مقالات

د. محمد يونس علي

أزمة الهوية وتجذرها في البنية العميقة للمجتمع الليبي

أرشيف الكاتب
2016/07/21 على الساعة 12:58

يعتقد الكثير من المتابعين للشأن الليبي بأن الأزمة الليبية هي أزمة سطحية، وأن الليبيين شعب متناغم في أصوله العرقية، ومذهبه الديني وتاريخه وثقافته، وأن الخلافات والنزاعات التي تعصف بالبلاد تعود في معظمها إلى تدخلات خارجية، واستغلال بعض الانتهازيين في الداخل لبسط نفوذهم في ضوء هذا الوضع المتردي الذي يطغى على الحالة السياسية في البلاد والواقع أن هذا تسطيح للحالة الليبية وتبسيط للمشاكل الحقيقة التي تعاني منها الدولة الليبية؛ وربما كان من أسباب هذا التسطيح في محاولة تشخيص الوضع في ليبيا هو الانطباع المخادع الذي خرج به الكثير من المتابعين للشأن الليبي في بداية الثورة عندما أظهر الليبيون صورة إيجابية لما يمكن أن يكون عليه الحال في مرحلة ما بعد القذافي.
إن النظرة النافذة إلى مكونات البنية العميقة للمجتمع الليبي تكشف عن تجذر في التشظي والانقسام يرجع لأسباب تاريخية تتعلق بالطريقة التي نشأت بها الدولة الليبية وبالتركيبة الديموغرافية لمكونات الشعب الليبي مع ما صاحب ذلك من اختلاف في النشأة والتربية بين المناطق المختلفة في أرجاء الوطن الليبي فضلا عن إخفاق المناهج التعليمية المتعاقبة في ترسيخ مفهوم المواطنة، وتأصيل قيم التسامح والتعايش والتدريب على تقبل الآخر.
ولا يمكن للمتمعن في ما يجري في ليبيا من تجاهل الدور السلبي للاستقطاب المتزايد القائم على أسس أيديولوجية وجهوية وقبلية وسياسية اجتماعية، وإن نظرة متفحصة في مراقبة ما يجري في البلاد سوف تبدي لنا أن عدد المنهمكين في التعصب الجهوي والقبلي والتطرف الديني والميل إلى الاستعباد والاستبداد أكبر بكثير مما يمكن تصوره، وهو ما يدحض الوهم الذي خرج به الكثيرون في بداية الثورة من أن المتعصبين والمتطرفين والمتلذذين بالاستعباد لا يتجاوز فئات قليلة من أطياف الشعب الليبي. ولعل تجاهلنا لهذه المعطيات وعدم الجرأة على وصف النزاع في ليبيا على أنه نزاع في الهوية والاقتصار في توصيفه على أنه مجرد صراع سياسي ما هو إلا محاولة لدفن رؤوسنا في التراب على طريقة النعام في الدفاع عن نفسه.
لقد قرأت لكثير من المحسوبين على المثقفين والسياسيين ورجال القانون وأساتذة الجامعات سواء من درسوا في الغرب وعاشوا فيه ردحا من الزمن أو ممن لم يظفروا بهذه التجربة، ورأيت إلى أي حد يمكن لما يتلقاه الإنسان في طفولته من تضخيم زائف للأنا القبلية والجهوية بما يصاحب ذلك من ترسيخ للتفكير الغنائمي ومفهوم الصراع التنافسي الممتزج بالحقد والكراهية للآخرين من تأثير على حياته المستقبلية مهما أتيح له من فرص للخروج من هذا التقوقع والانكفاء على الذات. ومما يزيد الطين بلة أن ضعف التعليم ومحدودية تأثيره في ترسيخ البعد الحضاري في شخصية المتعلم وإكسابه قيم التسامح والتعايش والتوافق وتحسين قدرته على التفكير النقدي السليم أسهم إسهاما كبيرا في النزوع إلى التعصب والتطرف.
وإذا ما كان الأمر كذلك فما المخرج يا ترى من هذا النفق المظلم؟
وجوابا عن هذا السؤال أقول: إنه من الإفراط في التفاؤل الاعتقاد بانتهاء النزاع في السنوات القريبة القادمة، ولاسيما أن الجهات المنوط بها التغيير الثقافي والاجتماعي وهي الإعلام والتعليم والتربية المنزلية غير مؤهلة حاليا لتغيير الواقع. أما الإعلام فإنه مصاب بنفس الداء العضال الذي تعاني منه شريحة واسعة من الشعب الليبي؛ إذ لا تكاد تجد قناة تلفزيونية أو موقعا إلكترونيا أو جريدة أو أي وسيلة إعلامية تلتزم الحياد وتخلو في سياستها الإعلامية من توجه جهوي أو تطرف ديني أو تطبيل وتسبيح بحمد الحذاء العسكري.
وأما التعليم فلا يزال امتدادا لما كان عليه الأمر في النظام السابق، بل هو إعادة إنتاج للنهج التلقيني والتحريضي والحشوي بحيث لا يمكن التعويل عليه في تحسين طرائق التفكير أو بناء مفهوم المواطنة وترسيخ قيم الدولة المدنية الحديثة. وأما التربية المنزلية فهي نتاج لكل الظروف السابقة، ولا أمل يبدو في المستقبل المنظور في التعويل عليها في إحداث ما يطمح إليه كل مخلص لهذا الوطن الجريح.
د. محمد محمد يونس علي

محمد الصغير | 21/07/2016 على الساعة 17:36
اين الحلول
دكتور مقال جميل قدم لنا وصفاً للحالة مع تشخيص وان كان في عجالة بحكم طبيعة عرض الموضوع في مقالة ولكن كنت اتمنى ان ينتهي المقال ولو الى محاولة محدودة في نقاط لعرض الحلول ولو كان مجال تطبيقها يتضمن شيئاً من الصعوبة، لانه اخي الكريم رأيت اغلب المتحدثين والكتاب يعرضون او يصفون الحالة ودون محاولة الولوج الى تقديم الحلول، وليس علينا ان تكون الحلول مستعصية لان كثرة تناولها اي الحلول هذا يبينها ثم يحددها ويضع اولوياتها حتى تصبح من الثقافة العامة، وتتهيأ الظروف الى تطبيقها ولو بعد حين، وشكراً لتناولكم الموضوع على اهميته.
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع