مقالات

مهندس هشام نجار

إجازة فى وطني سوريا (4/3): دمعة على الإنسحاب الكيفى من الجولان

أرشيف الكاتب
2017/06/20 على الساعة 22:15

أعزائي القراء... تركنا الحلقه الثانيه والسيد أبو محمد رجل المخابرات يفرض نفسه بالهاتف ضيفاً ثقيلاً على سهرتنا.. حاولت وزوجتي أم لؤي رمي إستفزاز أبو محمد وراء ظهورنا لنلتفت لإجازتنا... بدأنا جولتنا في حلب التي توسعت وتزايد عدد سكانها ليصل إلى أربع ملايين ونصف.. مركز البلد والمناطق الشرقيه الشعبيه والأثريه لم تتغير كثيراً الإ من ناحية تزايد السيارات في أحيائها الضيقه.. أما المناطق الغربيه والجنوبيه الحديثه فقد توسعت بشكل كبير وهي المناطق التي إمتصت زيادة السكان.

شوارعها واسعه.. ابنيتها جميله نظراً لتوفر مقالع احجار من نوعيه ممتازه حول مدينة حلب.. كما تزايد عدد النوادي العائليه والمطاعم حيث يقضي البعض من أهالي حلب ذوي الدخل المتوسط او العالي سهراتهم في هذه النوادي بينما الأكثريه من أصحاب الدخل المنخفض يقضون سهراتهم على أرصفة الشوارع العريضه في المناطق الحديثه، يُحضِرون عشاءهم ونراجيلهم وطاولة النرد فيتعشعون (ويؤرجلون) ويلهون حتى ساعة متأخره من الليل. والحقيقه أنه ساءنا هذا المنظر الغير حضاري.. فلماذا لايؤمّن النظام حدائق منتشره ومُناره بأعمدة الكهرباء في كل حي لمساعدتهم في قضاء أمسياتهم. ام ان النظام مشغولٌ بأمنه وأعمال البزنس وبناء معتقلات والتجسس على هواتف المواطنين؟ 

أعزائي القراء... بدأنا برنامج رد الزيارات.. وفي إحدي الليالي وبعد إنقضاء سهرتنا في بيت أحد الأقارب أوقفنا سيارة تكسي ليوصلنا لبيتنا ألا أنه قبل أن يهم بالإنطلاق فتح الصندوق الخلفي للسياره (الباكاج) تأخر حوالي ثلاث دقائق ثم عاد لتشغيل السياره فرفضت الإستجابه ، فعاد ثانية لخلف السياره، هنا بدا القلق يساورنا فلما عاد لتشغيل السياره إستجابت له هذه المره ودارت... وإنطلقنا.

سألته:خير إن شا الله أخي الكريم.

أجاب: ما في شي إبن عمي بس كنت ع بغيّر جرة الغاز..!!

نعم!.. نعم! شو علاقة جرة الغاز بسياره تعمل على البنزين؟

أجاب: أصل ركّبنا  فالف (يقصد صمام) للسياره عند ورشة أرتين منشان تشتغل بنزين وغاز.. فيها  توفير ١٥٠٠٠ ليره في الشهر مبلغ بحرز إبن عمي...!!

قلت: متعجباً ومتخوفاً: يا أخي مابتخاف على روحك! مابتخاف على روح الزبون تحت حر شهر آب / أغسطس والله إذا إنفجرت جرة الغاز فإنها لن تترك أحداً حياً في الشارع! وبعدين هادي مخالفه  قانونية كبيره فيها محكمه عسكريه مو هيك؟.

أجاب: ياسيدي محسوبك رقيب في المخابرات العسكريه.. والسياره يملكها عقيد في جهاز مخابرات أمن الدولة .ثم أردف قائلاً:
فتاح إبن عمي الخزانه اللي امامك طالع الرساله وأقراها.

قرأت الرساله وصُدِمت فإذا بها تقول: إلى من يهمه الأمر.. إن ملكية هذه السياره تعود للعقيد... من جهاز... الرجاء تسهيل مهمتها، وعند الإقتضاء الرجاء الإتصال على الرقم التالي... وشكراً. إلتفتَ إلي السيد الرقيب وقال مبتسماً ومنتصراً :كل شي مظبّط إبن عمي. هنا كان على ان انتبه لنفسي فاخرجت  الهواء الممكتوم لأكثر من دقيقة من صدري  ، و ناجيت نفسي: آه يا وطن هل هذه مهمة ضباطنا في دولة الصمود والتصدي..؟ آه ياوطن إذا كان المواطن لا يستطيع أن يضمن على حياته في سيارة هذا الضابط المدعوم بالنظام فهل سنأتمنه على أنفسنا في معركة الصمود والذي ما فتئ النظام يحدثنا عنها كذباً وزوراً وخداعاً..؟

ثم تصورت ان جرة الغاز قد إنفجرت وأن(الإعلام السوري صاحب المصداقيه العاليه)  يُذيع الخبر على الشكل التالي:" بتاريخ ٨ تموز/يوليو وعند الساعه الحادية عشر ليلاً إنفجرت في حلب على الطريق الجامعي سيارة تكسي كان يستقلها إرهابي سلفي على إتصال مع القاعده.. وقد تبين من التحقيق ان الإرهابي كان يحمل معه مواد شديدة الإنفجار موضوعه في حقيبه أدى إنفجارها إلى مقتل الإرهابي والسائق وأعداداً كثيره  من الماره بينهم أطفال وسنوافيكم لاحقاً بما يستجد من معلومات.

أعزائي القراء... الإعلام  الذي وضعتكم في صورته ليس مجرد تخيل. بل هو الصوره الحقيقيه للإعلام السوري ونظامه والقصص التلفيقيه ضد مواطنين صالحين هي اكثر من أن تُعَد وتحصى، ولو ان النظام السوري نطق كلمة صدق واحده لسقط النظام منذ أمد بعيد وأراح الشعب كله، ولكن ظاهرة الإعلام السوري الكاذب تتجلى في هذا الحدث المأساوي الكبير الذي هد كيان الأمه العربية بأكملها "... ففي يوم ٥ حزيران /يونيو عام ١٩٦٧ وفي تمام الساعه التاسعه كنت أجلس مع زملائي في صالة الإمتحان منهمكاً في الإجابه على أسئلة إمتحان  إحدى مواد التخرج من كلية هندسة الميكانيك وهي مادة الآلات الحراريه عندما طرق مسامعنا أصواتاً غير عاديه خارج صالة الإمتحان، خرج بعض الأساتذه لإسكاتهم الا ان الأصوات بدأت تتعالى وبدأنا نميز بعض الكلمات مثل إسرائيل.. مصر.. سوريا.. حرب.. طائرات.. توقفنا عن الإجابه لنستطلع الخبر فإذا هي الحرب المنتظره والتي عشنا من أجلها وتدربنا من أجلها وقمنا بتحصين مرتفعات الجولان من أجلها هذه المرتفعات التي قال عنها جنرال فرنسي: لا يمكن أن تخترق.هتف الطلاب داخل صالة الإمتحان الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر النصر لأمتنا.. ثم جاءت تعليمات وزارة التعليم العالي بإيقاف الإمتحانات لأجل غير مسمى حتى ينجلي غبار الحرب.

هرعنا إلى بيوتنا وإستنفرنا أجهزة الراديو لدينا فواحده ضُبطت على صوت العرب وراديو ترانزستور ضُبط على إذاعة دمشق وبدأنا نتابع "إنتصاراتنا" ومع كل إسقاط طائرة للعدو نهتف الله أكبر.الا أن أخباراً من إذاعات عالميه أخرى كانت تتكلم شيئاً مغايراً.. فنتمتم: لعنهم الله إنها إذاعات إستعماريه... ولكن ماحصل على الجبهه السوريه في يوم التاسع من حزيران سيظل وصمة عار في جبين الإعلام السوري والنظام السوري ووزير دفاع النظام اللواء حافظ الأسد.. وسأترككم أعزائي مع الحقائق تتكلم عن نفسها...

المحامي جريس الهامس شاهد على خيانة وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد والمصنف لاحقاً ببطل الصمود والتصدي. المحامي جريس من مواليد عام ١٩٣٠ في بلدة صيدنايا التاريخية. ناضل ضد الإستعمار الفرنسي مع الحركة الطلابية الوطنية في سورية. أرغم على مغادرة الوطن عام ١٩٨٠... تعرّض لمحاولة إغتيال مرتين: في سجن تدمر عام ٧٥ ١٩ وفي بيروت عام ١٩٨٢. يقيم الاّن في هولندا.

كتب الأستاذ جريس: بقيت الجبهة السورية صامدة سليمة حتى صبيحة التاسع من حزيران وأمام استحالة اختراقها من قوات العدو البرية رغم تفوقه بالعدد والعدة باعتراف جميع الخبراء العسكريين الغربيين والعرب نظراّ لتحصيناتها المنيعة تحت الأرض ومعنويات شبابنا العالية وموقعها الجغرافي المسيطر على غور الأردن والجليل شمال فلسطين... حتى أن موشي دايان قائد جيش العدو صرح لصحيفة معاريف الصهيونية بعد الأستيلاء على الجولان بقوله: "لم أكن أفكر بتاتاّ باقتحام الجبهة السورية لولا توفر الظروف الملائمة بأقل الخسائر"... فما هي الظروف الملائمة هذه التي وفرها له حافظ الأسد دون أن يفصح عن ذلك؟

ومع وزير الإعلام السوري اّنذاك الدكتور محمد الزعبي المقيم في ألمانيا حاليا... كتب في الصحف وتكلم في قنوات فضائية عما جرى صبيحة التاسع من حزيران/ يونيو ١٩٦٧ مايلي: أبلغني حافظ الأسد من غرفة العمليات بسقوط مدينة القنيطرة بيد العدو الصهيوني وطلب مني إذاعة البلاغ العسكري في الإذاعة والتلفزيون الذي يحمل الرقم ٦٦ الذي يعلن سقوط مدينة القنيطرة. وفي الحقيقة ترددت في إذاعة هذا البلاغ ثم أعاد حافظ الإتصال ثانية كما اتصلت القيادة السياسية طالبة مني إذاعة البلاغ فأمرت بإذاعته. وبعد ساعة فقط اتصل بي حافظ الأسد قائلا: حرفياّ - بتعرف يا رفيق محمد.. لقد كان إذاعة البلاغ ٦٦ خطا... أجابه د. الزعبي: با رفيق حافظ  أنت وزير دفاع من أخبرك بسقوط القنيطرة.؟ أجاب حافظ: والله أخبرني أحد الملازمين....

وهنا التساؤل الخطير: من هذا الملازم الكاذب الذي يبني وزير الدفاع بلاغاً خطيراً مصيرياً على معلوماته؟؟؟ وإذا كان البلاغ كاذبا باعتراف الأسد فلماذا لم يكذبه فوراّ بالبلاغ العسكري رقم ٦٧ لإنقاذ الموقف؟؟؟ وكيف يأخذ وزير الدفاع معلوماته من ملازم صغير ولا يأخذها من غرفة عمليات الجبهة التى كان فيها رئيس أركان الجيش اللواء أحمد السويدانى ومساعده اللواء عواد باغ وغيرهم الذين لم يغادروا القنيطرة إلا بعد أكثر من عشر ساعات من إعلان سقوطها وكانت القوات الصهيونية لاتزال على بعد خمس كيلو مترات منها وبعد فرار قائد الجبهة أحمد المير فور سماعه البلاغ رقم ٦٦ كأنه على اتفاق مسبق مع الرفيق حافظ  وقصة فراره معروفة – فقد ركب على صهوة حمار متنكراّ بزي وملابس فلاح بعد أن خلع بزته العسكرية وألقى سلاحه الشخصي في منزل الفلاح ووصل إلى بلدة نوى في حوران بهذا الشكل.

بهذه السهولة وبهذه الخيانة مررّ حافظ الأسد بلاغ العار رقم ٦٦. فماذا حصل على الخطوط الأمامية للجبهة الصامدة عندما سمع ضباطها وجنودها من أجهزة الراديو التي يحملونها بلاغ سقوط مدينة القنيطرة الواقعة خلفهم على مسافة خمس وعشرين كيلو متراّ... هذا يعني أن العدو قام بإنزال جوي خلفهم واحتل المدينة وإنهم أضحوا مطوقين من الخلف والأمام... لم يكتف حافظ الأسد بذلك... خشي أن تتمرد بعض قطعات الجيش وترفض الإنسحاب من الجبهة والجولان عموما فأصدر أمراّ عسكرياّ بالإنسحاب الكيفي _ وضعوا خطين تحت كلمة الكيفي - ولماذا لايكون إنسحاباّ منظما يحافظ فيه الجيش على كيانه وسلاحه ومعنوياته هذا في حال وجود ضرورة قصوى للإنسحاب كما حدث في جميع الحروب.. أما الإنسحاب الكيفى وفرار قيادة الجبهة تبعها فرار الضباط بسياراتهم تاركين الجنود كالقطيع التائه لايعرف بأي اتجاه يهرب قسم من الجنود السوريين وصلوا إلى جنوب لبنان وقسم من جنود القاطع الجنوبي وصل إلى الأردن والقسم الأكبر وصل دمشق بشكل مأساوي بعد يومين أو ثلاثة ايّام.

في يوم التاسع  من حزيران ١٩٦٧ كان الدكتور عبد الرحمن الأكتع وزير الصحة اّنذاك في مستشفى القنيطرة يشرف بنفسه على العمل الطبي صعق عندما سمع بالراديو بلاغ سقوط القنيطرة وهو على اتصال دائم مع الوحدات الطبية الموزعة على طول خط الجبهة.. انتفض فوراّ واتصل بحافظ الأسد وبالقيادة محتجاّ : كيف تذيعون سقوط القنيطرة أنا أكلمكم من القنيطرة.. . لايوجد أي جندي إسرائيلي فيها أو حولها.. إن هذا البلاغ خيانة... خيانة... طلبوا منه العودة إلى دمشق. وأثناء إنعقاد الجلسة الصاخبة  والحياتية لمجلس الوزراء والقيادة العسكرية.. طلب فتح تحقيق حول ماجرى في الجولان وإصدار بلاغ سقوط القنيطرة. وقال وزير الصحة لحافظ إن إذاعة هذا لبلاغ خيانة سافرة أياّ كان صانعها.. فما كان من حافظ بطل الجريمة إلا الإعتداء عليه بالضرب أمام الجميع... فما كان من هذا الطبيب الوطني الغيور على وطنه إلا أن قدّم استقالته وغادر سورية إلى ألمانيا وطمست قضيته حتى اليوم.

أعزائي القراء... أعرف أني قد أطلت عليكم ولكن الحق كله على تلك السياره والتي يملكها عقيد في مخابرات أمن الدولة ويقودها رقيب من مخابرات امن الدولة والمفخخه بجرتي غاز داخل صندوق السياره الخلفي وتعملان تحت شمس شهر آب/ أغسطس والمعرضتان للإنفجار في أي لحظه... والنظام وإعلامه يتحفنا بعد ذلك بأن كل شيئ يتم وفق خطة إلكترونيه لاتخر منها الماء من أجل معركة الصمود والتصدي!!.

دخلنا البيت وسط تأنيب زوجتي أم لؤي لإخلالي بشرط الإتفاق بأن لا أتكلم بالسياسه في الإجازه... فأعتذرت منها وطلبت منها كأس ماء وحبة تخفيض الضغط  ثم رحت في نوم تخللته احلام مخيفة.

أعزائي القراء... الحلقه الرابعه والأخيره: كيف رحبنا في سوريا بإخواننا الشيعة الجنوبيين في عدوان ٢٠٠٦ وكيف كافأنا حسن نصر الله  ايّام ثورة الحرية عام ٢٠١١... مع تحياتي.

المهندس هشام نجار
المنسق العام للهيئة السورية للإعمار

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع