مقالات

د. الصديق بشير نصر

هؤلاء حدثوني... (7) د. فاتح زقلام

أرشيف الكاتب
2017/06/29 على الساعة 09:25

هؤلاء حدثوني (7)

د. فاتح زقلام

الحياء، والعلم، والتواضع، والورع

أربعُ خِصالٍ إذا اجتمعت للمرء فقد فاز في الدنيا، وهي طريقه إلى الفوز في الآخرة إن شاء الله: الحياءُ، والعلمُ، والتواضع، والورعُ.

فأمّا الحياء فحسبه أنه شعبةٌ من شُعبِ الإيمان كما ورد في الأثر الشريف. ولا يكون الْحَيَاءُ، في نظر الإمام الغزالي، إلا بأن «يستشعرَ المرءُ تَقْصِيرَه في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وأن َيُقَوِّي ذَلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ بعيوب النفس وآفاتها وقلّةِ إخلاصها وخُبثِ دِخْلَتها، وَمَيْلِهَا إِلَى الْحَظِّ الْعَاجِلِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِعَظِيمِ مَا يَقْتَضِيهِ جَلَالُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ والعلمِ بِأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى السِّرِّ وَخَطَرَاتِ الْقَلْبِ وَإِنْ دَقَّتْ وَخَفِيَتْ». وَهَذِهِ الْمَعَارِفُ إِذَا حَصَلَتْ يَقِيناً انبَعَثَ مِنْهَا بِالضَّرُورَةِ حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاءَ. وما من نبيّ ولا رسولٍ إلا حضّ قومه على الحياء، وقد جاء في صحيح البخاري، ومسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه: «إنّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوّة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ماشئت»، وفي الحديث الذي أخرجه الشيخان: «الحياءُ لا يأتي إلا بخير»، وفي حديث شعب الإيمان الذي أخرجه الشيخان: «الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من شُعبِ الإيمان». وَمَقَامُ الْحَيَاءِ جَامِعٌ لِمَقَامِ الْمَعْرِفَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ كما يقول ابنُ القيم في (مدارج السالكين)، ومعنى ذلك  أنه لا يكونُ الحييُّ حيّياً حتى يكونَ عارفاً بما يستحي منه، ومن يُستحى منه، فلا تنفكّ عنه حالةُ المراقبة، فيظلّ أبداً بين الخوف والرجاء.

وأمّا صفةُ العلمِ فهي نفيُ الجهلِ في كلّ صوره، وهو مقاماتٌ يتفاوت فيها الناسُ بقدْرِ جِدّهم واجتهادهم  في طلبِه والحرصِ عليه، وبمقدار أخلاصهم في العمل به. ومن هنا حرِص العارفون على ربط العلم بالعمل حتى إن إماماً كبيراً وهو الخطيب البغدادي صنّف رسالةً طريفة بعنوان (اقتضاء العلم العمل). فالعلمُ إذا خلا من العملِ به فهو وَبالٌ على صاحبه.

وأمّا التواضعُ في اللغة فهو: التذلُّلُ. وتواضَعَ الرجلُ إذا تذلّل، وقيل ذلَّ وتخاشع، وهو مأخوذ من تواضعت الأرضُ، أي انخفضت عمّا يليها، فالتواضعُ يدلّ على خفض الشيء، كخفض الجناح، ومن ذلك قولُه تعالى في حقّ الوالدين:

أمّا التواضعُ عند أهل السلوك فهو لِينُ الجانبِ والبُعدُ عن الإغترار بالنفس، حتى قيل إنّ التواضعَ هو اللين مع الخَلْقِ، والخضوعُ للحق. ومن جميل ما وقفتُ عليه من كلامٍ في التواضع قولُ ابن حِبان البُستي في كتابه (روضة العقلاء ونزهة الفضلاء): «والتواضعُ لله جل وعز على ضربين: أحدهما تواضعُ العبد لربه عندما يأتي من الطاعاتِ غير مُعجبٍ بفعله ولا راءٍ له عنده حالةً يوجب بها أسبابَ الولايةِ إلا أن يكونَ المولى جلّ عُلاه هو الذي يتفضّلُ عليه بذلك. والتواضُعُ الآخرُ هو ازدراءُ المرءِ نفسَه واستحقارُه إياها عند ذكره مَا قارفَ من الآثام حتى لا يرى أحداً من العالم إلا ويرى نفسَه دونه في الطاعاتِ وفوقه في الجنايات».

وأمّا الورعُ فقد جاء في سنن الترمذي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعاً، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ». وفي المستدرك للحاكم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ». وَقَالَ يحيى بن معاذ: "الْوَرَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ: وَرَعٌ فِي الظَّاهِرِ، وَوَرَعٌ فِي الْبَاطِنِ. فَوَرَعُ الظَّاهِرِ أَنْ لَا يَتَحَرَّكَ إِلَّا لِلَّهِ، وَوَرَعُ الْبَاطِنِ هُوَ أَنْ لَا تُدْخِلَ قَلْبَكَ سِوَاهُ. وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَنْظُر فِي الدَّقِيقِ مِنَ الْوَرَعِ لَمْ يَصِلْ إِلَى الْجَلِيلِ مِنَ الْعَطَاءِ".

أما وقد أظهرنا فضائلَ تلك الخصالِ الأربع، فلا غرْوَ أن يجتهدَ العبدُ الصالحُ في مقارفتها والاتصافِ بها، أو على الأقل محاداتها والدنوّ منها والبعد عن اجتراح السيئات.

والشخصية التي سأتحدث عنها في هذه الحلقة، عالمٌ عاملٌ اجتمع الناسُ، عامةً وخاصّةً، على علمه ومكارم أخلاقه، وحسن سيرته في الناس، ذلكم هو شيخنا وصديقنا العالم الجليل الشيخ الدكتور فاتح زقلام. وأحسبُ أنّ شيخَنا حفظه الله، والله حسيبه ولا أزكّي على الله أحداً، قد أصاب حظاً من تلك الخصال الأربع إن شاء اللهُ تعالى.

ولمخالطتي له أُشهِد اللهَ أنني ما سمعتُ منه شيئاً يؤذي الأذنَ قطّ، ولا رأيت منه شيئاً يقذي العينَ إلا جميلاً فقط. وما تحدثتُ مع الأصحابِ عنه إلا شاركوني فيما رأيتُ فيه، فليس ذلك منّي فلتة، ولا فرط محبّة، ولكن لحسنِ ما رأينا من خصاله وفضائله، وقديماً قيل لمن أجمع الناسُ على محبّتهم وتعظيمهم: "بم استعبدتم النّاس؟". فقالوا: "بمحاسن أخلاقنا“.

والدكتور فاتح زقلام، موضوع حديثنا، تشرفتُ بإهداء كتابي (الوابل والطلّ) إليه، فقلتُ في الإهداء: "إلى مَن كلّما رأيتُه أبصرتُ فيه سَمْتَ الصالحين وورعَ العلماء العاملين. إلى العالِم المُحقِّق والأصوليّ المتقِن الأستاذ الدكتور فاتح زقلام".

فأمّا خَصلةُ الحياء فيه، فحدّث عنها ولا حرج. فشيخنا وصاحبُنا لفرطِ حيائه قلما تراه يَشْخَصُ ببصره في محدِّثه، وآيةُ ذلك تلك السكينةُ التي تعتريه والهدوءُ الذي يكتنفه، فلا تسمع من قوله إلا همساً، فلا يرغي ولا  يزبد كما يفعل الكثيرون، ظنّاً منهم أنّ رفعَ الصوتِ دليلٌ على قوة الحجّة. ولعلّك تجالسُه ساعةً من نهار فلا تسمع منه إلا القليل النافع، وما أظنه بمبتدئك بالكلام حتى تبادره به، وما أحْسَبُه يقاطعك حتى تفرغَ مما تريد قوله.  ولا أراه يبتعد كثيراً عن قول الشاعر:

وجهٌ عليه من الحياءِ سكينةٌ *** ومحبّةٌ تجري مع الأنفاسِ
وإذا أحبّ اللهُ يوماً عبدَه *** ألقى عليه محبّةً للناسِ

أو قول الشاعر:

أأذكر حاجتي أمْ قدْ كفاني *** حياؤُكَ إنَّ شيمتَك الحياءُ
إذا أثنى عليك المرءُ يوماً *** كفاهُ من تعرُّضِك الثَّناءُ

كتب عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص: «إن الله إذا أحبّ عبداً حبّبه إلى خلقه. فاعتبر منزلتَك من الله بمنزلتك من الناس. واعلم أنّ مالك عند الله مثل ما للناس عندك».

وقد ذكرتُ في مناسبةٍ سابقةٍ عند الحديث عن الشيخ المهدي أبي حامد قولَ الدكتور سيد أحمد خليل في الشيخ فاتح زقلام، وأحبّ أن أسوقه هنا مرّة أخرى لأنّ التزكية من قيمة المزكّي، وعند أهل الحديث: «قيمة الجرح على قدْرِ الجارح، وقيمة التعديل على قدْرِ المعدّل» فإذا كان الحارح والمعدّل إمامين في هذا العلم، بصيرين عارفين بأسباب الجرح والتعديل قُبِل جرحهما وتعديلهما وإلا فلا، وكذلك إذا ظهر سبب خفيٌّ يحول دون ذلك كالمعاصرة والتعصّب للمذهب فلا تعويل على قول من اتصف بذلك أو رُميَ به ولو كان إماماً من كبارِ الأئمة . ولما كانت إشاعةُ الرذائل في الناس من المنكر، فإعلان الفضائل فيهم من المعروف. والدكتور سيد أحمد خليل عالمٌ سلخ عمره في الدفاع عن الإسلام والذبّ عن تاريخ الأمة، وكان رحمه الله صخرةً كأداء في وجه الدعاوى الزائفة، وليس من السهل أن يزكيَ من لا يراه مستحقاً للتزكية  أو التعديل جرياً على مصطلح أهل الحديث، وإن كان الجرح والتعديل يجريان على رواة الأخبار والأحاديث دون غيرهم. يقول الدكتور سيد خليل وهو يهمّ بمغادرة بلادنا وقد سألته عن البلاد وأهل العلم فيها: «لو دخلتُ إلى ليبيا وخرجتُ منها ولم ألق إلا الشيخَ فاتحاً  لكفاني ذلك شرفاً».

في عام 1979 كان أوّلُ لقاءٍ جمعني بالدكتور زقلام، ولذلك حكاية: «مرّ بي شيخُنا وصديقنا الدكتور محمد الطاهر المقوز، وهو من أصحاب الدكتور زقلام وأقرانه، وكان يقطنُ قريباً منّي، يريد اصطحابي إلى وليمةٍ أعدّها الشيخ فاتح زقلام بمناسبة حصوله على الدكتوراه من الأزهر الشريف، وذلك في منزله الذي لا يبعد عن بيتي أكثر من ربع ساعةٍ مشياً على الأقدام،  فقلتُ للشيخ المقوز: أنا لا أعرفُ الشيخَ، ولستً مدعواً فكيف لي أن اقتحم مجلساً لا أعرف فيه أحداً سواك إلا أن أكون كالطفيلي وقد مسّه السّغبُ؟» شدّني الشيخُ من ذراعي غير آبهٍ بما قلتُ ولا مكترثٍ له ليقينه بخلاف ما استقرّ في نفسي لمعرفته القديمة بالشيخ.

عندما دخلنا إلى بيته كان ثمة عدد كبير من الناس عرفتُ بعضَهم وجَهِلتُ بعضَهم الآخرَ، ومن هذا البعضِ الآخر من توطدت صلتي به بعد ذلك حتى يوم الناس هذا، وتلك حسنةٌ من حسناتِ ذلك اللقاء. قدّمني إليه شيخنا المقوز فسلمتُ عليه فردّ السلام والبِشرُ يطفح من وجهه ولا يكاد بصره يغادر الأرضَ إلا قليلاً، وأخذ بأيدينا وأجلسنا بين الحاضرين من فضلاء الناس. رأيتُ يومها رجلاً أثارت انتباهي فيه سكينتُه وهو يطوف بين ضيوفه في استحياء كأنه هو الضيف، بينما كانت أصواتُ الضيوف تعلو وتهبط، وكانوا يتجاذبون أطرافَ الحديث في مجموعاتٍ تارةً، وفي جماعةٍ واحدةٍ تارةً أخرى. وفيهم من غلبَ عليه الظرفُ، ومنهم من غلب عليه الوقارُ فلا تسمع منه إلا همساً، وهكذا هو شأن الناس في هذه الدنيا، يُكْمِلُ بعضُهم بعضاً. أذكر أنني سألتُ الشيخ المقوز  بعد تلك الوليمة، ولعلّه ما زال يذكر ذلك، أو ربما تفلّت من ذاكرته لِقِدم الحادثة: "بدا لي الشيخُ فاتح رجلاً قليلَ الكلام خفيضَ الصوتِ. فهل يقوى الشيخُ على ترويض الطلاب، والتلاميذُ من طبعِهم التشغيبُ؟». قال لي ما معناه: «هذا ما يبدو لك. وستنبئك الأيام عنه ما تجهلُه". وقد صدقَ فيما قال. فالشيخ في دروسه لا تسمع فيها مناكفاً، ولا مشاغباً، ولا مهمهماً، إلا سائلاً أو مستفسراً في أدبٍ  واحترام. وقد رأيتُ ذلك منه أثناء تدريسه في كلية الدعوة الإسلامية وأغلبُ طلابها يومئذٍ من المسلمين الأعاجم وقليلٍ من العرب الشاميين، وعلامةُ ذلك إحاطتهم به بعد انقضاء الدرس إحاطة السِّوار بالمعصَم، بينما أعرف أساتذةً لا يأتيهم الطلابُ إلا كارهين، وإذا انقضى درسُهم انفضّوا عنهم وكأنهم أُطلِقوا من عِقال.

سمعتُ الشيخَ فاتحاً مرتين يُلقي خطبةَ الجمعة إحداهما كانت بمسجد عبد الرحمن بن فضل المجاور لبيتي وكانت عن قيمة الوقت عند المسلم، وهي من أجملِ ما سمعتُ من خطبٍ لأهمية موضوعها وطريقة معالجته، ولبعدها عن الرتابة التي اعتادها الخطباءُ في اختيار موضوعاتهم. وهي تذكرني دائماً بكتاب الشيخ العلامة الدكتور عبد الفتاح أبو غدة (قيمة الزمن عند العلماء) وهو كتاب نفيس شأن كتبه جميعها، وهو من منشورات مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب.

وفي جامع العروسي الكائن بحي الأندلس بالقرب من بيته، جلس الشيخ فاتح يعطي دروساً في أصول الفقه، وقد أجتمع لسماع درسه نخبة من طلاب العلم النجباء، وقد تشرفتُ بحضور درسٍ من تلك الدروس.

والشيخ فاتح زقلام، أمدّ الله في عمره، عالم محقّقٌ لمسائل العلم وليس حافظاً يستجمع الآراء كشأن الكثيرين من أهل العلم ممن اعتادوا التقميشَ، وهذه واحدةٌ من مناقبه العلمية. وأذكر أنه قال لي مرة في بيته العامر عن منهجه في الإشراف على طلبة الدراسات العليا، إنه لا يحجر على طلابه في التفكير، بل يسعدُ لهم وبهم إذا تقحّموا غِمارَ النظر والتأمّل، وإذا بدا له خطلٌ أو زغلٌ فيما ذهبوا إليه نبّههم إلى ذلك، ولا يرى أن يجبرهم على خلاف ما رأوه شريطةَ أن يُحسنوا الدفاعَ عن رأيهم إذا اعتُرِضَ عليه عند المناقشة.

ومن مناقب الشيخ فاتح احترامه الكبير للعلماء وتبجيلهم، ولم أسمع منه قط تجريحاً في عالمٍ لا من المتقدمين ولا من المعاصرين، ولو كان له رأي في أحدٍ من هؤلاء فإنه يحتفظ به لنفسه، أو لربما في دائرةٍ ضيقة عند محدثيه بحيث لا يشيع، ويظل ذلك في دائرة النقد المقبول.  وقد سألته أكثر من مرةٍ عن بعض العلماء فيجيبني: لا أعرفه، أو لا أدري.

وما حدثته مرةً عن زيارةٍ لي لبعض الفضلاء كالشيخ محمود صبحي أو الشيخ فاتح احواص أو الدكتور المقوز وكان هذا الأخير مهاجراً في بريطانيا من سطوة الاستبداد الذي كانت تعاني منه البلاد، إلا بادر بالسؤال عنهم وعن أحوالهم والثناء عليهم بما هم أهلٌ له. وأذكر أنني أبلغت أحدَ الأساتذة يوماً سلامَ الشيخ المقوز وتحياته له، فتمعّر وجهُه وأنكر معرفته به خوفاً من أن يصيبه أذىً أو أن تُلحَقَ به تهمةٌ لا يقوى على تحمّلها. وإن كنتُ ألتمسُ لصاحبنا هذا بعضَ العذر في سلوكه فقد أصاب الناسَ يومئذٍ من الخوف ما تحوّل إلى رُهابٍ حقيقيّ.

ومن مناقب الشيخ زقلام أنه لا يتكلّم في شيء أو في مسألة لا يعرفها، ولا يرى في نفسه حرجاً أن يقول لك: "لا أدري"، وكأنه يقطع بصدق تلك المقالة التي شاعت بين أهل العلمِ، وهي قولهم «لا أدري» تعدِل نصفَ العلم إن لم تعدِلْه كلَّه، أو لأنه يدرك أنّ العالِم إذا أخطأ (لا أدري) أصيبت مقاتِلُه على رأي التابعيِّ محمد بن عجلان، أو على حدّ قول أبي بكر بن دريد فيما رواه عنه القاضي الماوردي:

جهلت وعاديت الْعُلُوم  وَأَهْلهَا *** كَذَاك يعادي العلمَ من هُوَ جاهِلُه
ومن كان يَهْوى أن يُرى متصدّراً *** ويكره «لا أدري» أُصيبَت مَقاتِلُه

وفضلاً عن ذلك، فإن الشيخَ فاتحاً إذا تكلّم في مسألةٍ ما لا يتكلّم فيها إلا إذا أيقن أنه أحاط بها من كلّ جوانبها، فيكون قولُه الفصلَ. ولا يرى أدنى حرجٍ في أن يعيدَ النظرَ فيها بعد الفحصِ والتأمّلِ والتنقيب. وأذكر في هذا الشأن أنّ الدكتور علي السالوس الفقيه، عالم الاقتصاد الإسلامي المبرّز  زارنا في طرابلس، وكنتُ التقيتُه في مسجد ريجنت بارك بلندن، وحدثني أنّ أخاه الذي يعمل مع إحدى الشركات في ليبيا قضى نحبَه في حادثٍ أثناء العمل، وأنّ لبنيه الورثة حقوقاً عند ربّ العمل ولكنه يماطل في تقديم التعويض المالي المقرّر بموجب القانون والعقد بينهما للموظف الذي يقضي نحبه أثناء فترة العمل، فماذا يصنع؟ قلتُ له على ما أذكر أن عليه أن يَقْدمَ إلى طرابلسَ ويتابع الأمورَ مع أصحاب الشأن شخصياً، لأنني أخشى أنّ مثل هذه المسائل لا تُقضى من بعيد. ونسّقتُ له مع بعض الفضلاء ممن سعوا له في الحصول على تأشيرة الدخول وكان ذلك يومها من الأمور العسيرة. والشيخ على السالوس الفقيه والخبير في الاقتصاد الإسلامي بالمجمع الفقهي التابع لمنظمة العالم الإسلامي له عدد كبيرٌ من المصنفات العلمية القيمة، منها: أثر تغير قيمة النقود في الحقوق والالتزامات الآجل، بيع المرابحة للآمر بالشراء: نظرات في التطبيق العملي، نظيم النسل وتحديده،  البيع بالتقسيط: نظرات في التطبيق العملي، الأسواق المالية، فوائد البنوك وشهادات الاستثمار في ضوء الكتاب والسنة والإجماع، الاستصناع، تطبيقات شرعية لإقامة سوق إسلامية، التضخم والكساد من منظور إسلامي.

في هذه الزيارة اجتمعنا بالشيخ السالوس في بيت الشيخ فاتح زقلام، وقد ضمّ المجلسُ نخبةً من الفضلاء وأهل العلم أذكر منهم: الشيخ الدكتور السايح علي حسين، والأستاذ عبد الله زكي بانون المحامي، وآخرين لا يحضُرني ذكرُهم. وفي المجلس أثير موضوع المصارف الإسلامية. وجرى النقاشُ في مسألةٍ فقهيةٍ تتعلّق بالأموال، عرض فيها الشيخ السالوس لرأي فقهي ربما نسبه لغير أهله، فاستدرك عليه الشيخ فاتح ذلك، ولكن الشيخ السالوس أصرّ على ما ذهب إليه. ولم يكن الشيخ فاتح، أمدّ الله في عمره، ممن يطلبون الجدلَ ولا حبّ الظهور ولو بالمخالفة، ولذلك سكت إكراماً للضيف ولمقامه العلمي عملاً بقول الشافعي: «كلامُك صواب يحتمل الخطأ، وكلامي خطأٌ يحتمل الصوابَ». وفي اليوم اللاحق أذكر أنّ الشيخ فاتحاً أثار الموضوع من جديد معي وأخرج لي مصدراً من المصادر العلمية الذي يؤكد صحة دعواه وبطلان دعوى صاحبه. وللأسف الشديد غاب عن ذاكرتي ما يتعلّق بتلك المسألة لبعد العهد بها ولا أدري إذا كان الشيخ فاتحُ نفسُه يذكرها الآن.

وجِئته مرّةً بصحبةٍ قريبٍ لي يريد أن يستفتيه في مسألةٍ، وأنا أعرف أنّ الشيخ يضيقُ ذرعاً بذلك، ولولا إلحاحُ هذا القريب ما اصطحبتُه لأنني أكاد أعلمُ جوابَ الشيخِ سَلَفاً. وكان من الأمر ما توقعتُ إذ اعتذر الشيخُ عن أن يقدّمَ له فتوى في مسألته، وأشار عليه بأن يقصد دار الإفتاء، وما ذلك من الشيخ إلا لأنه يستثقل الفتوى لأنها عبءٌ ثقيل لا يقوى على حَمْلِه، وهو يقدّم الرأيَ الفقهي في المسألة على أنه ما يذهب إليه أهلُ العلم لا على أنه فتوى منه. وذلك هو الورع متأسياً بصنيع السلف الصالح، إذ كانت المسألة الواحدة تدور بينهم، يحوّلها الصاحبُ إلى الصاحبِ، حتى تعودَ إلى أوّلهم لا جهلاً ولكن تورّعاً وخشية ً.

الأستاذ عبد الرزاق امسلم مع الشيخ فاتح زقلام

في بيته اجتمعتُ بعدد من العلماء والفضلاء من أهل البلد أذكر منهم: د. هاشم الهوني، د. عمر التومي الشيباني، د. محمد المقوز، الأستاذ عبد الله الهوني، د. محمد بلحاج، د. محمد منصف القماطي، د. الصادق الغرياني، الشيخ أحميدة الحامي، الشيخ محمد الرابطي، الأستاذ عبد الرزاق أبو حجر، الأستاذ عبد الرزاق امسلم، ود. أحمد أبو حجر، د. عبد المجيد الضباع، الشيخ العلاقي، د. عبد الدايم الباجقني، د. عبد السلام أبو سعد، د. السايح حسين، الشيخ مصطفى قشقش، د. بشير زقلام، الأستاذ عبد المجيد التايب، د. جمعة الزريقي، د. عبد الحميد الهرامة، الأستاذ عبد العزيز الشاملي، الأستاذ علي ناجي، د. سالم مرشان. وحسب الشيخ شرفاً أنني لم ألق في مجلسه سفيهاً، ولا منافقاُ، ولا مخادعاً.

طالت صحبتي للشيخ وامتدّت، وتجاوزت صلتي به مجرد صلة تلميذ بشيخه، إذ ربطتني به علاقة أخوّة عمادُها المحبّةُ في الله. كنا نترافق في الذهاب إلى كلية الدعوة، ونسعى لأن يكون جدول التدريس لكلينا متوافقاً من أجل أن نأتي الكليةَ سوياً ونعود سوياً، حيث كان يكلّف ابنه الدكتور عبد الرحمن عناءَ توصيله إلى الكلية والعودة به منها. فأتاحت لي هذه الفرصةُ الاقترابَ أكثر من هذه الشخصية الجميلة. وفي الطريق كنا نتجاذب أطراف الحديث عن عالم الكتبِ والعلماء، وقد نتطرق إلى الواقع السياسي المزري الذي تعيشه البلاد في تلك الأيام.

وبمناسبة الحديث عن عالم الكتب أسوق ثلاث حوادث لطيفة: زرتُ الشيخ فاتحاً في بيته وكان معرض الكتاب الدولي منعقداً في طرابلس يومئذٍ، والشيخ من المهووسين بالكتب، فتحدثنا عن المعرض وسألني ماذا اقتنيتُ منه. فذكرت له بعضَ الأسماء وكان من بينها كتاب (الخصائص) لابن جني. فذكر لي الشيخُ أنه لم يره في المعرض وقد زاره بمعية أخينا الفاضل الشيخ عبد الناصر انفيص. فسألني عن الدار التي تعرض الكتاب، فقلتُ له لا أذكرها، ولكنني أذكر أنّ القائم عليها هو أخونا الفاضل الأستاذ شاكر عبد الله مدير المكتبة المركزية بجامعة طرابلس آنذاك، وغداً نذهب سوياً وسوف نعثر على الدار وعلى الكتاب إن شاء الله تعالى. وفي المعرض اهتدينا إلى الدار التي تعرض الكتاب، لكنّ الكتابَ قد نفذت نُسَخُه حيث بيعت آخر نسخة منه قبل دقائق من وصولنا وقد اشتراها غلامُ صغيرٌ. تحسّرنا لفوات الفرصة غير أنّ صديقنا الأستاذ شاكر أشار إلى الغلام الذي تأبّط الأجزاء الثلاثة من (الخصائص)، وكأنه يقول لنا: "دونكم الغلام". أردتُ أن أتحايلَ على الصبيّ لنستردّ منه الكتاب وندفعَ له ثمنه، فامتنع الشيخ عن ذلك، وقال: "لعلّ أحداً أرسله ليشتريه". فسألناه: "هل اشتريت الكتاب لأبيك، أو لأخيك، أو لأيّ شخصٍ آخر". أجاب: "كلا. أنا ياعمي اشتريته لنفسي". فاستغربنا وقلنا له: "هذا كتاب صعبٌ وليس للفتيان مثلك، وهناك كتبٌ ممتازة تتناسب مع عمرك وهي أرخص ثمناً وأخفّ حملاً". فقال الصبيّ: "لكنني الآن اشتريتها فهل يقبل البائع بردّها". قلنا له: "لا عليك. نحن نشتريها وندفع لك ثمنها، واذهب إلى ذلك الرجل، ونعني الأستاذ (شاكر)، وهو سيختار لك كتباً مفيدةً. وكان الأمرُ على هذا النحو، وعاد الشيخ جذلانَ فرِحاً بالكنز الذي حَظِي به.

ومن هذا الباب، أعني بابَ الكتبِ، كان الشيخُ حفيّاً بها حريصاً على اقتنائها. وقد حكى لي مرةً قصةً طريفة حدثت له بالقاهرة إبّان دراسته بالأزهر، وملخصها أنه أظهر إعجابه بكتابٍ ما، فبالغ بائعه في ثمنه لما استشعر لهفةَ الشيخ عليه، فدفع فيه ثمناً كبيراً، ويبدو أنّ الشيخَ أحسّ بعد ذلك بأنه مغبونٌ فيه. فعاد مرّة أخرى دون أن يُظهرَ للبائع تلك اللهفةَ التي تعوّد أن يقرأها في أوجه الشارين، بل ربما أظهر عدم الاكتراث بما استحسنه منها أو التقليل من قيمتها، فنجح في شرائها بثمنٍ بخسٍ ويكون بذلك عوّض خسارةَ الأمس. وأذكر أيضاً أنني أخبرتُه يوماً أنّ مستودعاً للكتبِ يتبع إدارة التعليم الديني بمحلة سيدي خليفة بطرابلس، ستُحرَقُ محتوياتُه من الكتب الدينية بأمر من وزير التعليم آنذاك المدعو أحمد إبراهيم، وأنني علمتُ بذلك من صديقنا العزيز نور الدين النمر حيث كان المستودع في الشارع الذي يقطن فيه، وانه ارتاب في السيارات التي تخرج محمّلة بالكتب الدينية إلى مكانٍ ما، فذهبت وإياه إلى ذلك المستودع ووجدنا حارسَ المستودع  وهو رجل من مدينة غدامس، فتودّدنا إليه، وجعلنا المدخلَ إلى الحديث معه الكلامَ عن الشيخ عبد الرحمن البوصيري الغدامسي قاضي قضاة طرابلس الغرب، فارتاح الرجلُ لنا، ثم سألناه عن هذا المستودع فأخبرنا أنه مخزن يضم كتباً في الفقه والتفسير والعقيدة واللغة، بعضها من المناهج المقرّرة في المعاهد الدينية، وبعضها من الإهداءات التي تصل من البلدان العربية لوزارة التعليم والأوقاف. سألناه: "وما شأن تلك السيارات التي تخرج محمّلةً منه بالكتب؟". قال: «الملاعين يريدون حرقها وفيها مصاحف». وكان ذلك في ذروة التضييق على دراسة العلوم الدينية والذي أفضى إلى قفل أبواب معاهدها. أحسسنا أنّ الرجل مستاءٌ من هذا الصنيع، فأدخلنا في رُوعِه ضرورةَ إنقاذ ما يمكن إنقاذه منها، وأنه سيؤجر بفعله ذلك إن شاء الله. أذن لنا الرجلُ الفاضل بالدخول إلى جوف المستودع، وأخذت وصاحبي الأستاذ نور الدين بعضاً من الكتب رجاءَ أن نعودَ إليه مرّة أخرى لحمل بعضها الآخر، وكان مما تحصلتُ عليه يومئذٍ نسخة من تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، وهي طبعة مصورة عن طبعة بولاق المصرية قديمة، وحملتُ معي بعض النسخ من كتاب (بُلغة السالك لأقرب المسالك) وهو حاشية تقع في أربعة مجلدات للشيخ الصاوي على حاشية الشيخ أبي البركات أحمد الدردير المسماة (أقرب المسالك)، وظلت نسخُ بلغةِ السالكِ في مكتبتي لسنين عديدةٍ حتى سلّمت ما تبقي منها لأحد الأصدقاء ليهديها إلى مكتبة الجامعة الأسمرية بزليطن حيث قُرّر الكتابُ مرجعاً فقهياً لطلبة المعهد بعد سنين من التضييق. حدثتُ الشيخَ فاتحاً بهذه الحكاية فرغب أن يحصلَ على نسخةٍ من (البحر المحيط) فقلتُ له إن المستودع المذكور يخضع لإدارة المعاهد الدينية التي يديرها يومئذٍ الشيخ فلان، لا أرغب في تسميته من باب الستر، وهو من علماء البلد، وله بالشيخ زقلام معرفة وصحبة، فاستحسن الشيخُ زقلام  أن نسألَ هذا الشيخ مباشرةً وندخلَ إلى الدار من بابها، ونطلب منه نسخةً من الكتاب وذلك أولى من إحراقها. ذهبتُ والشيخَ في اليوم التالي إلى منزل ذلك الشيخ رحمه الله، ولم أكن أعرفه شخصياً وإن كنتُ أسمع عنه لشهرته وصيته. غير أنّ الشيخَ استقبلنا بفتور وأنكر حكايةَ حرقِ الكتب، وأنه لا يوجد لديهم مستودع للكتب في سيدي خليفة، ورجعنا خائبين. وقد تحدثت عن ذلك مع الأستاذ اللافي بلخير وكان يومها المدير العام للشؤون الإدارية والمالية لأمانة التعليم، فابتسم وقال لي: "الشيخ لا يجرؤ أبداً على القيام بما قام به ذلك الحارس الغدامسي"، فأحزنني ذلك مرتين. الأولى: عندما أنكر الموضوع برمته، وأنا وصديقي نور الدين النمر كنا شاهدي عِيان على ذلك. ولم اعترض على قوله رحمه الله إكباراً له. والثانية: أنّ عالماً بهذا القدر يدرك قيمة العلم ومراجعه العلمية يتردد بل يمتنع عن تقديم أي عون لإنقاذها من الحرق أو الإتلاف ولا يبادر إلى تقديمها لمن ينتفع بها من طلبة العلم واهله، بينما تجرّأ على ذلك أميُّ يعمل حارساً في المستودع إحساساً منه بنبل ما يقوم به. فشتّان بينهما. رحم الله ذلك الشيخ فما أظنه فعل ما فعل إلا بسبب الخوف.

والحديث عن انشغال الشيخ زقلام بالكتب والافتتان بها يطول، وكانت تعتريه حالة من القلق عندما يأتي ببعض كتبه من مصر التي لم يغامر بالإتيان بها دَفعةً واحدةً خوف مصادرتها من إدارة المطبوعات، فعرّفته بصديق الصبا والشباب والكهولة، بله الشيخوخة الأستاذ نور الدين النمر الذي كان يومها يشغلُ منصبَ مدير قسم المطبوعات العربية بإدارة المطبوعات التي كان مقرّها خلف جامع أبو رقيبة. والأستاذ نور الدين من الشخصيات المحبّبة للنفس، وهو من الطبقات العليا في الثقافة والمعرفة، وإن عاندته الأيام فعاندها، جرياً على قول صديقنا الدكتور محمد مسعود جبران الذي كان كثيراً ما يتمثل الأستاذُ نور الدين النمر بقوله جواباً عمن يسأله عن حاله مع الدنيا: «مغالبة. نغالبها وتغالبنا.. فتغلبنا». وكان الأستاذ نور الدين جريئاً في وظيفته وقد تعرّض بسبب ذلك إلى مضايقات عديدة، ولعلّ الله يفسحُ لنا في الأجل فنكتبُ عنه بما يستحق من إكرام. وأحسبُ أنّ الله سخّره لنا لإنقاذ الكتب التي نأتي بها من الخارج أو يأتي بها أصحابنا حتى أوشكنا أن نعرّضه للأذى. وقد أعان الأستاذ نور الدين الشيخَ زقلام في الإفراج عن كتبه بمجرد وصولها إلى إدارة المطبوعات، فتوطدت العلاقة بينهما، بل تجاوز الأمرُ مساعدةَ الشيخ فاتح إلى الآخرين ومنهم: محمود أبو غرارة، وعبد الناصر انفيص، وآخرين.

ومن المواقف التي سجلتها للشيخ فيما يتصل بمعاملاته مع الناس وكيف أنها منضبطة بأصول الشرع وقواعده، أنه دعاني يوماً إلى بيته وطلب مني أن أرافقه إلى بيت أحد العلماء الفضلاء فرحبتُ بذلك، ثم تبيّن لي بعد الجلوس عند ذلك الشيخ أنّ سبب الزيارة كانت لاقتراض مبلغٍ من المال منه، ولما أحضر مضيفنا المبلغ، أخرج الشيخ فاتح ورقةً من جيبه وفيها شهادة منه بأنه تسلّم مبلغاً من المال وقدره كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وشهد على ذلك فلان بن فلان وهو أنا. ابتسم صاحبه وقال له: لما كانت المسألة محكومة بالشرع هكذا فقم بعدّ المال، فكلفني الشيخ فاتح بعدّه. وبعد بضعة أشهر من ذلك استدعاني الشيخ فاتح لزيارة الشيخ نفسه فأدركت أنّ الأمر يتعلّق برَدِّ الدَّين، فقام صاحبُه من فوره وأحضر الورقة التي أعطاه إياها الشيخُ في المرة السابقة وسلمها له، فما كان من الشيخ فاتح إلا أن قال له: قم فعدّ نقودك. لقد أعجبتني هذ المعاملة الشرعية فهي تحفظ للطرفين حقهما عملاً بقوله تعالى:

وإن كان الأمر بالكتابة للندب لا للوجوب على ما استقرّ به العمل عند الجمهور مع ذهاب الطبري إلى أنه للوجوب . وأعلَمُ أنّ بعضَ المعاملات المالية بين الأصحاب لم تكن منضبطة بهذا الأسلوب الشرعي في المعاملات فانتهت بسوء الظنّ والتهمة، ومن ذلك أنّ مديناً  كتب إقراراً على نفسه بالدين وأشهد عليه، وعند سداد الدّين لم يقم الدائن برد ذلك الإقرار للمدين، ولم يطالبه به المدين ولم يحضر معه الشهود على تسليمه الدين. وبعد سنوات من وفاة الدائن عثر أولادُه على ذلك الإقرار فذهبوا يطالبون صاحبَ أبيهم بالدين الذي لأبيهم في عنقه، ولم يقتنعوا بحجة المدين فما كان منه إلا أن يغرمَ الدّيْنَ من جديد حفظاً لشرفه وسمعته من أن ينالها سوء.

ومن الأمور التي كانت بيني وبين الشيخ فاتح زقلام ولا يعرفها أحدٌ، وقد آن الأوان للإفصاح عنها، والتي تُظهر شجاعة هذا العالم الفاضل، هي أننا اتفقنا على زيارة المشايخ والعلماء والمفكرين الذين يزورون طرابلس في العهد المنصرم، قبل أن يجتمع بهم القذافي إن أمكن لتوضيح الصورة الحقيقية التي تعيش فيها البلاد من استبدادٍ وقهرٍ وقمعٍ وتشريدٍ واغتيالات وإعدامات التي لا تعكسها الصورةُ التي يروّج لها نظامُ القذافي بالخارج، حيث يُصوّرُ القذافي بأنه إمام المسلمين وحامي بيضةِ الإسلام، فينخدعَ به العوامُّ والخواصُّ في تلك البلدان. وقد اعتاد القذافي أن يتعمّد الصلاةَ بالشيوخ الزوّار إماماً، ثم يُخرجُ صُورَهم في الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات ليقولَ إن أكبرَ علماء الإسلام يأتمّون به في الصلاة ويرتضونه إماماً لهم ردّاً على من يُنكر ذلك من معارضيه في الداخل والخارج.

ومن لطائف الشيخِ أنني سألته مرّة عن آلام المعدة، فقال لي: عليك بقشر الرمان فإنه قابض للمعدة. وأردف ذلك بقوله: «إنه مجرَّبٌ». فنظرت في كتاب (القانون) للشيخ الرئيس ابن سينا فوجدته يقول الشيءَ نفسه، وتكررت أسئلتي له في موضوع التداوي بالأعشاب فاكتشفتُ أنه مولع بقراءة كتب الطب عند الأقدمين، وكتب الطب النبوي. وفي مرّةٍ اشتكى لي صديقٌ من آلام بمعدته، فقلتُ له مازحاً: "عليك بوصفة الدكتور فاتح"، وهو لا يعرف الشيخَ فظنّه طبيباً بحقّ، وسألني أن آخذه اليه، وألحّ في الطلب إذ ظنّ أنني أتلكأ في ذلك.

بعد كلّ هذا السرد والاستطراد فمن هو الشيخ فاتح زقلام؟

وُلِد الدكتور فاتح محمد زقلام في طرابلس الغرب في 7/7/1938. حفظ القرآن الكريم، وتحصّل على الشهادة الثانوية من معهد أحمد باشا  الديني سنة 1964، وكان ترتيبه الثالث. وتحصل على شهادة العالمية (الليسانس) من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالبيضاء سنة 1968 بتقدير جيد جداً، وكان ترتيبُه الأوّلَ. وتحصل في عام 1973 على شهادة الماجستير في أصول الفقه من كلية الشريعة والقانون بالأزهر الشريف بتقدير جيد جداَ والترتيب الأول.

ونال في عام 1979 درجة الدكتوراه (العالمية) في أصول الفقه من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. أشرف عليه فيها العلامةُ الأصوليُّ الشيخُ المحقق الشهير  عبد الغني عبد الخالق، ولم يستكمل معه الإشراف لوفاته رحمه الله تعالى، وأتمّ الإشرافَ عليه الدكتور السيد صالح عوض محمد النجار صاحب كتاب (الاستحسان عند علماء أصول الفقه وأثره في الفقه)، وكتاب  (أثر العرف في التشريع الإسلامي)، وهما كتابان مرجعان لا يستغني عنهما طالبٌ في أصول الفقه. وتُعدّ رسالةُ الدكتوراه للشيخ فاتح من أهم المراجع العلمية في موضوعها، بل إنها دراسة رائدة لم يُسبق إليها، وأذكر، إن لم تخنّي الذاكرة وقد طال عهدي بقراءتها، أنّه صحح فيها كثيراً من الأوهام التي تنثال على ألسنة بعض أهل العلم من قبيل أنّ المالكية لا يعملون بخبر الآحاد متى خالف عمل أهل المدينة مطلقاً.

وعمل الدكتور فاتح معلماً بمعهد الجغبوب الديني من سنة 1968 إلى سنة 1970. وعمل مدرساً بمعهد البعوث بمدينة البيضاء لبضعة أشهر، ومدرساً بالقسم العام بطرابلس، ومعيداً بكلية اللغة العربية والدراسات الإسلامية بالجامعة الليبية من سنة 1971 إلى سنة 1973، وعمل محاضراً مساعداً بكلية اللغة العربية والدراسات الإسلامية بمدينة البيضاء من سنة 1973 إلى سنة 1979. وعمل أستاذاً بكلية التربية بجامعة طرابلس (الفاتح سابقاً) منذ عام 1979 إلى أن تقاعد من العمل. كما انتُدِب للتدريس بكلية الدعوة الإسلامية، وظلّ يعمل معها أستاذاً متعاوناً بقسم الدراسات العليا منذ سنة 1987 إلى أن أحيل إلى التقاعد. وأعير للعمل بالجامعة الإسلامية (ألساي) بالنيجر. وتولى الخطابة بجامع  القبطان بطرابلس من سنة 1962 إلى سنة 1964، كما تولى الخطابة بجامع العنقودي من سنة 1970 إلى سنة 1972.

وقد اشتغل بتدريس الفقه والأصول والتوحيد والسيرة والنحو والصرف والمنطق والبلاغة في المعاهد الدينية. كما اشتغل بتدريس أصول الأحكام والعقيدة وتاريخ التشريع  والنحو، والصرف والتدريبات اللغوية بالجامعة الليبية وكلية الدعوة الإسلامية. وفي الدراسات العليا قام بتدريس أصول الفقه والقواعد الفقهية وآداب البحث والمناظرة. وقد عُهِد إليه في عام 1992 برئاسة قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة طرابلس (الفاتح سابقاً)، ثم عُهدِ إليه من جديد رئاسة القسم للسنوات 1995، 1996، 1997.

وعند رئاسته لقسم اللغة العربية كان حفيّاً بزملائه الأساتذة من الليبيين، كما كان حفيّاً بالقدر نفسه بالأساتذة المتعاقد معهم من البلدان العربية. واذكر بهذه المناسبة أنه اتصل بي وحدثني عن أحد الأساتذة العراقيين ويُدعى عبد الإله الصائغ، وهو ممن التحقوا بالقسم مؤخراً، وكان قد غادر بغداد فراراً من سطوة الاستبداد في بلاده، وأخبرني أنّ الأستاذ الكريم يعيش في القسم الداخلي بالجامعة معيشةً ضنكاً، ولا يكاد يجد ما يسد به جوعه وجوع زوجه. فلم يُعط المرتب الموعود به لشهورٍ، وهو يكاد يعيش على الإحسان. وطلب مني الشيخ أن أرافقه إلى حيث يقيم بالجامعة ليقدمَ له بعض العون. وذهبنا إلى الدكتور الصائغ ونحن نحمل له الشاي والسكر وبعض المواد الغذائية التي أحضرها الدكتور فاتح من الجمعية الاستهلاكية، فاستقبلتنا زوجه، وجلسنا في انتظاره لوقتٍ طويل ولم يخرج الأستاذ إلينا فبدأ القلق يدبّ في نفوسنا، ولم نستطع أن نغادرَ المكان دون استئذان من صاحب البيت حتى خرج علينا بعد أكثر من نصف ساعة من الانتظار مرحباً بقدومنا، ومعتذراً عن التأخير والسبب أنه كان يعاني من ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم. قلنا له: لنذهب بك إلى الطبيب، فقال: "أنا الآن بخير، وأعرف العلاجَ الأسرعَ والملائمَ لي". سألناه ما هو؟ فقال: «تناول فصوص كثيرة من الثوم. والثوم أسرع من أي دواء في إنزال نسبة الكوليسترول في الدم». وبالفعل استقرت حالة الدكتور الصائغ وانطلق يحدثنا عن الأدب العراقي وشعراء العراق المشاهير، وكنت كَلِفاً بأحمد الصافي النجفي، ونازك الملائكة فحدثنا عنهما حديثاً شائقاً، كما حدثنا عن جميل الملائكة خال الشاعرة نازك، وهو دكتور في ميكانيكا الموائع وصاحب مؤلفات عديدة فضلا عن كونه عضواً في المجمع العلمي العراقي، وعضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. وحدثنا عن الشاعر محمد سعيد الحبوبي، ومحمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب. كانت جلسةً جميلةً انعقدت بعدها صلتنا بالدكتور الصائغ حتى غادر بلادنا إلى اليمن ومنها إلى الولايات المتحدة. ويعود  الفضل للشيخ فاتح في معرفتي بالدكتور عبد الإله الصائغ. الشاعر والناقد والأديب صاحب كتاب (الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام)، وكتاب (الصورة الفنية في شعر الشريف الرضي)، وكتاب (بكائيات على مقام العشق النزاري بالإشتراك مع الدكتور سعدون السويح -تحليل نصي لرائية الشاعر عبد المولى البغدادي).

هذا الموقف من الشيخ فاتح كشف لي عن عالمٍ آخر فيه لم أكن أعرفه، فقد أفصح عن رجلٍ لطيفِ الشعورِ، رقيقِ العاطفة.

وبمناسبة ذكر تدريس الشيخ فاتح لمادتي النحو وآداب البحث والمناظرة إلى جانب تدريس أصول الفقه وهو مادةُ تخصصِّه العلميِّ، بدا لي  أنّ قوّة عارضة الشيخ في الحجاج الفقهي تعود إلى ملكته العقلية وإلى اشتغاله بعلوم الآلة ومنها علم المنطق وأصول المناظرات. وهي علومٌ لا يستغني عنها باحثٌ إلا إذا استغنى عن النحو والصرف في التفسير والفقه. وقديماً كان انصراف طلابٍ العلم أولاً إلى حذق علوم الالة التي بدونها لا تستقيم لهم علوم الغاية. وعلوم الآلة لا تُطلبُ لذاتها كالنحو والصرف، والبلاغة بأقسامها الثلاثة: البيان، والمعاني، والبديع،  وعلوم أصول الفقه وأصول الحديث، وأصول التفسير، وعلم المنطق، وإنما تُطلبُ للوصول إلى غيرها لتصحيح فساد اللسان  والعقول، وكشف مواطن الخلل في التفكير والنظر والاستنباط.  ومن الواضح أنّ شيخَنا قد أصابَ  حظاً وافراً من تلك العلوم حتى إنه جلس لتدريس النحو والصرف والمنطق وآداب البحث والمناظرة. وفي كتابه (خلاصة آداب البحث والمناظرة) لا يكتفي، شأن كثير من الشيوخ والأساتذة، بنقل ما استقرّ عليه الفهم عند بعض أهل العلم دون نظرٍ وتمحيص، بل لا يبرح يناقشه فيسلّم به أو يعترض عليه. وفي كتابه المذكور يعترض على دعوى للعالمين الجليلين: الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في كتابه (رسالة الآداب في علم  آداب البحث والمناظرة)، والشيخ الدكتور عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتابه (ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة).

وعمل الشيخُ الجليلُ، أمدّ الله في عمره، في عدد من اللجان، العلمية كما أشرف على عدد من الرسائل العلمية للدكتوراه والماجستير. ومن المؤلفات النافعة التي صنّفها:

الأصول التي اشتهر انفراد إمام دار الهجرة بها، وهي رسالته للدكتوراه التي أشرنا إليها، وكانت تحت إشراف الشيخ العلامة عبد الغني عبد الخالق ثم الدكتور السيد صالح عوض، وقد قامت كلية الدعوة الإسلامية بنشرها.

قول الصحابي، وهو رسالته للماجستير، بكلية الشريعة والقانون بالأزهر.

مذكرة في العقيدة الإسلامية، قُرّرت ودُرّست لطلاب السنة الأولى بقسم اللغة العربية خلال السبعينيات وأول الثمانينيات.

مذكرة في العقيدة، أُلِّفَت لشعبة العلوم الشرعية، بثانوية العلوم الشرعية وفق المنهج المعتمد من أمانة التعليم.

الجزء الأول من كتاب (أصول الأحكام) قُرِّرَ ودُرِّسَ لطلبة الدراسات العليا بكلية الدعوة الإسلامية منذ عام 1987 إلى أن تقاعدَ الشيخُ.

الجزء الأوّل من كتاب (آداب البحث والمناظرة) قُرّر ودُرّس لطلبة الدراسات العليا بكلية الدعوة الإسلامية وقسم اللغة العربية بكلية التربية.

منظومة (خلاصة العقائد ودرّة عوائد الفوائد) مع شذرات من السيرة العطرة.

صيام ستة أيام من شوال وحكم نيابة قضاء رمضان عنه. من منشورات دار الحكمة.

بحث بعنوان (الموضوع) وهو بحث فلسفي حول معنى الموضوع والموضوعية، نشر بمجلة كلية الدعوة الإسلامية، العدد 11.

كتابة بعض مواد (المعارف الإسلامية) بمجلة كلية الدعوة الإسلامية، منها المواد: (آية)، (إباحة)، (إجزاء)، (إجماع)، (إحداد)، (آذان)، (استدلال)، (استصحاب)، (استواء)، (استعانة)، (إدراك).

إشارة النص.

سفينة الوصول، منظومة في أصول الفقه تزيد على ألفي بيت.

تحفة الشبّان، منظومة في العقيدة.

مذكرتان في أصول الفقه لطلبة شعبة العلوم الشرعية.

بعد التقاعد، عكف الشيخُ فاتح في بيته بعيداً عن صخب الدنيا وضجيجها، زاهداً فيما في أيدي الناس  تؤآنسه كتبُه ويسائله تلاميذُه الذي تحلّقوا حوله لتلقي العلوم الشرعية عنه، وقد أصبحت دارُه أشبهَ بقاعة درس في أحد المعاهد، لا تسمع فيها لغواً من القولِ ولا هدرِاً من  سقطِ الكلام، فهي نزهةُ الأرواح، وبهجة العقول في رياض المنقول والمعقول.

هو ذا الشيخ فاتح محمد زقلام، أكتب عنه هذه الكلمات وهو مستنكفٌ أنّ أكتبَ عنه سطراً، وقد قال لي في حضرة أخينا الأستاذ عبد الرزاق امسلم في آخر لقاءٍ جمعني به: «من أنا فأُذْكَر؟». فأقول له اليوم: «ذكر مناقب الفضلاء وأهل الصلاح دينُ في أعناقنا يستوجِبُ الأداء».

د. الصديق بشير نصر

* راجع سلسلة (هؤلاء حدثوني) بـ (ارشيف الكاتب).

جمعة محمود الزريقي | 04/07/2017 على الساعة 07:11
تحيةوإكبار
الحمد لله على أفضاله ، ومن ذلك ما كتبه الدكتور الصديق نصر حول شيخنا وقدوتنا وعالمنا المبجل الأستاذ الدكتور فاتح زقلام ، ولا يعرف الفضل إلا ذووه ، وما قرأته عنه هذا اليوم قليل من كثير تزخر به سيرة هذا العالم الجليل ، والحمد لله لازلت أتواصل معه صحبة بعض الأصدقاء ومنهم الصديق العزيز الدكتور عبد الحميد الهرامة ، وجهود الدكتور الصديق في التعريف برجال هذه البلاد كبيرة ومحمودة ونحن بحاجة إلى إظهار ما لدينا من أعلام تزخر بها البلاد الذي يظن الكثيرون أنها قفر وبلاد ممر فقط ، وأذكر من ذلك التكريم الذي تم له في مسجد أسامة بحي الأندلس ، وكان ذلك بحضور الدكتور الصديق ، وربما كان من إعداده ، وقد شرفني آنذاك بأن كلفني بقراءة سيرته الذاتية في ذلك الحفل الذي تخلله كلمات من شيوخ وأساتذة أشادوا بالشيخ فاتح ، وأثنوا عليه ، منهم على ما أذكر شيخ القراء مصطفى قشقش - إن لم تخني الذاكرة في الأسم - وهذه الميزة التي يتمتع بها الدكتور الصديق تدل على الوفاء وذلك شيمته منذ عرفته ، وحبه لوطنه وإكرامه لعلماء بلاد ، وقبل أن تلفنا الأحداث كان بيته منتدى لأهل العلم والثقافة ، التقينا فيه كثيرا ، رغم أن بعضنا كان يتردد
سعدون السويح | 02/07/2017 على الساعة 15:09
تتمة٢
ومن أبيات هذه القصيدة الجميلة التي يستشهد بها النحاة: فكان مجني دون من كنت اتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر. وكان ابن عباس فيما يروى يستنشد عمر بن ابي ربعة هذه القصيدة ويستحسنها شكرًا أيها العزيز د صديق على هذه النفحات . ولعلني تأسيا بك اكتب شيئا عن المجالس الهونية وفاء لذكرى الشيخ عبد الله الهوني قبل ان يهن العظم مني. كل الحب
سعدون السويح | 02/07/2017 على الساعة 03:01
تتمة1
الشيخ فاتح على علمه وورعه إنسان رقيق الحاشية محب للأدب والشعر. وقد كنّا في الجلسات الخاصة التي تجمعنا بالأستاذ عبد الله الهوني وثلة من الأصدقاء نجعل للشعر نصيبا. وكان المرحوم الشيخ عبد الله يطلب مني إلقاء قصيدة عمر بن ابي ربيعة التي مطلعها. أمن ال نعم انت غاد ففمبكر غداة غد ام راءح فمهجر
سعدون السويح | 01/07/2017 على الساعة 18:47
نعم الضيف والمضيف
مرة اخرى يتحفنا د صديق بعذب حديثه . ضيف حلقته صديقنا وشيخنا الفاضل د فاتح زقلام علم من اعلام الفقه والنحو عرفته منذ الثمانينيّات عندما قدمني اليه صديقنا الراحل الاستاذ عبد الله الهوني. وقد سعدت مرارا بالجلوس الى مائدة علمه وفضله. عالم محقق وفقيه محدث في غير ما غلو او انغلاق. محب للشعر والأدب . جواد بعلمه وبما يملك. اساء فهمه بعض المتنطعين والسطحيين الذين فهموا من الدين قشوره. ولقد سمعت من ثقات اجلاء قولهم ان الشيخ فاتح اعلم المعاصرين بالفقه المالكي. جازاك الله خيرا اخانا د صديق عالما فاضلا وإنسانا نبيلا قل نظيره. وحقًّا نعم الضيف والمضيف
محمد علي احداش | 01/07/2017 على الساعة 18:19
جزاك الله خيرا
جزاك الله خيرا ، وأطال عمر الشيخ ومتعه بالعافية
م عبدو | 01/07/2017 على الساعة 00:35
ملء السنابل تنحني
هنئياً للدكتور فاتح بصحبتكم قلّ من يذكر محاسن الرجال ، ولكن كما قديماً قالوا:( لا يعرف قدر الرجال الا الرجال) لقد التمست من كلام د صديق وفاءً وحباً لم يعف عنهما الزمن ، فغبطتُ د فاتح على هذا الصديق الوفي الذي يحاول ألا يغفل عن أي معلومة تظهر قدر هذا العالم الجليل المتواضع بسمته وخلقه الذي طالما سمعت به من طلبة العلم،. بارك الله في عالمنا الفاصل الشيخ فاتح والذي ظل معدناً أصيلاً رغم عروض الدنيا وأسأل الله أن يرفع ذكر الدكتور الصديق كما رفع ذكر علماء هذا البلد الطيب :ليبيا.
عبد الحميد الهرامة | 30/06/2017 على الساعة 19:23
حدث ولا حرج
المتحدث هو الكاتب المميز الدكتور الصديق البشير نصر وهو يتميز بأسلوب رائع وذاكرة حاضرة متعه الله بدوام التوفيق. اما المتحدث عنه فحدث ولا حرج : فَقِيه وأصولي وباحث في العلوم العقلية من طراز نفيس. لن أزيد كثيرا عن ما وصفه به د. الصديق ولكني أضيف انني تشرفت للعمل معه في الإشراف على موسوعة معارف إسلامية التي نشرت منها كلية الدعوة المجلد الاول وتتوالى موادها في حوليتها فكانت مواد الموسوعة متنوعة الموضوعات فما قرأت عليه مادة في علم من العلوم الا كان على علم به ونقد لما كتب فيه وقد يحتاج الامر الى اعادة الصياغة او التنقيح. فَظهر منه ما يدل على موسوعية مميزة. حفظه الله ورعاه.
د. محمد فتح الله الزيادي | 30/06/2017 على الساعة 18:31
شكرا د. الصديق
لازال الدكتور الصديق نصر يثبت أنه بالاضافة الي علمه الغزير فهو وطني من الطراز الأول وهو من أبرز الأوفياء في هذا البلد لآنه حريص علي تعريف الأجيال بما تكتنزه ليبيا من قامات علمية كبيرة وهذا ما يدحض دوما ما يروجه البعض من أن ليبيا ليست أرض العلماء ، جزي الله الصديق العزيز د.الصديق خير الجزاء علي هذا العمل وأمد الله شيخنا الدكتور فاتح زقلام بالصحةوالعافية
حسن محمد الأمين | 29/06/2017 على الساعة 21:52
شكرا دكتور
وتتواصل المساهمات القيمة لأستاذنا الفاضل د. الصديق نصر... شكرا دكتور وكل عام وانتم بخير.
نورالدين خليفة النمر | 29/06/2017 على الساعة 14:55
ـ غضبة الحليم ـ 3
الدكتور الذي شقى وعانى للحصول على هذا اللقب العلمي يصير عند العوام "حاجّاً "على باب الله،والطالب المتخرّج بتزكية اللجان الثورية يصير هكذا"دكتوراً"لأنه المسجل العام ..عندما عدتُ من اغترابي في المانيا إلى ليبيا يناير 2012 لمحت يوما غريم أستاذنا د.فاتح زقلام المُسجل العام السابق لجامعة ناصر وهو يرفل في ثوب السعادة مغروراً وقد صار من زمان دكتوراً .لقد أحسن صُنعاً الأستاذ الفاضل د.فاتح زقلام بأن تداوى من اسقامه بالأعشاب وطّب النبوّة ..النبوّة الكريمة التي أنقدت بنورها البشرية من الجاهلية المظلمة التي نعود نحن الليبيون إليها من جديد .
نورالدين خليفة النمر | 29/06/2017 على الساعة 14:53
ـ غضبة الحليم ـ 2 والبقية
الذين يراجعون شئونهم الادارية،لآن التدريس ظل في مبنى جامعة الفاتح .جامعة ناصر مؤسسة لقبول طُلاب المنح من العرب والأمميين الآعاجم ونسبة محدودة مُختارة من الليبيين .إلا أن قرار وزير التعليم بإيقاف تنسيب طلبة ثانوية جدد لكلية التربية الموقوفة جعل الطُلاب وأولياء أمورهم يتدافعون لتأمين قبول أبناءهم في جامعة ناصر،زحام يوم الحشر كانت وجهته مكتب المُسجل العام،وفي الممرّ الضيّق كُنا نسير إلى مكاتبنا بمشقّة ذلك الزُحام الشديد ألجأ المُسجل أن يهرب من مكتبه هذا الأجراء الثوري كان ضحيته أستاذنا زقلام ..الأستاذ كان إلى جانب سجاياه التي أطنب الكاتب الصدّيق في ذكرها تأسيّاً بوزراء وموظفي عهد الأستقلال كان يرتدي البدلة الأفرنجية ويعتمر الطاقية الليبية..اليائسون المنتظرون المترددون على مكتب المسجل العام المقفل،لم يكن أمامهم إلا مباغتة رئيس قسم اللغة العربية المقابل وسؤال السيّد الجالس على الطاولة خلف لوحة الرئيس ومخاطبته "بالله ياحاج وين نلقوا الدكتور علي الشيخ"تصوّروا مدى صفاقة هذا الشعب !
نورالدين خليفة النمر | 29/06/2017 على الساعة 14:48
ـ غضبة الحليم ـ 1 من 2
مرة واحدة يحدثي أستاذنا الفاضل د.فاتح زقلام ونبرة صوته يشوبها إنفعالٌ مكتومٌ ، غاضبْ،وله في ذلك حقّ ..في عام 1987 أسس القيادي في حركة اللجان الثورية،ووزير التعليم الشهير أحمد إبراهيم جامعة ناصر الأُممية في طرابلس لتكون جامعته، المجموعة الثورية المعادية له في كلية التربية التي كانت تدين لنفوذ عبد السلام جلّود ظلّت عبئاً على صدره،فأستصدر قرار إلغاءها وتاريخها بجرّة قلم،وأسس في مبناها المعهدالعالي للعلوم الاجتماعية،فصار للاقسام الأخرى طريق واحد الأندراج في جامعة ناصر مُكرهين ،من بينها قسم اللغة العربية والدراسات الأدبية وقد قُلصت منه الاسلاميات والذي ترأسه وقتها أستاذنا المنوّه به في المقال،في مقرالجامعة الذي كان سابقاً كلية عسكرية ،إستحدث مبنىً مُصنّعاً لرؤساء الأقسام كان قسم اللغة العربية مجاور لقسم الفلسفة الذي اعمل به أستاذاً حديثاً ،وأمامنا مكتب المسجل العام للجامعة، وهذالمسجّل طالبٌ من الجنوب الليبي(ثوري)،تخرّج للتوّ 1989 من قسم الخدمة الأجتماعية كل غرفة في المبنى أمامها لوحة بهوّيتها،وفيها مكتب مقابل عليه لافتة "رئيس قسم"يجلس عليه وعلى يمينه طاولة بكرسيين يتبادل عليهما الأساتذة.>>
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع