مقالات

سالم قنيبر

قصة كاتب من بنغازي… النيهوم (4)

أرشيف الكاتب
2017/06/19 على الساعة 21:10

بنغازي وسوق الحشيش… حارة صغيرة مليئة بالأطفال والملل

 - البقعة المظلمة التي يعيش فيها الفاخري ، هي بنغازي، وقد بدا ما يكتنفها من ظلام التخلف تتضح أبعاده عند الصادق، مقارنة بما وصل إليه الشمال الأوربي من الرقي الحضاري والتقدم... وسوق الحشيش الذي وصفه سابقا بالسوق (الرائع) يستمد روعته في نفسه من الأصدقاء الذين يحبونه ويحبهم، ويجد فيهم ذكرى الارتباط بالأهل والوطن. يقول في حديث رسالة عن علاقته به ومعيشته فيه. "لقد عشت أنا في سوق الحشيش، قضيت فيه كل حياتي، وجلست على كل ذراع منه، ورأيت كل الناس هناك، كثير من الأصدقاء اللطيفين جدا.. وكثيرا من الذكريات والمتعة، وشربت فيه زجاجتي وسكرت، وضحكت، وصنعت معظم أحلامي الجيدة.. ولكني لم أعتمد عليه أبدا في بناء رأسي، ولا أستطيع أن أثق في ذلك.. إن غرفتي المظلمة بقليل من الضوء، وإبريق شاي ونار وبضعة سجائر وأنا تفيدني أكثر من سوق الحشيش".

- لكنه يظل عنده كما هو في حقيقة واقعه وكما يصفه "حارة صغيرة مليئة بالأطفال والملل" وهو "حارة للصدأ.. يصيب من يعيش فيها الصدأ" أو هو ".... بالوعة حقيقية وبلهاء تماما". ويضيف مخاطبا الفاخري ".. أخي أنا لا أحتقر حارتنا، ولا أقول عنها أشياء قذرة، ولكن أضع لها اسما.. مجرد بالوعة فحسب.. وهي مفيدة لكل صرصار، ولكنها تقتل الناس الرائعين".

نزار… وخليفة الفاخري

- الفاخري... الذي رحل عنه الصادق، كان يعني له الشيء الكثير، وكان ارتباط الصادق به كبيرا، كان الود متبادلا عندهما، ولم يكن التفاوت في الثقافة والنضج بابتعاد مساحة من العمر بينهما.. ليضع حاجزا دون تواصل ذلك الود وتدفقه، وقد وجد كل منهما، وهما يحملان القدر الكبير من موهبة تناول الكلمة والتعامل مع صياغة عباراتها، وجدا في تبادل الرسائل وكتابتها الوسيلة المرضية، الممتعة، الملبية لمتطلبات الاتصال المباشر بينهما. وها هو عندما يرى اندفاع خليفة وانبهاره بنزار قباني، واستخدامه لكلمات من قصائده أهداها له، نجده - ولم يكن قد مارس الكتابة احترافا بعد.

- يوجه الفاخري ويطلب منه الابتعاد عن التسرع في الإعجاب بشعر نزار الذي تملكه، وأن ينظر إلى ما اختص به من موهبة وجد النيهوم معالم لها تتألق خلال الرسائل التي منه يتلقاها ".. رسالتك حلوة.. إنها عمل ممتاز.. ولكنك تعطي نفسك كلها لنزار. أخي يا صديقي: أريد أن أقول لك شيئا، أنت ولد رائع فلا تعطي لأحد شيئا منك، لقد حدثتني عن (حاجات) حلوة.. وقلتها بإخلاص وأمانة.. ولكنك عندما بدأت الرسالة أهديتني كثيرا من كلمات نزار، ولا أريدك أن تفعل ذلك أبدا.. وثق أنك تكتب جيدا.. تكتب مثل إله حقيقي.. وكلماتك حلوة.. وأنت قادر على خلق الكلمات النظيفة.. وقد قرأت أنا كثيرا من الكلام الحلو.. ولكن رسائلك تجعلني أرتعش.. إنك يا خليفة شيء أحبه.. أحبه جدا.. وأحترمه.. إنك ولد صغير مغرور، ويسكن في بقعة مظلمة.. ولكنك عندما تكتب تصبح إلها حقيقيا".

والتجربة الأوربية…

- أمضى النيهوم قرابة العام في ألمانيا متنقلا في الشمال الأوربي. مارس خلالها أخطاء التجربة بقدر أكبر مما يتطلبه الاهتمام بمقررات الدراسة الموفد لها، وارتبط خلالها بمعاشرة (كاري) الفتاة الفنلندية التي استقبلته أسرتها للإقامة معها.

- وكانت أوربا بكل مكونات حضارتها المادية والثقافية، تتسرب عنده في بطء، وتنفذ من خلال المتراكم عنده من صناعة المكان، والمتلقى من الآثار المحلية القديمة التكوين الممتزجة بالمستورد المترجم الجديد.وها هو النيهوم، بأسلوبه المثير غير المباشر الذي ظل بعد ذلك من أبرز خصائص كتاباته يفاجئنا في منتصف رسالة أخيرة في تلك الفترة بعث بها إلى الفاخري فيقول:

((- .. جلست في بون أكتب رسالتي.

• أيها السادة:..

- أنا اسمي صادق النيهوم.. وأنتم عليكم اللعنة، أحضرتموني من إفريقيا لكي أتزحلق على الجليد.. وقبل أن تتفضلوا بقبول فائق الاحترام أعيدوني إلى بلادنا.

• وسألتني السكرتيرة لماذا؟. وقلت لها (هكي بالمكر).

• وعادت تهمس: لماذا تريد أن تدمر نفسك  ؟ وضحكنا معا.. أنا أيتها العاهرة الدائمة الخضرة غير قابل للتدمير، ولا أريد أن أفكر في ذلك . ولكنني سوف أدرس في الشرق في أغسطس القادم.)).

- بموافقة من إدارة الجامعة، تم تغيير بعثة النيهوم إلى القاهرة، ومن خلال رسالته هذه يمكننا أن نتبين بوضوح ارتياحه الكبير لهذا التغيير الذي وصفه (بالبعث الجديد) الذي ينتشله من تجارب غمرته، وعلاقة بامرأة يسكن إليها،.. كانت تمنحه الاستقرار، وتلبي له الحاجة، وتشده إليها مشترطة الاستمرار بالزواج بعد مضي زمن تم تحديده.

- وها هي الأيام يتوالى سريعا مرورها، وشبح الحياة في بنغازي، والأب الكهل والإخوة،ورفاق سوق الحشيش، أشباح حية تطارده، وها هو تائه في حيرته يرتجف من البرد في نفق معتم بأمستردام، يحاور رجل البوليس الذي يعرض عليه مصاحبته إلى إحدى الحانات اتقاء للبرد…

- ".. ولقد خطر ببالي يوما أن أتزوج إحدى الفتيات.. كانت تلك الفتاة يا رجل البوليس، شقراء هائلة مثل الله نفسه، وكانت قد أحبتني رغم أنفينا معا.. ولكنني لم أستطع.. وقال في ثقة لأن ذلك كان غير واضح.... وفجأة كنت في سوق الحشيش مباشرة..".

- بوخضرة الذي يشعل النار لإعداد الشاي ومحمد البعباع وخليفة الفاخري والصادق معهم وحوار خشن الألفاظ بالعامية يدور، - مفرغ من أي محتوى - إنهم رفاق سوق الحشيش في مجلس لهم يتبادلون الحديث، يضحكون وتعلوا أصواتهم ويلوحون بأيديهم وهم يتسامرون، هؤلاء الرفاق الذين أراهم الآن وأسمعهم، كيف يمكن لي أن آتي بك، تلتقي بهم ويلتقون بك.. وكان القرار: "وتركتها على الرصيف رقم 16، كانت ألمانية جيدة .. وكانت تحسن السرير، غير أنني لم أحبها بقدر كاف".

- ومشهد آخر يقدمه في الرسالة ذاتها يصف ما دار بينه وبين رفيقته في هلسنكي  بعدما تقرر له العودة وتغيير الموقع واستبدال المكان:

((- هل ستأخذني معك إلى ليبيا؟

- سآخذك معي إلى ألمانيا إذا شئت، أما ليبيا فلا.

- وطفقت تبكي.. هل تريد أن تودعني؟

- حسنا أيتها (............) أنا أريد أن أودعك.. أنا لا أستطيع أن آخذك إلى ليبيا وأنا عندي والدي الهرم وكوم أطفال.))

- ولقد ودعتها حقا.. وداعا حقيقيا لا شك فيه.. ولقد حفرت قبرها بيدي عندما جلست في ذلك المساء المعتم تحت تمثال شيلر في ميدان ميونخ أحلم بإفريقيا". (رسالة إلى خليفة الفاخري 10 نوفمبر 1963)

- ولكن هل كانت تلك آخر مشاهد علاقة النيهوم بالفتاة الفنلندية، أو أن ما ورد في هذه الرسالة هو آخر ما كتب عنها؟..  وإلى متابعة قادمة أستودعكم الله.

سالم قنيبر
بنغازي  19 يونيو 2017

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

ابومريم | 21/06/2017 على الساعة 04:21
رموز الوطن
وماقيمة الوطن بدون رموزه . من فوائد القراءة تعميم المعرفة وللكاتب الكريم كل الشكر وللقائمين علي هذا الموقع كل الامتنان . نقراء للمعرفة والاستنارة لكي يكون لنا رؤية .. تماما كما يستعين السائر في الظلام بفنار او فانوس او شعلة تضيء له المسار حتي لايظل الطريق . الوطن تكتنفه ظلمة حالكة السواد ,فدعونا ..من تكسير فوانسينا وتحطيم مشاعلنا.. وانا شئنا القول فلنقل خيرا او لنصمت .
ليبي متجنس | 19/06/2017 على الساعة 22:12
تسخير قلم
الاستاذ سالم كاتب مخضرم غني عن التعريف، ولكن أليس من الأفضل أن يسخر قلمه في خدمة وطنه الذي أصبح مهدد من محوه من الخريطة السياسية، بدلا من تضييع وقتنا في قراءة سيرة النهيوم الذي للأسف كان على علاقة قوية مع الديكتاتور القذافي، والذي يحاول الاستاذ سالم عدم التطرق إليها وهو دون شك يعرف الكثير عنها.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع