مقالات

عبير الورد

سلسلة عبير الورد... الجزء الثالث (1) ماذا فعلت بك الحرب

أرشيف الكاتب
2017/06/18 على الساعة 19:11


 

في الليل يتشرد إحساسي مني، يتجول بين أمم من الركام، وبقايا البيوت، بنايات طواها الغياب، وبنايات خرَّت من حنينها لأهلها، فسقطت مغشيا عليها من البكاء، جدران تهالكت من صدمات الرصاص، وجدران تحملت أوزار الكتابات، والشعارات العابرة فوق جسدها، لتقول حكاية المنسي الذي عبر من هنا...

يالهذا الليل الذي يطويك يا بنغازي، يالهذا الهول الذي تحملينه فوق أكتاف أهلك، يطوي سبخات الملح في قلبي، ويملأني  بأصباغ بياضها، لأرتل حنين هذه الوجوه التي أعتقها الحنين من طول الانتظار، فأخلى سبيلها من الأسر، ومن طول الشوق، ومن كأس الصبر، وجعلها كأسراب الطيور، تبحث عن ملاذها وعشها، من أجل أن تهبها رواية العشق عيون إلزا في معارج اغتراب الروح، ومنازل الاعتزال لحبيبة القلب...

ماذا فعل بك الليل، وبهذه البنايات التي وهبت قلبها للميناء، تطل على وجهه كل صباح من أجل هسيس حكايات الصبية، والصبيات، وتسترق الأسماع لهمس أعمدة الإنارة المتناثرة هنا وهناك، فكأن كاهل البحر كاهلي، وكأن هذه الشواطئ المغمورة بين كثبان الرمل هي قصص و حكايات لأمم  من الموج ذابت عند أول حلم رملي ..وكأن مرود الكحل أبى عيون الصبايا  بعدما تكحَّل ببياض حزنك، و كأني نسيت وجه حبيبي الغائب وراء أمم السحاب، فآثرت شكواك، و اخترت حزنك لأعجنه بتوحدي في شرنقة العتاب.

ماذا فعلت بك الحرب، وأين الشارع الذي كان يتلقاني برحابة صدره؟ أين أعمدة الإنارة التي كنت أبثها حديثي، أين رائحة النيهوم التي كانت تجذبني من بيتي، لأتوسط خصرك يا بنغازي، أين أحمد رفيق، و أين روح محمد الشلطامي،  أين ضحكات الفارهين بأرواحهم، والفارهات  بضحكاتهن ، الشاعرات والمشاكسين بأقلامهم، حين يعبرون خاصرة الميناء قبالة المنار... أين النورس ولماذا عمَّد أجنحته في طي الغياب، و تناسل مع أوجاع عامود الدخان المتصاعد من سمائك، كمدخنة حزينة...

ماذا فعلت بك يد الغدر، ونوايا المكر، وكيف غاب أنينك طي الركام، ماذا فعلوا بوجهك الأبيض، وكيف سرقوا الكحل من جفنيك، ولماذا كل هذا العجين المتكور من الأنين، تلال ألم تأكل طيبة محياك، وأطرافك المُعفرة برائحة الحناء؟؟؟

خطفت الحرب وجهك، وخبأت ضحكاتك في جوف الماء الضاحل، سرقت عطرك، وامتدت بوحشية لوردك البلدي شبابك، نالت من واجهتك، وثقافتك، وهويتك، لكنك بكل روح تعفرتْ بالملح، وبكل عدد سبخاتك ماز لت  بذات البياض، وذات الطعم، وذات المذاق، وذات النكهة، وذات البن، وذات القهوة.., مذاقات  ضائعة بين المكتبات، ورحاب سوق الحوت، وعالم سوق الجريد، وعطر البحر ينساب نثيثا من يسراك، وواجهة شمالك يا ماء الروح، وزيت سراجنا، و هواء حياتنا...

الليل فيك  تفاحة تقضمها الحرب من أطراف البحر، تغني أغنيتها على خصرك ، تسحب الوله والحب من عيون الفتية، لتضخَّ رماد أجسادهم وقوداً لوقاحة الرصاص، وأنين الموت، ورتم الحزن الذي يأنف مغادرة أوردتك...

مازلت تتسربين في روحي كالماء، تمتدين كأوردة البحر في جسدي، كما يفعل الصابري، والشابي، وجليانة، والسكابلي، شرايين أتعايش بها من تحت هضاب السبخات الممتدة  فوق ملامحك العتيقة، الصافية صفاء الملح ..النقية نقاء الماء...

ما زلت ذلك المزيج المجنون، العالق في متعة  الشبق والنسكافيه، ما زلت ذلك المذاق من الهوس والشغف، من الإلهام المتشاسع  في باحاتك العتيقة، ومآذنك الشامخة، وردهاتك صاحبة أطول رواية في تاريخ التمرد والشجاعة... سيدة الصباحات الليبية ..ملكة الأبدية في مواويل عشقنا الليبي الطويل...

يا الله...

خذ قلبي وهبها الحياة، خذ مني حلما بلقيا حبيبي، وامنحه لبنغازي حبيبة الكل، خذ مُنى حياتي، وكُفَّ عنها قطعان الذئاب التي أُطلقت ورائها  فعبرت ليل المدن لتجعل ليلنا يكبر في بنغازي، خذ منا أحلامنا، وما تيسر من هذيان أقلامنا، خذ ملحنا، ودقيق أيامنا، وزيت أفراحنا، ورائحة ذكرياتنا، ولا تحفل بمذاق دموعنا، فنحن نستدر نكهة الحياة من بياضها...

عبير الورد
15/06/2017

* سلسلة خاصة عن بنغازي والحرب.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
A sad friend | 20/06/2017 على الساعة 21:07
Beautiful
describe the night of the city as an apple being bitten by war. I share your sorrows . I once wrote my own lines of sadness ,longing for Tripoli .For me ,Tripoli and Tripoli are inseperable twins in joy and sadness. God bless you wonderful writer ,fragrance of the rose ! This is beautiful writing dear Azza. The images are vivid and evocative.How beautiful to
شاعر ليبي | 19/06/2017 على الساعة 04:55
لك المجد يا بنغازي
تملأين فضولنا عن بنغازى وترسلين كلماتك لنا عبر أثير المسافة ..أيه يابنغازي ..يا ملح ايامنا ...ويارباط بلادنا ...ماذا فعلوا فيك ؟! ثم لماذا لم يستطيعوا أبدا كسرك ؟ هاهنا يمامة من شاعراتك تهدل بصوتها ..و انينها يملأ الكون صداه .....اللهم لطفك بمدينة الغرباء ...اللهم رد إلينا ليبيا ردا جميلا ....
محب بنغازي | 18/06/2017 على الساعة 20:44
شكراً لعبير الورد
جميلة بشجن ...
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع