مقالات

عبد الجليل آدم المنصوري

أميركا... والرّقصُ مع الشياطين

أرشيف الكاتب
2017/06/28 على الساعة 08:58

في ثمانينات القرن الماضي، درّبت أميركا عددا من المقاتلين الإسلاميين لمُحاربة قوات المد الشيوعي السوفيتية في أفغانستان، لتكون تلك التدريبات الأميركية السّرية ونظم تأشيرات الـ C I A اللذان يعودان لحقبة الحرب الباردة-هي الحجر الأساس في تشكيل ما عُرف بتنظيم القاعدة. وسمحت لهم أميركا فيما بعد، بالانتقال من البلقان إلى العراق وليبيا وسوريا، بتأشيرات سفر أميركية قانونية. ولكن انقلب السّحر على السّاحر، فسقط آلاف الجنود والمدنيين الأميركيين ضحيّة الحرب على الإرهاب، ودفع أولئك الذين لاقوا حتفهم في أحداث 11 سبتمبر الثمن الأغلى.

وفى تسعينات القرن الماضي، خرجت علينا السياسة الخارجية الأميركية بمُسمّيات صنّفت بها دول العالم إلى؛ دول راعية للإرهاب، وهذه مُشاغبة، وتلك مارقة، وأخرى تُجسّد محور الشر! وهي تصنيفات تحول دون بناء جسور علاقات طيبة مع دول العالم. وربّما صدق نعوم تشومسكى المُفكر الأميركي عندما قال (2014م)؛ إن أميركا وراء الوضع الكارثي في العراق بغزوها له قى 2003م، على أميركا أن تلتزم بالأعراف الحضارية والقانون الدولي في سياساتها الخارجية.

وقد يظن بعض الأميركيين أنهم يفهمون ماهيّة الحرب على الإرهاب؛ فباعتقادهم أنهم يحاربون مجموعة مُسلمين مُتشدّدين لا رحمة لهم ولا شفقة. وإن كان الأمر كذلك، فكيف تحصّلت هذه المجموعة على تدريب راقِ وحُضور على الساحة العالمية؟  وإن ادّعت أميركا وقوفها ضد الإرهاب! إلاّ أنها ترفض الاعتراف بالدور الذي قامت به في تأسيس ما بات يُعرف بالمُستنقع الدولي القاتل! مُتمثّلا في رابطة العرب الأفغان أو الإرهابيين، الذين جنّدتهم أميركا ودرّبتهم.  لقد قال غراهام فولير -أحد أبرز المُحلّلين الأميركيين-؛ أعتقد أن اميركا هي أحد الصانعين الرئيسيين لـ "داعش"، وإن كانت لم تُخطّط له أساساَ، ولكن تدخّلاتها المُدمّرة في الشرق الأوسط وحربها على العراق، كانا السّببين الرئيسيين لميلاد "داعش".

لقد استخفّ الرئيس التونسي السيد السّبْسي يوما، بالشرعية والسيادة الليبية، عندما غازل حكومة فاقدة للشرعية في طرابلس الغرب، مُتحجّجاَ أنّه يجتمع حتى مع الشيطان لمصلحة بلاده، ولم يُدرك سعادته أن أمن بلاده لا يزال هشّاَ، وأنّ الرّقص مع الشيطان لمصلحة البلاد لم يُفد حتى أقوى دولة في العالم. لقد بيّن مايكل روبن M. Rubin في كتابه (الرقص مع الشيطان 2014م Dancing with the Devil) مدى إخفاقات الدبلوماسية الأميركية تجاه الأنظمة المارقة، التي تتجاهل قواعد الدبلوماسية الدولية ومعايير السلوك المقبولة وقتما وحيثما كان، إنها أنظمة تُفكّر كالذئب المُنفرد؛ لا تلتزم بالعهود والمواثيق الدولية، حتى وإن جاء على حساب التحالف مع مليشيات إرهابية متطرّفة!

وها هي تظهر علينا أميركا اليوم، بتصرفات مع دولة قطر؛ تُفيد تزويدها بطائرات أميركية، والقيام بمناورات عسكرية معها! - حتى وإن قيل إنها التزامات وتعاقدات سابقة، كان بالإمكان تأخيرها وتأجيلها - فإن هكذا تصرّفات تبدو وكأنها تُهوّن من شأن دولة داعمة للعنف وجماعاته. أليست قطر التي سمحت لتنظيم القاعدة -تحت ستار حركة طالبان-بفتح مكتب تمثيل له بالدوحة، لتجعله يعمل تحت سلطتها، لتضييق الخناق على الفكر الوهابي بالجزيرة، وتحديدا السعودية؟ وليس خافيا ما فعلته مليشيات حزب الله المرتزقة المدعُومة من قطر وإيران؛ بلبنان دولة ورمُوزا، ومن قتل في سوريا دون شرع أو مشروعية. ولن يحْظى العراق بالسّكينة في وقت تستعين فيه بغداد بما تُسمّيه "الحَشْد الشعبي"، الذين هم مُجرّد شراذم من القتلة الشيعة المُتجوّلين؛ مدعومون من إيران، ودعمتهم أخيرا قطر بحوالي نصف مليار دولار، بحجّة الإفراج عن مواطنيها المُحتجزين.

أمّا ليبيا التي عاشت المُرّ مع القذافي، ها هي اليوم تتجرّع الحنظل من جرّاء مُحاولة اختطاف الوطن من قبل جماعات مُتطرّفة مُسلّحة-تلقّت دعما دسماَ من دولة قطر وتركيا وحتى السودان-جماعات تضم بين عناصرها أفرادا ليسوا ليبيين، حوّلت مُدن الوطن وأحياءه إلى ساحات اقتتال وفرقة. وفى تسريبات لتحقيقات الـ FBI مع أبو أنس الليبي، اعترف أن عبد الحكيم بالحاج - بدعم من قطر- يقوم بتأسيس جيش إسلامي سرّي داخل ليبيا، ليكون بديلا عن الجيش الرسمي، وكذلك الحال للأمن. وهدف قطر من وراء ذلك سيطرتها على ليبيا، ليكون الغرب بحاجة لدورها، كلما استُهدفت مصالح غربية في ليبيا.  

لتعلم أميركا؛ أن لا مجال للتعايش مع من يُصدّر العُنف أو يدعمُه، ويُرهب الآمنين لفرْض سلوكه ونظرته للحياة، وأن الإرهاب حين يُفاوض فلغته التي يُجيد مفرداتها؛ السلاح والغدْر والتربّص. ويُخبرنا التاريخ، أن الاستقرار هو أول ثمن يدفعه من يُوظّف جماعات الإرهاب ضمن أدواته السياسية، وخير مثال ما حصل في مصر في سبعينات القرن الماضي في عهد الرئيس السادات، الذي أخرج متطرفي الجماعات الاسلامية من السجون وصالحهم، فكانت النتيجة أن أشعلوا الفتنة في الاحياء، وختموا مشروعهم بقتل السادات نفسه يوم احتفاله بالنصر في حرب رمضان المبارك. وذات الحال في اليمن، فحين فشل رئيسها على صالح في تنمية البلاد، شرع في استزراع الفرق والجماعات وتشجيع تكوينها وغضّ الطرف عن تجاوزاتها، وكانت النتيجة أن احتلّت مليشيات القاعدة محافظات يمنية بأكملها، ثم امتدّت مليشيات الحوثيين كالنار في الهشيم حتى ابتلعوا اليمن.

على أميركا أن تُدرك أنّ من يتحالف مع دولة مارقة، كمن يُمارس لُعبة ترويض الأفاعي أو الرّقص معها، وهو تصرّف مآله الخُسْران، فالأفاعي ستنهش يوما كل من حوْلها بلا رحمة، وكذا المليشيات المدعومة من دول مارقة، سوف لن تتردّد لحظة في تغيير فُوّهات بنادقها تِبْعاَ لمن يدفع لها الثمن أكثر. لقد أشار السيد روبين-الباحث في معهد أميركان إنتربرايز-إلى مثالب التورّط الأميركي مع الأنظمة والجماعات المارقة، حيث استعرض تفاصيل إخفاقات الدبلوماسية الأميركية قى كتابه المشار إليه أعلاه، ورأى أنها أضعفت احتمالات تحقيق السلام العالمي، وعزّزت من المواقف العدائية تجاه أميركا.

وعلى الرغم من أن العمل السياسي-في جميع الدول-له أصوله ومدارسه وجماعته الضاغطة، لا بل تؤثّر فيه عوامل محلية وأخرى إقليمية، إلاّ أن هناك من يرى أن العمل السياسي الأميركي يمر بمرحلة أشبه بالضّياع، وربّما مسّه الخراب بيد السّاسة أنفسهم! فالسياسة التي تُمارس اليوم في أميركا، يكاد يكون هدفها الأساس تقطيع الروابط والعلاقات بين الدول. علما بأنّ هناك من يقول إن القادم على الاقتصاد الأميركي أسوأ، فالمستثمر الأسطورة السيد جم روجرز Jim Rogers الذي تنبأ بالأزمة العالمية 2008م، وقال لـ CNBC انه سيترك السوق في 2007م، يوم رأى أن أسعار السلع وصلت لأرقام غير معقولة، ها هو اليوم يقول: أن سوق المال الأمريكي مُقبل على خسائر غير مسبوقة، في عامنا هذا أو العام التالي. Jim Rogers: The worst crash in our lifetime is coming

وبما أن السياسة الخارجية-في أي بلد-تمثل بالدرجة الأولى انعكاسا للسياسة الداخلية، فإن الانقسام الثقافي والعقائدي بين الحزبين السياسيين الرئيسيين في أميركا، كفيل بأن يعكس نفسه في علاقات أميركا الدولية وأنشطتها في هذا الجزء من العالم أو ذاك-اللهم اتفاقهما في الموقف إزاء إسرائيل-والأحداث التي شهدتها أرض العراق-ولا تزال-لخير دليل على ذلك التباين، إلى حد الارتباك في منطلقات السياسة الخارجية الأميركية ومساراتها. وربّما يظل أخطر ما يُهدّد مسيرة أميركا في العالم، هو غرور القوة!

لقد ناقش الكاتب والباحث السوداني د. عمرو محجوب (2014م)، قضايا مجتمعية وسياسية جوهرية في كتابه: "الرؤية السودانية"، واستنبط أن فكر التيّار الديني المتشدّد؛ إقصائي لا يقبل الآخر، ويحتاج إلى إعادة التفكير في مسألة الاختلاف الفكري السياسي والامتثال للدستور. لذا، فهو تيّار لا يناسب عملية الإصلاح المنشودة في المجتمعات العربية. وفى المقابل، نُلاحظ أن أميركا غير مُكترثة بالأخطاء الجسيمة التي سيجرّها الحراك العربي، عندما حاولت استبدال الاستبداد السياسي بالإسلام السياسي في الوطن العربي. فأي ديموقراطية هذه التي تُبنى على الجماجم؛ في العراق وسوريا وليبيا واليمن؟ إن أميركا لا يمكنها التهرّب من الآثار الكارثية لأفعالها الرّامية لتمكين الإسلام السياسي، أفعال أدّت إلى إحداث نوع من الفوضى "الخنّاقة" وانتشارها في أجزاء من العالم العربي، أفعال أميركية أقلّ ما يُقال عنها، أنها تنمّ عن تصرّفات رُعاة البقر Cowboys أو الرقص مع الشياطين.

ا. د. عيد الجليل آدم المنصوري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 28/06/2017 على الساعة 22:58
لا تكن كثالوكياً اكثر من البابا، امريكا تعرف أين تقع مصالحها وكيفية المحافظة عليها...؟
عادة سياسة الإمبراطوريات الكونية ما تميل الى المحافظة وإدارة الأزمات بما لا يغير كثيراً او يخرج عن القدرة لإدارته. الوساءل المستخدمة ليست بالضرورة ما يسمى بالشرعية او حسب "الاعراف الدولية" لان الامبراطورية هي التي تَخَلَّق الاعراف والشرعية حسب متطلبات مصالحها اللحظية. المشكلة تركن في الدويلات الضحية وصراخهم الا- متناهي في تذكير الامبراطورية بما يجب ان يكون. هذه الدويلات ليست لم تحصل بعد او تؤطر شرعية لوجودها لانها لم تعرف نفسها عندما بداءت وأم تنجح في غرس مفاهيم وروح المواطنة عند سكانها حتى يدافعوا عن تلك المبادئ التي من اجلها يعيشون! وبالتالي تأتي مكونة من شتات وجمعان اشبه بالقطعان لا تربطهم اي علاقات عدى علاقات السلطة والقوة للمحافظة عليها. فقبل نقذ الآخرين ومحاولة تذكيرهم بمصالحهم، يجب ان نذكر أنفسنا بما هي المعايير التي تجمعنا وكيف نذكر اولءك الذين ضلوا الطريق ان يرجعوا لما اتفقنا عليه؟ أقلية القطيع والقبيلة والطوائف وما شابه ذلك لم تعد بامكانها ان تبني دولة ولا تسبيبرها نحو الاحسن! حان الوقت لبناء دولة حديثة. شكراً. غومة
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع