مقالات

ليلي المغربي

قراءة في رواية "شريد المنازل" للكاتب اللبناني: جبور الدويهي

أرشيف الكاتب
2017/06/24 على الساعة 22:12

عبثية الحرب الأهلية... قراءة في رواية "شريد المنازل" للكاتب اللبناني: جبور الدويهي

تتناول الرواية تأثير الحرب على البشر والحجر وتدمير كل ما يأتي في طريقها، وعن تفتت النسيج الاجتماعي المعروف بتعايشه السلمي بين عدة أديان وطوائف في لبنان، إبان الحرب الأهلية في السبعينيات والثمانينيات.

"نظام" اسم بطل الرواية يتحول من طفل جميل يعيش بهدوء ومحبة، إلى ضحية تعبث به الأقدار، وتفرقه عن عائلته التي واجهت المصاعب المادية والاجتماعية والسياسية، وتنسى او تتناسى رعاية هذا الطفل، وتتركه لعائلة مسيحية هما الزوجين "توما ورخيمة"، والذين لم ينجبا فوجدا نظام الطفل، هبة من الخالق منحوه الحب والرعاية بطريقتهم الخاصة، ولكنهم أهملوا جانباً تربويا مهماً، وهو الاشراف المباشر على مستقبل شاب صغير، ضاع منهم في حواري بيروت وشوارعها وصخبها وحربها، ربما لأنهم خافوا أن يكونوا صارمين معه فيتركهم، لكن المؤكد أنهم احبوه.

بين والدين بيولوجيين انشغلا بمشاكلهما، من خيانه وتهريب ومحاكم وسوء الاحوال المادية، وبين والدين أحباه وربياه وقدما كل مايستطيعان له من حب واهتمام ومال، وشقيقته ميسلون التي اعتادت رعايته وتعرفه اكثر من نفسه، وتدرك رغباته دون أن يتفوه بها، وغضبت منه حين قرر البقاء لدى العائلة الاخرى، ولكنها فيما بعد استسلمت، عاشت حياة قلقة رفقة عائلتها التي هربت الى حمص ثم هربت منهم الى عماتها في لبنان، كي لا تتزوج من رجل لا تحبه.. لتتزوج فيما بعد وتسكن بيروت، وشقيقين توأمين خالد وبلال كانا أحد أسباب انشغال الأم صباح عن ابنها نظام.

من "حورا" ضيعة لبنانية في الجبل،  ينتقل نظام الى أحضان بيروت وسكانها يواجه الحياة منفرداً، ويتعرف بالعديد من الشباب والبنات ويدخل في علاقات حميمة متعددة، الى ان يلتقي بفتاة أحبها (جنان سالم) فنانة تشكيلية لكنها تعاني الوحدة والاكتئاب ومحاولات عدة للانتحار.

تتشعب حياة هذا الشاب فيهمل دراسته الجامعية، والتي لم تكن سوى حجة للابتعاد عن دائرة الاهتمام الشديد،  ورغبة في البحث عن هوية واستقلالية، الهوية التي كانت تخلو فيها خانة الديانة فيما يعلق في رقبته سلسلة ذهبية فيها أية الكرسي أهدتها له عمته خوفا من تنصره بعد أن استقر لدى الزوجين توما ورخيمة، وسلسلة أخرى لرمز مسيحي ألبسته اياها رخيمة أمه الثانية حين تنصر أو ادعى ذلك ارضاءً لها كي تسمح له بالذهاب إلى بيروت والإقامة فيها، بينما واقع الحال أنه كان تائهاً عقائدياً، أو لا مبالياً في صورة أخرى، هذه السلسة تمكنت من انقاذه حين علق في حاجز لمسلحين مسيحيين،  فيما لم تنقذه أية الكرسي التي كان يرتديها من الموت على أيدي مليشية مسلمة، بينما هويته المزورة كانت تحمل اسما مسيحيا بعد ضياع الهوية الاصلية الخالية من الديانة.

خلال سنواته القليلة في بيروت تعرف نظام بعدة أشخاص من طبقة الفقير والبسيط والعاهرة وصولا إلى شلة الشباب ذوي التوجه اليساري الذين اختفوا تدريجيا من حياته كما تركته أولغا الروسية صاحبة الشقة التي استأجرها منها فترة غيابها.

تميزت الرواية بسرد جميل ومفردات وجمل بسيطة وسلسة لم يحتج فيها الكاتب لتعقيدات اضافية ولا جمل فلسفية فالنص الروائي كان مكثفاً بأحداث متلاحقة غاب عنها الإسهاب والإطناب في حوالي ثلاثمائة وخمسين صفحة تشير بوضوح لعبثية الحياة كما في مشهد دخوله الأول لبيروت وبنطاله غارقاً بالدماء حتى الركب والتي نالت من شباب نظام ذو الثلاثة وعشرون ربيعاً في مشهد دفنه المجهول والذي تعمد الكاتب ان يتركه مجهولا فلم يُعرف أين دفن نظام هل في جبانة المسلمين أم في بستان توما ورخيمة؟!.

نظام كان دوماً الشاب المسالم الكريم العطوف والمرح تقبل الجميع كما هم ولم يأبه لاختلافهم الاجتماعي والديني والثقافي عنه، بل ترك أثراً جميلاً في كل من عرفه واقترب منه.

ونحن نعيش حرب أهلية منذ عدة سنوات أجد من المفيد لنا الإطلاع على أعمال روائية تنقل تجارب دول عاشت ذات التجربة لربما نستفيد منها ونصحو إلى أضرارها وننقذ ما يمكن انقاذه. لأن الحرب عبثية دائماً فقد كانت عنواناً واضحاً لنهاية موجعة تترك في الحلق غصة وبضع دموع لا تستطيع منعها رغم علمك أنها رواية ولكنها واقع نعيشه في بلداننا اليوم.

ليلي المغربي

هوامش:

- صدرت الرواية عن دار النهار للنشر والتوزيع سنة 2010.
- عدد الصفحات: 352 صفحة.
- رشحت لجائزة البوكر سنة 2012 ووصلت القائمة القصيرة.

بدر | 28/06/2017 على الساعة 20:21
شكراً ليلي وكل عام وانتِ والاسرة الكريمة بخير !!!
دائما ً تتحفنا السيدة ليلي بكتاباتها وأدبياتها ونتمني ان نقرا لك المزيد في قادم الايام ، هذه الحرب الدائرة رحاها طرال هذه السنوات العجاف في بلادنا مادة لقلم مبدع يتفنن وينقلها في اعمال روائية رائعة ، لعلك يا سيدة ليلي تكونين انت من يقوم بذلك ، من يدري ؟! دمت ِ واسرتك الكريمة بألف خير. تحياتي . بدر
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع