة الأحجبة، أريد أن أعيش بعرض السماء واتساعها وأريد أن أنهي معركتي مع الكلمات على نحو جيد. بعد أن تم استعدادي لذلك..فأين طريقي؟؟".

المعركة مع الكلمات كانت الشغل الشاغل - كما يقال - الذي يوليه كل الاهتمام، وهو يريد أن ينهي هذه المعركة، ومن أجل الوصول إلى غايته، وأن يتحقق له السيطرة - وكما يقال أيضا - على زمام الكلمات، وتطويعها، والتحكم في استعمالها، كان المنهج الذي هو قد شــرع في - وكما يقال ثالثا - في خوض غماره. واتخذه مجالا لأبعاد معركة، قد تحدد موقعها في إطار التجربة وتعلم الكتابة متلازمين، والقول بأن يعيش الكاتب أكبر قدر من التجارب قبل الشروع في الكتابة، دون المعرفة والإطلاع على أصول وقواعد الكتابة ومن يقتصر على سلوك أحد الطريقين يقول: "والواقع أن من يسلك هذا الطريق (طريق التجربة وحده).. يقضي عمره في جمع التجارب، وعندما يجلس ليكتبها، يكتشف فجأة أنه لم يتعلم كيف يكتب، أما الذي يسلك الطريق الآخر ويشرع في الكتابة مباشرة فهو يقترف نفس الخطأ،.. وسيجد عمل كاتب عمومي في أحد المحاكم.. ولكنه لن يكون كاتبا بأي حال".

يتبع…

سالم قنيبر
بنعازي، الخميس 29 يونيو 2017

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

[1] النوارس، ص 43 - 48 بتاريخ 21/12/63.

2- كانت الوطنية المصرية قد ارتبطت بالمنهج السياسي للأحزاب المصرية منذ البدايات الأولى لتأسيسها، ويعود إلى جمال الدين الأفغاني، الذي حل بمصر سنة 1870.. قيامه بتأسيس أول حزب سياسي في القاهرة تحت اسم (الحزب الوطني الحر) يدعو إلى ارتباط وطني بمصر بمعزل عن الانتماء الديني أو العرقي أيا كانت أصوله. وكان الشيخ محمد عبده من أبرز تلاميذ الأفغاني، وقد عملت الحركة التي أثارها الأفغاني في مصر على قيام الثورة العرابية التي  أدت إلى الاحتلال البريطاني  لمصر 1882. وتتابع ظهور الأحزاب في مصر  منذ 1908، عقب قيام مصطفى كامل بإنشاء الحزب الوطني. وقد أجمعت الأحزاب المصرية العاملة في مصر حتى قيام الثورة المصرية يوليو 1952، على معالجة الشأن المحلي المصري متفاوتة في موقفها من الاحتلال البريطاني والارتباط بالخديوية، أو السلطان ثم ملكية الملكين فؤاد وفاروق، باستثناء حركة الإخوان المسلمين التي اتخذت من الإسلام منهجا لدعوتها.

الباين | 29/06/2017 على الساعة 22:43
ولدنا غلطان!
يعني هو "صاحبنا" الشاطر ما كانش يعرف حتى في تلك المرحلة المتقدمة من عمره أن كل شعب من شعوب الدنيا هو دائما متكبر و متغطرس بحكم الطبيعة في بلده و على أرض وطنه؟
LIBYAN BROTHER IN EXILE | 29/06/2017 على الساعة 14:40
الاستاذ سالم قنيبرالمحترم؛ شكرا على عرضك لجوانب كانت مخفية من حياة الكاتب الراحل الصادق النيهوم -2-
وفى مقالتك عن الصادق رقم 5 أعلاه مقتطفات من رسائله لصديقه وتلميذه الاستاذ (خليفة الفاخري) والتي أظهرت بوضوح تعالي الصادق وتحقيره لليبيا خاصة الفقرة (ومن ناحية أخرى أنا لا أرغب في العمل في ليبيا بأي حال، أنا يا سيدي وبمنتهى التواضع أكبر كثيرا مما تنمي عليه ملابسي البسيطة.. وأساتذتي أصغر كثيرا من ملابسهم ومظاهرهم... أنا أريد أن أتحرك أن أقوم بذلك في جميع الأوقات، ولا أريد أن أذهب إلى الجامعة.. وأشتغل في صناعة الأحجبة، أريد أن أعيش بعرض السماء واتساعها)٠ خاصة وان ليبيا فى ذلك العهد الملكي الجميل كانت بلدا مستقرا وامنا بخلاف عهد الطاغية المقبور الذى تلاه آي أنه لم يكن هناك ظلم وقهر فى تلك الايام يدفع ألصادق لقول ماذكره فى رسالته اعلاه٠ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
LIBYAN BROTHER IN EXILE | 29/06/2017 على الساعة 14:39
الاستاذ سالم قنيبرالمحترم؛ شكرا على عرضك لجوانب كانت مخفية من حياة الكاتب الراحل الصادق النيهوم -1-
ألكاتب المعطاء والممتع فى كتابته الاستاذ (سالم قنيبرالمحترم)؛ شكرا على عرضك لجوانب كانت مخفية من حياة الكاتب الراحل الصادق النيهوم صاحب الاسلوب الساخر المشوق والذي سحرنا به عندما كنا صغارا متعطشين للقراءة٠ وبالرغم من إعجابي بأسلوب كتابته إلا أنه خذلني كأحد معجبيه بتعاونه مع الطاغية المقبور كما نعلم جميعا٠ وستظهر حقائق صادمة عن مدى تعاون الصادق مع الطاغية المقبور متى هدأت الامورفى وطننا الغالي ليبيا لانه كما يقال ماخفي كان أعظم٠
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع