مقالات

صلاح علي انقاب

ليبيا بين مطرقة الدولة الثوريّة وسندان الدولة الدينيّة

أرشيف الكاتب
2017/06/28 على الساعة 09:00

(1)

من رحم الثورة يولد نقيضها، هذه مشكلةٌ ننطلق عبرها ناحية الوصول إلى الحل، يقول باولوفرايري في كتاب تعليم المقهورين: [... عن نزعة بعض القاهرين في هجر طبقتهم القهريّة والإنحياز الى طبقة المقهورين حيث ينتقلون من النقيض الى النقيض، فإمثال هؤلاء يلعبون دوراً خطيراً، إذ أنّهم يحملون أدوات طبقتهم الأولى التي تتمثّل في الكراهية والتحيّز وعدم الثّقة في قدرات الآخرين] وهذه مشكلةٌ أخرى تبحث أيضاً عن حل، وقبل البحث عن حلول لهذه المشكلات، نبدأ الحديث عن الدولة الدينيّة، والتي هي في واقع الأمر دولة [فقه] لا أكثر ولا أقل، الفقه ظاهرة مؤقّتة تعكس القوّة لا غير، هكذا يخبرنا التاريخ والواقع أيضاً، وعلى صعيدٍ آخر فإنّ الكرم الزائف الذي يهب عبره الثوّار للناس حريّاتٍ طارئةٍ تجعلهم مملوكين لهؤلاء الثوار، من ينصّبون أنفسهم ملاكاً للحق مانحين إيّاه، كل هذا يمر عبر عناصر ثقافة الصمت والخوف من الحريّة التي كرّس لها الإستبداد الثوري  الديني أيضاً، لا نقصد الثورة أوالدين هنا، بل نقصد الثوّار من يستغلّون الثورة، ورجال الدين من يستغلون الدين في الأمس واليوم أيضاً، أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحوّل الثوّار الى رجعيّين ويتحول الفقهاء الى أرباب، حينها يضيع المواطن ويضيع الوطن وفي نهاية المطاف يضيع الإنسان أيضاً، والذي يفقد القدرة على ممارسة الوجود البشري كاملاً والمتمثّل في الحق في الكلام، التعبير، التصرف، التنقّل والكسب، فتتحوّل رحلة التحرّر في الإتجاه الخاطئ  يصبح الثائر مجرد جزءٍ من اللعبة، يلعب دوره  كطرفٍ في عملية القهر التي تتكرّر لكن بألوان أخرى جديدة، برّاقةٍ أحايين كثيرة .

لا أحد يستطيع أن ينكر أن [الفقه] شيءٌ و[الدين] شيءٌ آخر، الفقه أوجدته المبرّرات والدين على جانبٍ آخر بعيدٌ كل البعد عن كلّ الرغبات، ولا أحد يستطيع أن ينكر عجز [الثوّار]  دائماً في صناعة [الدولة] في حال لم ينزع هؤلاء عنهم حلّتهم ويتجهوا ناحية عقلنة هذه الثورة وأنسنتها، ببساطة لأنّه وفي كل من الحالتين تضيع الحسابات بين [الذاتي] و[الموضوعي] بالنسبة لهؤلاء وأؤلائك، فالفقه ينظر لنفسه هوفقط من يمتلك الحقيقة المطلقة، [المتصوّفة]  في ليبيا يجابهون حرباً مسلّحةً ضد [الحنابلة]، و[الإباضية] يعانون من إجحاف وإقصاء بل وأنكار [المالكيّة]، الأول [قبوري]، يتسلّح في مجابهة من يناصبه العداء [المشبّه]، والآخران [قدريٌّ] يجابه [مرجئأً]، هكذا يقول كلٌّ عن الآخر، وفي نهاية المطاف تسود علاقةٌ يسودها [العنف] ليتغيّر فقط شكل الطبقة المهيمنة على الدولة، لكن قبل كل هذا نسأل ما هي الدولة ؟، وهل هنالك [دولةٌ دينيّة] أو[دولةٌ ثوريّةٌ]  يمكن أن تنشأ في خدمة الإنسان أولأجل تقديم أدنى مستويات الحريّة والتحرّر حتّى، عبر النماذج الموجودة في العالم اليوم والبارحة أيضاً ؟

الدولة هي الشكل الموضوعي للمواطن، معطى بديهي للمواطنة، إذ أن الدولة كظاهرة إنسانيّة عامّة تعني تجسيد السلطة عبر محاور الهدف من تكوينها، وسائل عملها، وظيفتها لمن يعيش تحت ظلّها، وعلى جانبٍ آخر فإن الدين مرتبطٌ بالدرجة الأولى بالوجدان الفردي، هذا الوعي لا يدخل في إطار المرئيّات أوالحياة الدنيا إلا عبر نظام [الأخلاق]، الدولة غير ممكنة في نظامٍ ينفصل فيه الفرد عن الحياة الدنيا حيث تتجسّد سلطة الدولة، داخل الوعي الديني الذي يهيأ الفرد لحياة السعادة في الحياة الآخرة، الدولة عندما تتبنّى الدين فإنّها تلغي الدّين أصلاً كونها لا تستطيع بل لا يمكنها أن تتضمّن أي قيمةٍ أعلى من قيمة الحياة الدنيا، إذ أن الماديّات تنكمش في الخطاب الديني، خلاف مبرّرات تكوين الدولة التي تقوم في الأساس لتلبية رغبات الإنسان [الحيوانيّة]، فتحجب الدولة غايتها خلف الدين، ويختفي الدين خلف غايات الدولة، التسلّط، إحتكار الثروة، إدخال المواطن في لعبة [التجنيد] بدلاً عن [التنشئة] ، فتفقد الدولة مواطنيها داخل فوضى الأدوار المبعثرة في منظومة فقدان هذه الأدوار في الخطاب اللا ورائي، ويفقد المواطنين دولتهم داخل خطاب اللاهوت الغير مبالي بالحياة الدنيا أصلاً، الأمر بهذه البساطة .

الدولة غير مقيّدةٍ بنظريّة الأخلاق، السلوك الفردي الذي ينظمّه الدين شيء، والسلوك الجماعي الذي يحدّده القانون بناءً على مصالح هذه الدولة شيءٌ آخر، والعلاقة بين الإثنين لا تتعدّى دور وسيلة الأولى/الدولة [تبليغ] الثانية/الدين، واحتكار التبليغ بتحديد نوع الشريعة في اتّجاهٍ واحدٍ يلغي الدين عن طريق الدولة عندما تتبنّى الدولة شريعةً بعينها أومذهباً بعينه، وهوأمرٌ حتميٌّ في حالة الإسلام الذي تفرّق فيه الفقهاء في فهم النّص القرآني عبر أربعة منابر كبرى 1: المعتزلة، 2: الأشاعرة، 3: المتصوّفة و4: الماتريدية، وتفرّق فيه الفقه في تدوين سنّة الرسول عبر أربع تيّارات أخرى موازيةٍ والأولى: الإباضيّة / أهل السنّة والجماعة، 2: الشيعة /الجعفريّة، 3: السنّة/ الشافعيّة/المالكيّة/الأحناف/الحنابلة و4: الشيعة /الزيديّة، وفي حالتنا اللّيبيّة تتشعّب هذه المنابر داخل وعي المواطن الذي نشأ داخل منظومة تجهيلٍ ممنهجٍ، أدّت به في نهاية المطاف الى تقديس الجهل، أوكما يسمّيه أركون: [... الجهل المقدّس]، حيث المعرفة محصورةٌ في المعلوم من الأشياء والمتاح من المعلومات عبر تكريس [دكتاتوريّة الأغلبيّة]، ليختلط الحابل بالنابل، في علاقة الشراكة المستمرة بين الإنسان والشريعة الدينيّة والتي أوقف استمرارها الفقه بإقفال الباب أمام العقل لجديد الإستدلال خارج المنابر المتشابكة أعلاه، هذه الشراكة التي تنطلق نحوالإنسان مباشرةً، في تحدّي مستمرٍ للمسير نحو الخوض في تجربة [الإستدلال] من الأصل [القرآن] أو[الشريعة] وصولاً الى الفرع [الفقه] أو[الشرع]، عبر تتبّع البرهان والدليل، حيث العقل الخالص والحياة بمعنى [نقطة اليقظة]، تمنع التصادم الذي يعلنه الفقه بين [الواجب الإجتماعي] و[الإرادة الحرة المنفردة]، حيث ينحاز الفقه دائماً ناحية السلطة بتقديم [المبرّرات] المعلّلة لقيود [التسلّط] لا غير، تلك التي تبيح [إرادة القوّة] المتسلّطة للجماعة، على [قوّة الإرادة] الفرديّة، الفقه ليس سوى قانونٍ صاغه المجتمع في مرحلةٍ مرّ بها، تلغى فاعليّته بمرور المرحلة التي واكبت صياغته، وعلى جانبٍ آخر فإن غايات الإنسان من الدولة لا تصل الى مستوى إدخاله الجنّة أو إخراجه من النار، بل أن دور الدولة [تنظيميّ] لا غير لأجل تنظيم العلاقات، تشجيع الكسب، حماية المواطن، السعي للرفاهيّة والسعادة، وخلاف هذه الأهداف لا توجد سوى دولة الإستبداد حيث يرسّخ النظام الحاكم لتكريس سطوة الخرافة والأسطورة على المنطق العقلي تحت ستار الدين، من أجل كبح جماح المواطن في المطالبة بتطبيق الدولة لدورها،   تركه وشانه يسعى لتطبيق دوره داخل منظومة الأخلاق خارج وصاية أيٍّ كان، ليكون الدين حرّاً، والإنسان تبعاً لذلك مواطناً لا غير لا تسيطر عليه أسطورة الشر والخير الخاضعة للمبرّرات النفعيّة الغير أخلاقيّةٍ أصلاً .

الأخلاق مسؤوليّة الفرد، والدولة نظريّةٍ يتم تطبيقها فقط خارج الأخلاق، فالتناقض الطبيعي بين الفرد في المجتمع من على جانبٍ والفرد في الدولة على جانبٍ آخر أمر لا بد منه لأجل نمو الأخيرة، حيث لا تعني علاقات الأفراد البينيّة شيئاً داخل منظومة الدولة، وإلا ستصبح الدولة فاسدةً تعمل فقط لمصلحة الفرد لا لمصلحة الجماعة، حيث فسادها لا شأن له وفساد الفرد، بل العكس هو الصحيح حيث أن الفرد الصالح في المجتمع والمقبول داخل إطار مصالح جماعته هو الفاسد في تركيبة الدولة، الدولة الشريرة انعكاسٌ لرغبات الفرد المبنيّة على مصالحه الخاصّة التي تعمل لأجل خدمة جزءٍ من المجتمع ينتمي له: العائلة/القبيلة/الطائفة، فيكون الوضع الطبيعي أن تنطلق الثورة للقضاء على الدولة الفاسدة، لكن هذه الثورة لا تقضى في غالب الأحيان على الإنسان الفاسد، بل تقوم فقط بإبدال دولةٍ بدولةٍ أخرى، هنا ينصرف الثوّار ناحية اتّجاهين، الأول تكرار ما هوكائنٌ وقاموا بإزالته، الإستبداد والتعسّف في اتّجاه الفوضى، أو الإتّجاه الآخر بتكريس الوعي، نشر المعرفة، تحقيق إنسانيّة الإنسان ليمارس وجوده البشري كاملاً بعد أن يتحرّر من ظلم الدولة الفاسدة المنهارة، والبين شاسعٌ بين الطريقين، إذ ليس إعلان استمرار الثوّار في لعب دورٍ في الدولة الجديدة، ليس سوى كرماً زائفاً، وحرصاً مشوباً بالشكوك على سلامة ثورتهم، حيث أن [موضوع] الثورة هو تحرير الفرد وإعادة بناء الدولة، بينما [الذات] عند الثائر حاضرةٌ لا يمكن فصلها عن الموضوع، فيسير هذا التدّاخل بالثورة نحو إعادة سيرة الدولة الفاشلة، بصورةٍ أكثر سوأً ليصبح التغيّير كاذباً ما أن أعلنت الدولة أنّها ثوريّة لا ترضخ لقوانين التغيّير التي أعلنتها هي نفسها، هنا يجب ان يترفّع الثوّار بمستواهم فوق مستوى الثورة نفسها لأجل تحقيق الحريّة الدائمة داخل بوثقة النقد، والنظر الموضوعي لمسألة بناء الدولة حتّى لا تضيع الحقيقة داخل الإنكار، ولا يخسر الثوّار دولتهم داخل الثورة نفسها، تحرير الدولة هوتحريرٌ للناس لا تحرير الأشياء والفرق شاسعٌ بينهما .

إن فصل الدين عن الدولة فكرةٌ خاطئةٌ، لأن سمو الدين عن الدولة أمرٌ غير ممكنٍ مادامت الدولة مكوّنةٌ من أفراد يدينون بهذا الدين، لكن فصل سلطة الدين عن سلطة الدولة هو الأمر الطبيعي والممكن بل هو الأمر الضروري لأجل بقاء الدولة وسعي الفرد على بقائها أيضاً، وفي حالة ليبيا فإن غاية الإسلام الذي يدين به السواد الأعظم من اللّيبيّين بالدرجة الأولى هي الفصل بين سلطة [الدين/الشريعة]، والأشخاص الذين يمثّلونها [الكهنوت/المرجعيّات]، فليس الرجال علامةٌ على الحق، بل الحق علامةٌ على الرجال كما يقول النّص نفسه: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران 79]، وكما يقول هيغل: [... إن أي دولةٍ تجهل حريّة الوجدان هي دولةٌ ناقصةٌ]، لكن هذا لا يفتح الباب أمام الدولة لتغليب مذهبٍ رافقته الظروف فقط لا غير ليفرض سطوته وأكثريّته بحكم هذه الظروف المتغيّرة أحايين كثيرةٍ حيث تفرض الدولة بناء على تحيّزها هذا قيوداً على الذات والفرد الذي هو مكوّنها الأساسي، يقول إفلاطون: [... الدولة التي تجهل الذات ناقصة]، فبقاء الدّولة مبنيٌّ على بقاء التعدّد والتنوّع فيها عبر كل الأصعدة، نموّها منوطٌ بمساحات الآخر المتاحة داخلها، الفرد هو[أساس] وجود المجتمع، والمجتمع هو[حجّة] وجود الدولة، وفي دائرةٍ مغلقة الدولة هي [دليل] وجود الفرد أيضاً، أما الدائرة المفتوحة التي لا تنتهي أبداً يكون فيها [الدين]، [الدولة] و[الثورة] عناصر متضادّة لا تلتقي إلا لاجل إلغاء بعضها البعض، أعلان النيّة في بناء الدولة الثورية أوالدولة الدينية في واقع الأمر إعلانٌ عن إنتحارٍ الدولة في الأساس، فالدولة لا علاقة لها بمصالح الأفراد، ولا علاقة لها بطريقة عبادتهم لله، ولا شأن لها والمجتمع المدني  الذي يمارس دور الرقيب عليها، الضابط لسلوكيّاتها الموجّه للأفراد ناحية نقاط انحرافها عن دورها، بل هي فقط تحتضن هؤلاء جميعاً لتحقيق السعادة، الرخاء والأمن بطريقةٍ عادلةٍ بين جميع الأفراد الذين يصبحون تبعاً لهذه الرعاية [مواطنين] على درجةٍ واحدةٍ من المساواة، كل هذا داخل وحدة القانون الذي يسيّر الدولة متّصلا بواقعها ومكوّناتها من الداخل، خارج التاريخ الذي يقيّد الدولة كما يقيّدها الدّين/المذهب، وتقيّدها أيضاً الثورة التي لا بد أن تختفي شعاراتها ما أن يبدأ الأفراد الفعّالون في رحلة بناء الدولة الفعّالة التي لها السيادة والإرادة المستقلّتين عن أرادة الأفراد الذين تكلّفهم الدولة بناءً على [الكفاءة] لا بناء على [الولاء] للدّين/المذهب أو الثوّار/المنتصرون فليس هؤلاء مهيّئين لتأدية وظائف الدولة فقط لأنهم ينتمون لأصحاب [الشوكة]، بل لأنهم الأقدر على تأدية هذه الوظائف، إذ يجب أن يختفي النفوذ داخل سطوة الدولة، وتتوزّع الأدوار من أجل بنائها مستقلّة عن سطوة الفقه أوالثوّار الذين يجب أن يعودوا الى مكانهم الطبيعي كأفراد يشكّلون عنصراً لا بد منه من عناصر تكوين الدّولة، لا دولةً دينيّةً وأخرى ثوريّةً تحت غطاء دولة [التكنوقراط/تسيير الأعمال] التي تشكّل فقط الواجهة الإعلامية حسنة المنظر، لما ورائها من استبدادٍ وقهرٍ يكرّر القصّة ويعيد سردها مرّة أخرى من البداية ربّما ليعيد الثوّار والفقهاء كتابة التاريخ مكرّرين إيّاه فقط بألوان أخرى زاهية .

(2)

قبل المسير نحو البحث عن الحلول الممكنة، أوتلك المستعصيّة، فلننطلق مرّة أخرى نحو إعادة فهمٍ لما نعرفه وما لا نعرفه عن [الدولة]، الدولة ليست حقيقة تاريخيّةً أوعلامة أثنولوجيّة يمكن أن نميزّ عبرها الفرد عن الآخر كحقيقةٍ إثنوغرافيّةٍ، الدولة هي [هيكلٌ] و[سلطانٌ]، والرابط بينهما [جماعةٌ] تقوم بدور تمثيل سلطة السلطان عبر هذا الهيكل الذي يحتوي سكّان الوطن داخله، هؤلاء هم [المواطنون]، وهؤلاء [مواطنون] أصحاب حقوقٍ بالدرجة الأولى، والجماعة التي تدير الدولة إمّا موظّفون، عسكر، جُباة أو قضاة، أوكل هؤلاء مجتمعين، يجسّدون الحقوق المكتسبة للمواطن عبر [إدارة] هذه الدولة التي يحدّد شكلها [السلطان]، هذا السلطان قد يكون الدستور أوالدكتاتور، وفي الحالة الأخيرة يتحوّل السلطان الى متسلّطٍ على المواطنين، خلاف الحالة الأولى التي يحمي فيها السلطان المواطنين من هذا التسلّط الممكن دائماً، هنا يكون الدستور هوشكل العقد الإجتماعي بين الحاكم والمحكومين عبر هيكل الدولة الذي تملأه جماعةٌ خلال أجهزة الدولة ومؤسّساتها المتداخلة، المشعبّة وشديدة التعقيد، لكن قبل الدخول في تعقيدات شكل هذه الدولة، دستورها، شكل مواطنيها وصلاحيّات جماعة الهيكل التنظيمي للدولة، نسأل كيف يمكن أن تكون الدولة دون أن تكون دولة الأقوياء فقط؟.

الدّولة ميزتها [العقل] يقول هيغل بإلحاحٍ، هذه القاعدة تنفي عنها الدين والثورة أيضاً، الدولة الدينيّة دولةٌ غير عاقلة لانّها لا يمكن إلا أن تكون دولة مذهبٍ انتهى دور العقل فيه منذ انتهى تأسيسه وبناء هرمه الفقهي، والدولة الثوريّة دولة غير عاقلة لأن الثّورة أساس حدوثها عدم التعقّل وحساب التبّعات التي ستنتج جرّاء الخروج على طاعة الحاكم الظالم، فلو كان للثورة عقلٌ لما كانت الثورة أصلاً، لا لأن الدين منافٍ للعقل أو لأن الثورة يقوم بها الثوّار الغير عاقلون، بل لأن المشكلة أن الثوار ورجال الدين هم من يغيب عنهم العقل عند محاولتهم لعب دورٍ في نباء الدولة، بسبب تغليبهم كونهم أصحاب [الغلبة/المنتصرون]، أو أصحاب [المعرفة الخفيّة/اللاهوت] التي تتسلّط على المغلوب على أمرهم ومن لا يملكون هذه السطوة أو المعرفة الخفيّة/ اللاهوت، فالثوّار دائماً يحملون معهم شيئاً من تركة الإستبداد، نفس الشيء عند رجال الدين الذين يحملون معهم دائماً جذور استبدادٍ يتّسم أولاً بإنكار [الآخر] النظير، وثانيّاً إنكار حق المعرفة لدي [الأتباع] والسؤال حين بروز الشكّ، الثورة لا تستطيع منذ أيام نابلوين بل وحتّى قبلها، لا تستطيع أن تقضي على تبعات الحكم السابق كاملةً، فالثورة التي تبدأ بمعركةٍ يجب أن تنتهي بحربٍ، المعركة هي التي يموت فيها الثوّار، والحرب هي التي يولد عبرها المجتمع دون ميزٍ عرقيٍّ، جنسيٍّ، جغرافيٍّ، طبقيٍّ او مذهبيٍّ، لتكون الدولة في نهاية المطاف هي [غنيمة] الحرب التي يقودها المواطنون لا الثوّار في طريقهم المحفوف بالمخاطر عبر طريق الإدارة البيروقارطيّة، التي يسير بموازاتها دائماً [الثيوقراط/الإستبداد الديني] و[الأوثوقراط/الإستبداد السياسي] يهدّدون إكتساح الدولة لأجل الإستحواذ على الغنيمة الوحيدة، الدولة.

الدولة كقيمةٍ من قيم الحياة الحقيقيّة، العالم الحقيقيّ بلغةٍ أكثر وضوحاً، لا تحوي داخلها المجهول، القوانين والعقوبات لحظيّة وآنيّة لتنتج فاعليّتها ودوامها، وتبعات الأفعال التي يقوم بها المواطن، الموظّف في أدنى سلم تكوين نظام الدول وصولاً الى قمّة الهرم المسطّح في حالة الدولة الديموقراطيّة والعمودي في حالة الدولة الديكتاتوريّة، تبعات هذه الأفعال توصل الى نتائج داخل العالم الحقيقي لا خارجه، الثواب والعقاب الأخروي شيء، والثواب والعقاب الدنيوي شيءٌ آخر، الأول في يد الله وفي علم الغيب أيضاً، أمّا الآخر فإنه في يد وسائل الدولة عبر معاييرها، قوانينها وتشريعاتها الخاصة، والتي تخضع لظروفٍ وحيثيّاتٍ متغيّرةٍ بعينها، تناقض [الخطيئة] و[الثوبة] والذي يكفل الدين وجودهما جنباً الى جنب، لا يمكن للدولة أن تسمح بوجودهما محكومين فقط بالنيّة المبيّتة للإنسان، بل يوجد فقط [الجريمة] و[العقاب]، حيث [القانون] منظّمٌ للعلاقات، لا [الضمير] أو[ذروة الإيمان]، هنا لا مكان للدين جوار الدولة، فوقها أوتحتها، الدين للمواطنين فقط لا غير يدينون به، امّا الدولة فهي بطبعها وحقيقتها لائكيّة كونها ليست كائناً حيّاً في الأساس، وفي سياقٍ آخر فإن تكامل منظومة [الثواب] و[العقاب] لا تتّفق أيضاً مع جبروت [الثوّار] من يُعلنون أنفسهم مصدراً للحق، معلنين إياه، ينشأ عبرهم الحكم وخلالهم يتم التنفيذ، فتضيع الدولة في فوضى الثورة لأن الثوّار لا يقبلون أن يقفوا جنباً الى جنب ومن ثاروا عليهم أومن يعتقدون أنّهم في صفّ من أطاحوا بهم، حتّى لوكانوا ارتكبوا أسوأ مما أرتكب في حقّهم في اتّجاه المغلوب، هنا تضيع العدالة في ضوضاء الدولة الثوريّة، ويعاد تكرار مسلسل الإستبداد مرّةً أخرى رغم أنف الجميع، فكيف يمكن الفرار بالدولة في ليبيا من براثن الدين/الفقه أو[التسلّط الفقهي] بعبارةٍ أصح، من تهيّأت له الظروف ليفرض نفسه بأريحيّةٍ عبر لا وعي الليبيّين من تم تسطيح فهمهم للدين؟، وكيف يمكن أن تنتج الدولة الليبيّة الديمقراطيّة بعيداً عن [الحشد الثوري]، في بلدٍ كل من يحمل سلاحاً يعتقد أنّه يمتلك الحق ويستحق أن يكون المرجعيّة في بنيان الدولة غير مكتملة النموأصلاً؟.

الدستور باختصارٍ هو: [... كتابٌ يحوي موجز القوانين الواجب تطبيقها على كل المواطنين دون ميزٍ جغرافيٍّ، إثني، لغوي، ثقافيّ، جنسيٍّ أومذهبيٍّ، يهدف الى عقلنة الدولة وتنظيم العلاقات بين المواطنين]، الدستور يهدف الى بناء الدولة المؤسّساتيّة التي يكون فيها [الموظّف] فرداً منسلخاً عن محيطه الإجتماعيّ، العائلي والحرفي، كجزءٍ من طبقة [البيروقراط/مجال الإدارة] ليحمي الدولة من الإنحطاط أولاً، وليضمن حقوق المواطن بناءً على كونه مواطناً لا غير ثانياً، بحيث يتم تحويل العمل الفردي للموظّف، الى عملٍ جماعيٍ لا يهم فيه الفرد بقدر أهميّة النظام الفعّال، فالفرد الموظّف لا يهم كونه أبيضٌ أو أسود، رجلٌ أوإمرأة، مالكيٌّ أوإباضيٌّ، شريفاً أو عاميّاً، صاحب رأيٍّ أولا رأي له بقدر ما يهم كفاءته في تأدية وظيفته، لتكون [الدولة البيروقراطيّة] الغير مبرّرة بأيديولوجيا أو مشروعٍ شوفينيٍّ يحدد الأهداف البعيدة ويتجاهل المواطن وهمومه الآنيّة، حيث الأحداث الصادرة خارج الوطن تدفع الوطن حيث لا يريد دائماً، الدولة البيروقراطيّة هي دولةٌ يباح فيها 1: التفكير، 2: التعبير، 3: العمل لجميع الأفراد/المواطنين داخل حدود القانون، حيث المجال مفتوحٌ أمام 1: الفرديّة، 2: الإبداع، 3: والإعقال للوصول في نهاية المطاف الى 4: الديمقراطيّة، وفي ليبيا لا يمكن أن تكون هذه الدولة دون دعم [إقتصادٍ]  قويّ متحرّرٍ يكون عماده ثلاثة جيوش معقلنة في اتّجاه المدنيّة، 1: جيش العسكر، 2: جيش الموظّفين و3: جيش المنتجين، حيث يتحوّل المجتمع من مجتمع [عسكري] الى مجتمع [متمدّن]، ومن مجتمع [عمالة] الى مجتمع [موظّفين]، ومن مجتمع [إستهلاك] الى مجتمع [إنتاج]، وهذا لا يكون إلا بفرض قوانين صارمة تنطلق عبر فكرة [الحصار القارّي] التي قام نابليون بتطبيقها، وهي فكرةٌ اقتصاديّةٌ ثوريّةٌ خالصة، حيث يتم أولاً 1:  إقفال الباب أمام تسلّل إقتصاد المحيطين بالدولة القوميّة، 2: رفع الحواجز الجمركيّة الداخليّة، 3: إلغاء القوانين التي تكبّل المنتجين، 4: منع تكدّس العمالة الرخيصة، وأخيراً 5: تنظيم الملكيّة الخاصّة للمواطنين داخل حدود الدولة للوصول الى [الرفاهيّة] والتي هي أهم وأول أهداف تكوين الدولة في الأساس، كل هذا يتم بعد تحرير [التعليم] من الأيديولوجيا والإتجاه نحو تكريس توجيهه ناحية [التطبيقي] بموازاة [الإنساني]، فلا يتم تغليب ثقافة اللا ورائيّات على ثقافة الإنتاج، ولا يتم أيضاً إغفال زيادة المعرفة لأجل نم والإقتصاد، وهذه عمليّةٌ معقّدةٌ لا يمكن للدولة الدينيّة التي خطابها إنساني لا ورائي فقط أو الثوريّة التي خطابها أيديولوجي تعبوي محض تبنّيها أو تطبيقها، كون الأولى هي دولة [مفتّتة] تفصل بين الإدارة، السلطة والرعايا كجزر منفصلةٍ يربط بينها فقط الغيبي المكتنز داخل ضمائر الأتباع، وهي دولةٌ وهميّةٌ تؤسّس فقط لإستبداد طائفةٍ وعبودية طائفةٍ آخرى، أما الدولة الثوريّة فإنها عادةً بل دائماً تمثّل فقط [الإمتداد] للدولة السابقة، تطيح بالإستبداد لتنشأ إستبداداً آخر، فنابليون نفسه على سبيل المثال لم يكن سوى امتداداً رغم محاولاته التخلّص من التركة، امتداداً للملكيّة السابقة التي قامت ثورته للقضاء عليها، [الإقتصاد الحر] و[التعليم المؤمّم] المبنى على المنافسة للوصول الى الكفاءة بغية الحصول على الكم المعرفي الذي يرشّح الفرد للإنضمام كأداةٍ من أدوات الدولة الفعّالة وفق الأفضليّة لا وفق الإنتماء لجهة الغلبة، كل هذا تحت كنف [البيروقراطيّة] التي تحمي الضعفاء من الأقوياء، تكفل حقوق الذين لا يملكون كي يصبحوا من الذين يملكون.

المدنيّة لا تُنتجها الثورة، والدولة لا يبنيها الثوّار، يجب أن ننظر الى الأمر بهذه الصرامة، المدنيّة نمطٌ سلوكيٌّ وطريقةٌ من طرق التفكير يصنعها تسلسل الأحداث الكبرى في تاريخ الأمم، التنوير بعد الثورة يجب أن يكون في كل الإتّجاهات لتنتج المدنيّة، في ليبيا عملية التعتيم الممنهج على كل مصادر المعرفة وهدم كل مصانع الأفكار جعلت المدنيّة تتقهقر أمام سطوة التعصّب أو[بنية العصبيّة]، وسطوة رغبة الإمتلاك منذ تحوّل الليبيّيون الى مجرد [أشياء] في نظر السلطة وفي نظر الليبيّين أنفسهم للأسف الشديد، وهذه أخطر تبعات النظام الدكتاتوري على امتداد التاريخ البشري، يجب أولاً: السعي لتوحيد اللّيبيّين كليبيّين تحت [غطاءٍ قوميٍّ واحدٍ] يعتبر كل شيءٍ خلاف [الوطن] هوامش ضروريّة منبعها الإختلاف، مصبّها وحدة الوطن نفسه،   ثانيّاً: يجب توجيه [الكفاءة] نحو مكانها الصحيح في منظومة الإنتاج، وثالثاً: وهوالأهم تجريد [المحاربين/الثوّار] من ملكيّة السلاح أولاً والولاء الأيديولوجي ثانياً، للوصول الى رابعاً وهو الدولة صاحبة الموقف السياسي، الإقتصادي والإجتماعي البعيد عن الصبيانيّة، حيث الدولة هي فقط أداة الدولة كما يقول أنجلس، ليست الدولة أداة الفقيه لتمرير الفقه في اتّجاهٍ واحدٍ، إقصائيٍّ وتعسّفيٍّ، منشأه التاريخ لا غير كحقائق لا تقبل الشكّ بالنّسبة له فقط، وليست الدولة وسيلة في يد الثوّار للحصول على المكاسب بقوّة السلاح أحايين كثيرة.

الدولة الدينيّة هي دولة قمع، ودولة تربيّة أيضاً، والدولة الثوريّة هي دولة غنائم، وهي دولة المنتصرين أيضاً، وهذه مجتمعةٍ ليست دولاً في واقع الأمر بل هي شيءٌ آخر يمكن أن نسميّه ما نشاء، الدولة لا تقمع مواطنيها ولا تقوم بتربيتهم، المجتمع يفعل ذلك، النظم الإجتماعيّة والتمايز الطبقي بين ساكني الحاضرة هي التي تضع معايير التمييز بين الأفراد/المواطنين، أمّا الدولة فإنها تعمل كظاهرةٍ إجتماعيّةٍ متساويّةٍ بالنّسبة لكل المواطنين، بغض النّظر عن المذهب الذي يعتنقونه أوكم يكنزون من المال مثلاً، وعلى صعيدٍ آخرٍ فإن المنتصرين من قاموا بالإطاحة بأربابٍ ليأتوا محلّهم يُنتجون إستبداداً وعسفاً يوازي أضعافاً مضافعةً له، يؤدّي الى إضمحلال الدولة وإختفائها كغنيمةٍ لا يمكن أن تعود لمالكيها الحقيقيّن، المواطنين جميعاً، كون القمع يتحوّل من ظاهرةٍ مؤقّتةٍ في عصر الإستبداد الأول الى جزءٍ من الحياة اليوميّة في عصر الإستبداد الثاني، ولا يمكن الفرار من هذا العصر سوى عبر إعلان ثورةٍ أخرى على مستوى القيم والذهنيّات، المبادئ والأفكار العامّة، تلك التي شُوِّهت وغاب عنها المنطق، بسبب غياب عقلنة الدولة أصلاً، وغياب إحساس المواطن بالمواطنة أيضاً، فصار كما رأته القوة الباغية [شيئاً/شخص] يتعامل مُجبراً مع [أشياء/أشخاص] للحصول على [أشياء أخرى/ممتلكات]، ولا يمكن أن تتحول هذه الأشياء الى حقيقتها ووضعها الصحيح إلا بإعلان عقلنة الثورة والدين في طريق عقلنة الدولة، عقلنة الدين يكون بإنكار حق ومنع المذهب الواحد في الحديث بإسم هذا الدين، وعقلنة الثّورة يكون بمنع تسلط الثوّار على غير الثوّار، لينتج جهاز الدولة الحديثة والموضوعيّة، حيث بنية المجتمع مفصولةٌ تماماً عن تركيبة الدولة المبنيّة فقط على المنطق الموضوعي الفعال، الذي يعتمد على فصل المصلحة العامّة عن المصلحة الخاصّة، بفصل الدولة عن الماورائيّات أي أن يكون للدولة هدف خارج عالمها، وفصلها أيضاً عن المجتمع المدني الذي يلعب دور الرقيب وراسم معياريّة عمل وسير أجهزة الدولة ومؤسّساتها، هكذا تكون الدولة أمّا خلافها فليس سوى تدليساً وإمتهاناً لشرف الثورة وقداسة الدّين.

صلاح نقاب

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع